رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تقارير وحوارات

14819

قوارب الموت.. أحلام غارقة في مياه البحر المتوسط

26 نوفمبر 2017 , 02:00م
الشرق
الدوحة قنا

معاناة بلا حدود، وكوراث إنسانية مستمرة، ويزداد ضحاياها يوما بعد يوم، هذه هي نهاية رحلة الباحثين عن مستقبل أفضل على الشاطئ الآخر، لكنهم غرقوا مع أحلامهم، وابتلعتهم مياه البحر في الفصل الأخير من الحكايات الأليمة.

هؤلاء المهاجرون يعيشون أوضاعا مأساوية دفعت بهم لتلك الهجرة ولمغادرة أوطانهم وركوب المخاطر، ومنها الأوضاع الاقتصادية باعتبارها من أهم الدوافع المسببة للهجرات الداخلية والخارجية وأكثرها تأثيرا في الأفراد، وتتمثل في تدني المستوى الاقتصادي للأفراد، الأمر الذي يحد من طموحهم وأمانيهم في عيشة كريمة.

هناك أيضا الأسباب الاجتماعية والسياسية التي تدفع بالسكان للهجرة إلى دول أخرى بحثا عن حرية التعبير عن الرأي والمعتقد، وهربا من الاضطهاد السياسي الممارس تجاههم في أوطانهم وكذلك أسباب محلية حيث تتحكم بعض الحكومات في أماكن هجرة السكان عن طريق توجيههم إلى أقاليم معينة وفقا لخطط ودراسات تقوم على أهداف وسياسات وبرامج اقتصادية معينة.

وقد أصدرت المنظمة الدولية للهجرة تقريرا أكدت فيه أن أكثر من 33 ألف شخص غرقوا وهم يحاولون الوصول إلى شواطئ أوروبا خلال القرن الجاري، ما يجعل البحر المتوسط "أكبر منطقة حدودية في عدد الوفيات بالعالم وبفارق كبير عما بعدها"، وجاء تقرير المنظمة التابعة للأمم المتحدة بعد وصول عدد قياسي من المهاجرين خلال الفترة بين عامي 2014 و2016 إلى أوروبا، لكنها أشارت إلى أن الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا على وقف عبور المهاجرين للأراضي التركية، حد من تدفق اللاجئين نحو القارة الأوروبية، كما ساعد على ذلك انتشار دوريات قبالة سواحل ليبيا.

وبين التقرير أن 33761 مهاجرا على الأقل جرى الإبلاغ عن وفاتهم أو فقدانهم في البحر المتوسط بين عامي 2000 و2017، وقال "فيليب فارغيس" من معهد الجامعة الأوروبية الذي أعد التقرير "إن هناك الكثير من عمليات الهجرة غير الموثقة عبر البحر المتوسط، وإن الأرقام تقلل على الأرجح من الحجم الفعلي للمأساة الإنسانية"، مضيفا "أن إغلاق الطرق يعتبر الحل الأقصر والأقل خطورة وذلك لأن فتح طرق أطول وأكثر خطورة، يمكن أن يؤدي إلى زيادة احتمال وقوع حالات وفاة في البحر".

وعلى الرغم من تراجع عمليات الوصول بحرا إلى إيطاليا بنحو الثلث هذا العام، فقد حدثت خلال الأسبوع الماضي زيادة في عمليات الإنقاذ ومحاولات العبور، وتقول أرقام المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 161 ألف مهاجر ولاجئ وصلوا إلى أوروبا بحرا هذا العام وإن 75 في المئة منهم وصلوا إلى إيطاليا بينما وصل الباقون إلى اليونان وقبرص وإسبانيا، فيما غرق أو فقد نحو ثلاثة آلاف شخص.

واستعرض التقرير الأدلة المتاحة فيما يتعلق بالهجرة غير النظامية عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا على طول الطرق المختلفة التي تعود إلى السبعينيات، ولا سيما حجم التدفقات، وتطور الطرق البحرية إلى أوروبا الجنوبية، وخصائص المهاجرين، ومدى إمكانية الفصل بين حركات الهجرة الاقتصادية لتحسين سبل العيش والهجرة القسرية فرارا من النزاعات، ونسبة الوفيات أثناء الرحلات البحرية.

وعبر البحر المتوسط يلجأ الأفارقة والمتضررون من الصراع في الشرق الأوسط إلى أوروبا نحو إيطاليا وإسبانيا بشكل خاص، ومن هناك ينطلقون إلى وجهات جديدة في القارة الأوروبية، وقد تحركت إيطاليا مؤخرا وقامت بإرسال عدد من قطعها البحرية إلى سواحل ليبيا وقالت "إن هذا التحرك يهدف لدعم خفر السواحل الليبي للتصدي بفعالية أكبر للاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية".

ويقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين عبروا المتوسط منذ السبعينيات بأكثر من 2.5 مليون مهاجر، وقد بدأت موجات الهجرة غير الشرعية وغير المنظمة في الارتفاع في السنوات الأخيرة ردا على قوانين جديدة اتخذتها الدول الأوروبية بسبب ارتفاع مستويات البطالة، حيث شددت من شروط منح التأشيرات لبعض الدول والتي كانت في السابق معفية من التأشيرة مثل بعض دول شمال أفريقيا وتركيا.

ويقول التقرير إن هذه السياسات شجعت أولئك الذين كانوا في أوروبا بشكل مؤقت بالفعل على البقاء، وزيادة الهجرة غير النظامية لأفراد الأسرة للانضمام إلى أقاربهم في أوروبا وتمهيد الطريق لأعمال التهريب.

ويبرز التقرير أيضا الاختلافات بين النمط الحديث للهجرة من أفريقيا إلى إيطاليا، ومعظمها عبر ليبيا، ومن الشرق الأوسط إلى اليونان عبر تركيا، فالقادمون إلى إيطاليا هم من شمال أفريقيا وينحدرون إلى حد كبير من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى استجابة لضغوط الوضع الاقتصادي والنمو السكاني، إلى جانب محدودية فرص كسب العيش وارتفاع البطالة وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

أما القادمون إلى اليونان من تركيا منذ عام 2009 فقد كانوا من مواطني الدول الأصلية المتضررة من النزاع وعدم الاستقرار السياسي، مثل العراق وأفغانستان ولاحقا سوريا.

ويشير التقرير إلى محدودية البيانات المتوفرة عن الهجرة غير النظامية، ويؤكد أن أعداد الوفيات في البحر قد تكون أكبر بكثير من العدد الحقيقي للأشخاص الذين يموتون أو يفقدون أثناء عبورهم للبحر المتوسط، لأن الأرقام المنشورة مبنية على أعداد الجثث التي تم العثور عليها وشهادات الناجين من الغرق.

ويتضمن التقرير المطول والمكون من 46 صفحة جداول عديدة حول أعداد الوفيات ودول المنبع ونسبة طالبي اللجوء في أوروبا، فقد بلغت نسبة السوريين الذين طلبوا اللجوء في أوروبا 77.5 في المائة من مجموع طالبي اللجوء إذ بلغ عددهم بين 2011 و 2016 نحو 870500 سوري عبر من بينهم المتوسط بين تركيا واليونان نحو 641500 مهاجر.

وقال خفر السواحل في إيطاليا في الأيام الماضية إنه تم إنقاذ نحو 1600 مهاجر من نحو 20 سفينة في وسط البحر المتوسط.. وأكدت الحكومة الليبية المدعومة من الأمم المتحدة أنها تحقق في تقارير عن بيع مهاجرين أفارقة كعبيد وتعهدت بمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم.

وقد اعترض خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة الماضي أكثر من 600 مهاجر أفريقي، معظمهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء ومن بينهم نساء وأطفال، كانوا يستقلون خمسة قوارب أبحرت من الساحل الواقع شرقي العاصمة الليبية طرابلس.

الأحداث المؤلمة المرتبطة بالهجرة غير الشرعية كثيرة ومؤلمة ومن بينها ما حدث في أكتوبر 2013 حيث شب حريق في قارب صيد كان يقل نحو 500 مهاجر غير شرعي, مما أدى إلى غرق 366 منهم بينهم نساء وأطفال بعد أن علقوا داخل القارب.

وأسهم الحادث في إثارة هذه المآسي الإنسانية على نطاق واسع، بعد أن تم انتشال جثث الضحايا، وسط تغطية وسائل الإعلام مما ترك أثره العميق على البشر في مختلف القارات، إضافة إلى ذلك، فقد روى عدد من الناجين لاحقا كيف تعرضوا لأعمال تعذيب وجرائم بشعة قبل إبحارهم إلى أوروبا.

وكان من نتائج ذلك الحادث أن أطلقت الحكومة الإيطالية عملية إنسانية وعسكرية وبحرية واسعة باسم (بحرنا) سمحت بإغاثة 140 ألف شخص خلال عام، أي أكثر من 380 شخصا يوميا.

وفي الغالب يكون السبب في الغرق، هو أن سفن الهجرة تحمل فوق طاقتها وتكون صغيرة في حجمها والوزن يثقل عليها مما يدفعها للغرق، كما أن الرياح أيضا تلعب دورا كبيرا في النهايات المأساوية، فقد يتغير الجو فجأة دون سابق إنذار وتشتد الرياح وتغرق السفن وبقدرة الله عز وجل قد ينجو بعض المهاجرين وبعدها يروون رحلة الموت التي عاشوها، فمعظم المهاجرين الذين لقوا حتفهم على أطراف أوروبا -غرقا أو اختناقا أو جوعا أو بردا- ينحدرون من أفريقيا أو الشرق الأوسط، وفقا لإحصائيات المنظمة العالمية للهجرة التي تضم 156 بلدا.

وتمثل تركيا معبرا رئيسيا للمهاجرين واللاجئين من وسط آسيا ودول شرق المتوسط، ومنها يتوجهون نحو اليونان أو رومانيا أو بلغاريا.

وتعد اليونان البوابة الرئيسية إلى أوروبا ودول الاتحاد الأوروبي، وهناك طرق ومحطات أخرى للمهاجرين واللاجئين إلى أوروبا، تمر عبر البحر المتوسط، الذي بات مقبرة لقوارب اللاجئين والمهاجرين، وغالبيتهم من دول أفريقية، حيث يشهد غرق الكثير من مراكبهم بين الحين والآخر.

وفي الختام لا بد من التنويه بأن مشكلة اللاجئين هي واحدة من أكبر التحديات التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي ومنطقة "الشنغن" مجتمعة، وقد بذلت تلك البلدان جهودا مكثفة ولا تزال تبذل في محاولة لحل هذه المشكلة التي يبدو أنه لا نهاية لها.

مساحة إعلانية