رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

390

سمو الأمير يفتتح دور الانعقاد العادي الـ55 لمجلس الشورى

13 أكتوبر 2026 , 11:26ص
الشرق
الدوحة - قنا

 تفضل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، فشمل برعايته الكريمة افتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثاني، الموافق لدور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى، وذلك في قاعة تميم بن حمد بمقر المجلس صباح اليوم.

حضر الافتتاح سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني الممثل الشخصي للأمير، وسمو الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني، وسمو الشيخ محمد بن خليفة آل ثاني، وسعادة الشيخ جاسم بن خليفة آل ثاني.

كما حضر الافتتاح معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وعدد من أصحاب السعادة الشيوخ والوزراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى الدولة والأعيان.

وألقى سمو أمير البلاد المفدى "حفظه الله" خطابا بهذه المناسبة، فيما يلي نصه:

بـسـم الله الــرحـمـن الـرحـيــم

الإخوة والأخوات،

يسرني أن أفتتح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلسكم الموقر، متطلعا إلى أن يواصل المجلس أداء مهامه الدستورية بروح التعاون البناء، وأن تسهم مناقشاته في تطوير التشريعات، لما يصب في خدمة المصلحة العامة.

وفي هذا المقام، نستذكر بقلوب يملؤها الوفاء مسيرة والدنا العزيز صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، الذي انتقل إلى جوار ربه هذا العام، بعد حياة كرسها لخدمة وطنه وأمته، وقاد شعبه في مرحلة مفصلية من تاريخ قطر، اتسمت بنهضة شاملة امتدت إلى مختلف مجالات التنمية، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز استقلال القرار الوطني، وتمكين المرأة والحضور الفاعل لقطر بين الأمم. وكان إيمانه بالإنسان القطري أساس مشروعه، فاستثمر في علمه وقدراته، وهيأ له سبل الإسهام الفاعل في مسيرة وطنه وتنميته. وإن أجدر ما يكون وفاء لسيرته أن نصون ما أرساه من منجزات، وما تركه من إرث راسخ في وجداننا وذاكرة وطننا. جزاه الله عن قطر وشعبها وأمته خير الجزاء، وأسكنه فسيح جنانه.

الإخوة والأخوات،

نلتقي هذا العام بعد أن واجهت بلادنا والمنطقة أحداثا استثنائية، أثبتت مجددا متانة مؤسسات الدولة، وتماسك المجتمع، والقدرة على التعامل مع الأزمات بكفاءة ومسؤولية.

وأود هنا أن أشيد بشعبنا والمقيمين على أرضنا، على ما أظهروه من وعي وتماسك خلال الأحداث التي شهدتها بلادنا في الشهور الماضية.

كما أشيد بمؤسسات الدولة وقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية التي كانت على أهبة الاستعداد، لا لامتصاص الصدمة فحسب، بل للتعامل معها وإدارتها ببسالة واقتدار.

 

إن علاقة القطريين بهذه الأرض الطيبة لم تصنعها الوفرة، بل صاغتها الأجيال في مواجهة الشدائد وقسوة الجغرافيا وشح الموارد. إنها علاقة وفاء ورهان على الإرادة وتحدي المستحيل، كتبها قادتنا الأوائل بالتفاف شعبنا حولهم.

إن إرادتنا في بناء وطننا وصون مكتسبات شعبنا صلبة لا تنكسر.

لقد حملت قطر في هذه الأزمة ثلاث مسؤوليات في آن واحد: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة.

وتألفت استراتيجيتنا لحمل هذه المسؤوليات من أربعة عناصر أساسية: أولا: الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب. ثانيا: الحفاظ على الخدمات وسلاسل التزويد ودورة الحياة الاقتصادية. ثالثا: الإسهام في الجهود التي تبذل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية. رابعا: الحث على التفاوض، والبحث عن فرص العودة إلى المفاوضات للتوصل إلى حلول سلمية للصراع.

الإخوة والأخوات،

تؤمن قطر نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، وما يمسها ينعكس سريعا على الأسواق والمستهلكين في كل مكان.

وقد أدى إغلاق مضيق هرمز، وما لحق ببعض منشآت الطاقة في مدينة راس لفان الصناعية من أضرار مباشرة، إلى تعطل جزء مهم من صادرات الدولة. غير أن أثر تداعيات هذه التطورات الاقتصادية تركزت بصورة رئيسية في قطاع الطاقة، في حين حرصنا على أن تواصل القطاعات غير الهيدروكربونية نموها لتبلغ مساهمتها نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بما يعكس قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود ومواصلة النمو في ظل ظروف استثنائية ومعقدة.

ومنذ اللحظة الأولى للأزمة، وضعت الدولة حماية الإنسان، وتأمين احتياجاته، وتعزيز النشاط الاقتصادي في صدارة أولوياتها. فعملت أجهزتها، بالتعاون مع القطاع الخاص، على تنويع مسارات الإمداد، وتأمين السلع الأساسية والمخزونات الاستراتيجية.

لقد واجه الاقتصاد الوطني هذه الأزمة من قاعدة قوية؛ فقد حقق في عام 2025 نموا حقيقيا بلغ 2.9%، مع استقرار معدل التضخم عند نصف بالمائة في المتوسط السنوي، وتحقيق فائض في الحساب الجاري. وحافظت الدولة على تصنيفاتها الائتمانية السيادية المرتفعة. وتواصل نمو رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر.

ومن الطبيعي أن تنعكس الأزمة سلبا على المالية العامة، فانخفض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، فيما انخفضت المصروفات العامة بنسبة 14%، وذلك من دون المساس بالخدمات الأساسية أو الأولويات التنموية. وهذا ليس أمرا مفروغا منه، ويفترض أن يلقى التقدير اللازم. فلم تصب الدولة بالهلع وظلت تنظر إلى المستقبل بثقة بالاقتصاد الوطني. لقد قررنا عدم تقليص الخدمات الأساسية، وفضلنا عدم تغيير الأولويات التنموية، حرصا على ألا يتباطأ الزخم الاقتصادي الذي تعيشه قطر.

وقد مكنت سياسات الدولة قبل الأزمة التي شملت تعزيز الاحتياطيات، وخفض الدين العام، وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة، وتنمية الإيرادات غير النفطية، من استيعاب تداعيات هذه الأزمة حتى الآن.

ولكن هذه الاستراتيجية تستوجب مواصلة الانضباط المالي، ورفع كفاءة الإنفاق، ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد.

وليس هدفنا أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نجعل التعافي منطلقا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. فلدينا حزمة من المشاريع والفرص الاستثمارية تقدر قيمتها بنحو 221 مليار ريال على مدى السنوات الخمس المقبلة، تشمل مشاريع البنية التحتية، بما فيها مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب استثمارات القطاع الخاص في قطاعي العقارات والضيافة. وقد أكدت هذه الأزمة صواب التوجـه الـذي رسمتـه اسـتراتيجيـة التنميـة الـوطـنيـة الثـالثـة؛ فالإصلاحات التي تعزز تنافسية الاقتصاد في الظروف العادية هي ذاتها التي تعزز صموده في الشدائد. وإننا نعول على مجلسكم الموقر في مواكبة هذه المرحلة بتشريعات تعزز دور القطاع الخاص وجاذبية بيئة الاستثمار. وإن قطر لن تخرج من هذه الأزمة إلا أكثر مرونة وتكيفا مع المتغيرات العالمية، بإذن الله.

واجبنا أن نتطلع دائما إلى الأفضل، ولكن علينا أن نكون أيضا جاهزين لأسوأ الاحتمالات، وأن يتحمل الجميع مسؤولياته، مؤسسات ومواطنين.

في قطاع الطاقة، تمضي أعمال توسعة حقل الشمال للغاز وفق الخطط المقررة لزيادة الطاقة الإنتاجية للدولة من الغاز الطبيعي المسال. كما أحرز مشروع غولدن باس في الولايات المتحدة تقدما ملحوظا، فيما تتوسع استثمارات قطر للطاقة وشراكاتها الدولية، بالتوازي مع تطوير الصناعات البتروكيماوية، ومشروعات الطاقة الشمسية، وتعزيز الأمن المائي.

وفي مجال الأمن الغذائي، تصدرت قطر إقليميا في مؤشر صمود النظم الغذائية لعام 2026. ويتواصل دعم الإنتاج الزراعي المحلي، مع تطوير التخزين والنقل، وتقليل الهدر، والالتزام بالكفاءة الاقتصادية ومعايير الجودة.

الإخوة والأخوات،

إن الاستثمار في الإنسان أساس تقدم الدول فهو غاية التنمية ووسيلتها. وقد شهدت المؤسسات التعليمية القطرية تقدما لافتا، ومن ضمنها جامعة قطر وجامعات المدينة التعليمية، وغيرها من مؤسسات الدراسات العليا. ونحن نتابع بحرص واهتمام بالغين تطور قطاع التربية والتعليم في الدولة، بما في ذلك المدارس الحكومية والخاصة، وتلبية متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة.

على مؤسسات التعليم أن تزود الشباب بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل، وكذلك بالفكر والثقافة اللازمين لمواجهة تحديات العصر. ولا بد أن تقترن مواكبة العلوم والتقنيات الحديثة بترسيخ مكانة اللغة العربية وتعزيز قيم الهوية الوطنية.

في مسار التحول الرقمي، طور أكثر من 360 خدمة رقمية جديدة. كما انتقل مشروع قاعدة البيانات المركزية إلى مرحلة التكامل العملي، ليكون مصدرا وطنيا موحدا وموثوقا لصياغة السياسات وقياس الأداء. ونوجه باستكمال الربط بين الجهات، وتوحيد معايير البيانات، وحماية الخصوصية.

ولا تكتمل كفاءة الإدارة من دون مساءلة واضحة. وقد بدأ تطبيق نظام تقييم الأداء القائم على النتائج وجودة المخرجات. وعلى القيادات الإدارية أن تتحمل مسؤوليتها في تمكين الموظفين، ونقل المعرفة، وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص. والمهم ألا تطبق هذه السياسات شكليا فحسب بحيث يبقى الإنجاز والكفاءة على حالهما، فالمطلوب هو الأمانة في عملية التقييم. فلا يمكن أن تحل أي سياسات وأنظمة محل الأمانة في التقييم وأخلاق العمل.

الإخوة والأخوات،

تعرضت دولة قطر لاعتداء على أراضيها من جانب إيران، في انتهاك صارخ لسيادتها ولأحكام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار. وقد أدت قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية واجبهما في الدفاع عن الوطن. ونستذكر هنا بمشاعر الإجلال الشهداء الذين بذلوا حياتهم دفاعا عن قطر.

 قد يسلم بجريان الحياة الطبيعي بوصفها أمرا مفروغا منه على الرغم من الحرب المستعرة، لكن من واجبنا التذكير والتذكر بأن هذا ما كان ممكنا حتى تصوره لولا الله ثم قواتنا المسلحة، التي وصلت الليل بالنهار في دفاعها عن أجوائنا وأرضنا ومياهنا، ومن دون جهد أكثر من عقد كامل من الإعداد والاستعداد والتدريب والتجهيز.

فالصمود لا يولد في لحظة الأزمة، بل هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط. وقد كان لنا، ولله الحمد والمنة، أن نصمد في أصعب الظروف، وأن نخرج من كل أزمة أقوى، وأكثر صلابة، وعزما وثباتا.

ونؤكد أيضا في هذا المقام أن تمسكنا بالحوار والحلول السلمية لا يعني التهاون في الدفاع عن بلدنا، كما أن حقنا في الدفاع عن سيادتنا لا يتعارض مع حرصنا على منع اتساع دائرة الحرب. أنتم تعرفون، والجميع يعرف، أن قطر فضلت دائما حل قضايا الخلاف بالحوار والتفاوض والسبل الدبلوماسية. كان هذا دائما موقفنا، وما زال.

 وقد أكدت هذه الأحداث المؤسفة مجددا أن أمن المنطقة والعالم مترابط، وأن زعزعة الاستقرار في أي مكان لا يمكن عزله عن بقية العالم. كما أكدت ضرورة استمرار التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فأمن دول المجلس وحماية سيادتها واستقرارها أمر لا يمكن التجاوز عنه ولا التهاون فيه، ويفرض علينا ذلك مضاعفة الجهد لتأمين الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وحماية منشآت الطاقة والمياه والبنية التحتية المدنية، وسنواصل العمل مع أشقائنا وشركائنا الدوليين والإقليميين من أجل الحفاظ على منطقتنا مستقرة وآمنة.

وتبقى القضية الفلسطينية في صدارة أولوياتنا، ونؤكد أن ما جرى في قطاع غزة يعد بلا جدال إبادة جماعية، ولا يجوز أن يفلت مرتكبوها من المحاسبة، ونحذر من المخاطر الناجمة عن الممارسات الإسرائيلية العدوانية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني الشقيق، وآخرها اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية بحماية من الجيش، فضلا عن الاقتحامات المتكررة للحرم القدسي الشريف، وانتهاكات لا تحصى لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني.

ونجدد مواقفنا الثابتة تجاه إيجاد حلول لأزمات المنطقة في السودان وليبيا واليمن والصومال من خلال توافقات سياسية مطلوبة تكون شاملة ومنصفة وتحفظ وحدة وسلامة الأراضي وتحقيق مصالح الشعوب في الأمن والاستقرار.

وفي الختام، لقد أكدت التجربة أن صمود الدولة يقوم على الاستعداد، وتنوع الاقتصاد، وكفاءة المؤسسات، وتكافل المجتمع، ومسؤولية الأفراد. فالتحديات وطنية، والمهام مشتركة تتطلب من الجميع إتقان العمل، وصون المال العام، وتغليب الواجب والمصلحة العامة على أي اعتبار. 

وفقنا الله جميعا لما فيه خير قطر وشعبها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مساحة إعلانية