يعلن الديوان الأميري أنه بمناسبة قرب حلول عيد الأضحى المبارك، فإن عطلة العيد ستكون على النحو التالي: أولاً: الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات...
رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الكتاب: "في وداع الأعلام"
المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاوي
الحلقة : الحادية عشرة
إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه).
ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة.
إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!.
وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم.
وفي هذه الحلقة يتحدث الشيخ القرضاوي عن المعلم الرائد التربوي محمد إبراهيم كاظم
محمد إبراهيم كاظم
أول مدير لجامعة قطر
(حوالي 1346 - 1412هـ = 1928- 1992م)
المعلم الرائد التربوي محمد إبراهيم كاظم، من مواليد القاهرة 26/12/1928م، حصل على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة كنساس، وبدأ عمله محاضرًا في كلية المعلمين في القاهرة سنة 1957م، ومن ثَمَّ عمل محاضرًا في طرق تدريس العلوم بجامعة عين شمس، وقد شغل العديد من المناصب، منها: الملحق الثقافي لمصر في الفلبين، وعمل أستاذًا مشاركًا للتربية بجامعة بغداد، وهو مؤسس كلية التربية بجامعة الأزهر، وعميدها الأول، هو عميد كليتي التربية ثم جامعة قطر ورئيسها الأول، وفي عام 1986م انتقل الدكتور محمد للعمل في اليونسكو، فعمل مديرًا إقليميًّا لمكتب اليونسكو للتربية في العالم العربي، ثم منسقًا إقليميًّا للمنطقة العربية، ثم ممثلًا شخصيًّا لمدير عام اليونسكو في العالم العربي.
ونظرًا لكونه باحثا متميزا، ترأس العديد من مجالس البحث العلمي في الجامعات، وحصل على العديد من الجوائز التقديرية، وله أكثر من 100 بحث أكاديمي أو دراسة متنوعة في مجالات التعليم والتربية، والأصول الاجتماعية، والتكنولوجيا واستخداماتها، والسياسات العلمية والأكاديمية والتنظيمية.
تعرفي على الدكتور كاظم
بعد انتهاء مناقشتي لرسالة الدكتوراه عن (الزكاة) من جامعة الأزهر، كان عليَّ أن أسعى لاستخراج ورقة من جامعة الأزهر بحصولي على الدكتوراه، فإن الشهادة الأصلية لا تستخرج إلا بعد مدة، وهذا جعلني أتردد على مدير الجامعة، وكان في حينها الأستاذ الدكتور بدوي عبد اللطيف، أستاذ التاريخ، الذي كان قد سمع عني، فاستقبلني بحفاوة، ورحَّب بي، وتحدثنا في أمور الجامعة، وآمال الناس فيها، وحدثته عن السنة التأهيلية وأهميتها في تكوين من يُنسَب إلى الأزهر، وما يجب أن يكون عليه، فقال لي: ليتك تكتب لي هذا الكلام، أو خلاصته في بضع صفحات، لأستفيد به، ففعلتُ ذلك، وذهبت إليه بعد يومين أو ثلاثة، فوجدتُ عنده أستاذًا قدَّم لي نفسه، وقال: أنا سآتي عندكم إلى قطر في العام القادم. قلت له: من حضرتك؟ قال: أنا الدكتور محمد إبراهيم كاظم، عميد تربية الأزهر، وقد اخترت عميدًا لكليتكم الناشئة. قلت له: أهلًا بك في قطر، وقد سمعتُ عنك قبل أن أراك.
وسرعان ما أَنِسَ كلانا بالآخر، كأنما تعارفنا من قديم، وقال لي: إذا لم يكن لديك مانع، فتعالَ نترافق في بعض المشاوير معًا. وركبت معه سيارته، وذهب بي إلى مكتبه في كلية التربية بجامعة الأزهر في مدينة نصر، وأخذ منه بعض الأوراق، ثم ذهبت معه لزيارة فضيلة الشيخ عبد العزيز عيسى، وكان الشيخ يعرفني، فرحَّب بي كثيرًا. بعد ذلك استأذنت من الدكتور كاظم في الانصراف، على أن نلتقي كلما سنحت الفرصة، لأحدثه عن قطر وأوضاعها، ليستكمل فكرته النظرية عنها.
وكان الذي رشح الدكتور كاظم لعمادة كلية التربية في قطر، أو قل: للكليتين، كلية البنين وكلية البنات، وكان الذي رشَّحه لذلك هو الدكتور كمال ناجي مدير المعارف في قطر، بناء على تزكية من الدكتور عبد العزيز كامل، الذي يعرفه معرفة جيدة.
وعملت مع دكتور كاظم في كلية التربية، فقد نصحني كثيرون أن أنتقل للعمل في الكلية الناشئة، ففي ذلك فرصة لتحسين وضعي المادي والأدبي، وبخاصة أن الكلية سيكون فيها قسم للدراسات الإسلامية، وكلمت الشيخ خليفة في الأمر، فأصدر قراره فورا بتعييني في الكلية رئيسًا لقسم الدراسات الإسلامية بدرجة أستاذ مساعد (أستاذ مشارك في مصطلح بعض الجامعات)، هذا مع بقائي مديرًا للمعهد الديني- الذي كنت مديره منذ مجيئي إلى قطر- إلى جوار عملي الجديد، وكان رقم وظيفتي في الكلية هو (6) بعد التعاقد مع الدكتور كاظم وأربعة آخرين معه.
وبعد قدوم الدكتور كاظم إلى قطر عميدًا لكليتي التربية، وزوجته الدكتورة صفاء الأعسر أستاذة علم النفس، وكنت قريبا منه، وكان قريبا مني، ويحاول دائما أن يتعرف مني على الأوضاع في قطر، وكان يحب التحدث مع الطلاب والطالبات، ويتقرب من الجميع. وكان الطلاب في أول الأمر قليلين. ثم بعد أربع سنوات، أصدر الشيخ خليفة بن حمد أمير البلاد قانون جامعة قطر التي بدأت بأربع كليات وهي: كلية التربية، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، كلية العلوم، كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وكان الدكتور كاظم هو المؤسس الأول لهذه الجامعة. وقد توليت عمادة كلية الشريعة.
تنظيمه رحله لي إلى دول الشرق الأقصى:
ومما أذكره للدكتور كاظم أنه في أثناء إدارته لجامعة قطر، أراد أن ينظم لي رحلة إلى بلاد الشرق الأقصى، ألتقي فيها برجالات الإسلام، وبالجمعيات الدينية، والحركات الإسلامية، والجامعات المعتبرة، في كل من: ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة والفلبين وهونج كونج وكوريا واليابان.
وقد كتبت الجامعة إلى هذه البلدان كلها، وإلى أهم الشخصيات التي سألقاها، محددة بتواريخها، فكانت رحلة منظمة غاية في التنظيم. وكان لسكرتيرة د. كاظم السيدة (إيفون) دور أساسي في حسن ترتيبها، بالبرقيات المتتابعة، وبالاتصال الهاتفي عند اللزوم، ولم تكن الفاكسات قد ظهرت بعد، حتى انتظمت الرحلة من بدايتها إلى نهايتها بحمد الله. وكانت رحلة موفقة، فقد ذهبت إلى ماليزيا، ألقيت فيها عدة محاضرات، وزرنا فيها بعض الولايات، والتقيت لأول مرة أخانا أنور إبراهيم.
وذهبنا بعدها إلى إندونيسيا، ونزلنا في مطار جاكرتا، ووجدنا من ينتظرنا في المطار، وكان هذا من ثمرات حسن تنظيم الرحلة: أننا نجد في كل مطار من ينتظرنا ومن حجز لنا في الفندق، ويسر لنا أمورنا، وهذا من فضل الله، ومن بركات الترتيب والإعداد الجيد.
وكان أهم من لقيناه: الدكتور محمد ناصر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، في إندونيسيا، وقد أعد لي برنامجا حافلا لزيارة الجامعات والمدارس الإسلامية، ومراكز النشاط الإسلامي المختلفة، (فزرنا جامعة ابن خلدون)، وزرنا المدرسة الشافعية، والمدرسة الطاهرية، وزرنا مجلس العلماء. وغادرنا إندونيسيا إلى سنغافورة، ثم الفلبين، ثم اليابان، ثم كوريا الجنوبية، ثم كانت هونج كونج المحطة الأخيرة.
سعيه في أن أحصل على درجة الأستاذية:
بعد سنتين في الكلية أحسست بفارق الدرجات في الكادر الجامعي، فدرجة المدرس غير درجة الأستاذ المساعد، وهي غير درجة الأستاذ، لا في الناحية المادية فقط، ولكن في القيمة الأدبية. وكلمت الدكتور كاظما في ذلك، وقلت له: إن الجامعات السعودية تعطي الدرجات بالأهلية والشهرة العلمية، وليس بالشهادات ولا بالأقدمية، لما للشخص من تميز وعطاء علمي، وإذا كانوا في الجامعة محتاجين إلى أبحاث للترقية، فعندي أبحاث جاهزة، وأكثر من المطلوب.
وتجاوب معي الدكتور كاظم، وقال: نزور معا الشيخ قاسم بن حمد وزير التربية، ونكلِّمه في هذا الأمر، فكانت استجابة الرجل أسرع مما توقعنا، وقال له: يا دكتور، الشيخ يوسف عندنا شيخ الأساتذة! وما هي إلا أيام حتى صدر القرار من الشيخ خليفة بن حمد أمير البلاد بتعييني في درجة أستاذ.
ثم اتسعت الجامعة الناشئة إلى عدة كليات، وأصبح دكتور كاظم مديرها، وأصبحت عميد كلية الشريعة.
حسن اختياره للرجال:
كان الدكتور كاظم عميد الكلية- أو قل: عميد الكليتين- يحسن اختيار الرجال، فاختار عددًا من الأساتذة الأقوياء الأمناء في التخصصات العلمية والأدبية، مثل الدكتور محمد فتحي سعود في الأحياء، والدكتور كمال البتانوني في النبات، والدكتور حسين أبو ليلة في الفيزياء، والدكتور عمر عبد الرحمن في الكيمياء، والدكتور ماهر حسن فهمي، والدكتور عبد العزيز مطر في اللغة العربية، وغير هؤلاء ممن قامت على كواهلهم جامعة قطر.
موقف طريف:
من الطرائف التي أذكرها للدكتور إبراهيم كاظم أيام عمادته لكلية التربية: أنه كان يقول في اجتماعاته مع الأساتذة: إن الامتحان لا يخصص له وقت معين، إنما يكون في المحاضرة الأخيرة؛ يقصد في وقت المحاضرة الأخيرة. لكن زميلي في قسم الدراسات الإسلامية الدكتور أحمد سُكَّر فهم أن الامتحان في آخر محاضرة فقط؛ يعني أن الطلبة لا يمتحنون ولا يسألون في كل ما أخذوه مدة الفصل الدراسي، ولكن في المحاضرة الأخيرة، وأبلغ الطلبة ذلك، ووضع الأسئلة على هذا الأساس، وأخذ جميع الطلبة درجة "أ" أي امتياز!!
مؤتمر (الحضارة العربية بين الأصالة والتجديد):
ومن الطرائف التي أذكرها أيضا له: أنه قد دعت الجامعة اللبنانية في بيروت إلى مؤتمر كبير، يدور حول موضوع أساسي ومهم، هو: (الحضارة العربية بين الأصالة والتجديد)، وقد فوجئ الدكتور كاظم عميد الكلية بأني أعددت بحثا للمؤتمر، وكأنه أحرج بأنه لم يرشحني، فقلت له: لا عليك، فإني أستطيع أن أذهب على حسابي. قال: بل تذهب على حساب الجامعة، ويذهب د. ماهر على حساب الدولة. وسافرت أنا والدكتور ماهر، وحضرنا المؤتمر الذي استمر عدة أيام، ثم عدنا إلى الدوحة، وإن كنت لم أحصل من الجامعة على ثمن التذكرة، كما وعد د. كاظم، ولكن ما كسبته من المؤتمر كان أغلى وأعظم من ذلك.
د. كاظم ومعرفته بالرجال وبالمجتمع :
كان الدكتور كاظم حسن الصلة بالناس، ويعرف أقدار الرجال، العالم يعرف علمه، والمالي يعرف ماله، والرئيس يعرف رئاسته، ويعطي لكل واحد منهم ما يستحقه.
وقد حاول أن يعرف معادن الناس في قطر ما أمكنه، وأن يعامل الجميع بما يستحقون، ومنهم الشباب القطري الناهض، الذي تخرج في الجامعات الأمريكية والأوربية، وأحيانا العربية، وفتح لهم الأبواب، ووضع أمامهم الآمال، ولم يقف ضد طموح طامح.
هذا مع حرصه على أن يقدم الرجل الذين تعرفهم، ويعرف مقدرتهم العلمية والعملية، مثل الدكتور جابر عبد الحميد، الذي اختاره وكيلا للجامعة، ومثل د. خيري كاظم أستاذ التربية المخضرم والمعروف للدارسين، الذي كلفه بعمادة كلية التربية.
ومعرفة بالإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود، ودعوته لزيارة كلية التربية، ومحاضرة الأساتذة والطلاب والطالبات في الجامعة، ومعرفته بالكثيرين من الأساتذة والمفكرين المتخصصين في جميع العلوم العربية والغربية، ودعوة كثير من هؤلاء إلى قطر للإسهام في موسم محاضراتها.
وقد ظل يعمل د. كاظم في هذا الجو المعبأ بالنسائم والعطور، وتغريدات الطيور، حتى رأى بثاقب فكره، وبعد نظره: أن يودع هو جامعة قطر، قبل أن تودعه هي، وأن يسافر منها، وهي تحضنه وتعانقه، وتمتدحه في كافة كلياتها، فقرر أن يستجيب لما كان معروضًا عليه من الأمم المتحدة، ومن مجالسها العليا.
وقد قررت الجامعة بكل كلياتها وإداراتها إقامة احتفالات مناسبة بتكريم الدكتور كاظم، وتقديم الهدايا الملائمة له، وعمل ولائم كاظمية بهذه المناسبات الرائعة. وودعناه والحمد لله، خير ما يودع الصديق صديقه.
ونحن نقول ما قال الشاعر :
ولست أقول: صديقي الوداع ولكن أقول: إلى الملتقى
مؤلفاته:
وضع د. كاظم أكثر من 100 دراسة متنوعة في مجالات التعليم والتربية والأصول الاجتماعية والتكنولوجيا واستخداماتها والسياسات العلمية والأكاديمية والتنظيمية، من هذه الدراسات والمؤلفات: (العقوبات المدرسية: بحث ميداني). و(تطورات في قيم الطلبة). و(اتجاهات في التعليم الشعبي). و(مرشد تمرين المدرس). و(اعتبارات في سياسات قبول طلاب الجامعات في دول الخليج العربي في ضوء سياسات التنمية) بالاشتراك مع نبيل أحمد صبيح. و(دراسات في التربية الإسلامية وأصولها: النظرية والفلسفية). و(اعتبارات ومعالم برنامج لمسيرة التعليم في مصر) دراسة.
العلامة الشيخ صلاح أبو إسماعيل
الداعية الكبير، والبرلماني الشهير، والمفسر الأثير
(1345 - 1410هـ = 1927 – 1990م)
في شهر مايو سنة 1990م فُجِعْنا بنبأ وفاة أخينا وصديقنا الكريم، الداعية الكبير، والبرلماني المصري الشهير، الشيخ صلاح أبو إسماعيل، الذي سعدنا به منذ زمن قريب في قطر، وودَّعناه ذاهبًا إلى (أبو ظبي) لتسجيل حلقات مطلوبة منه، في تفسير القرآن الكريم، على ما أذكره.
وقد أطال الشيخ المقام في أبو ظبي، كلما عزم على الرحيل، ألَحُّوا عليه ليتأخَّر لمزيد من التسجيل، والشيخ يُراعي خاطرهم، ويستجيب لهم، مع أنه كان مرهقًا، وفي حاجة إلى الاستجمام والراحة، ولا سيما في مثل سنه وحالته الصحية. وقديمًا قالوا: من الحب ما قتل! ومن الحب ما يمرض ويؤذي! أو كما قال أبو الطيب:
ومن العداوة ما ينالك نفعُه ومن الصداقة ما يضر ويؤلم!
وأخيرًا سُمح للشيخ أن يسافر ويعود إلى وطنه، وكان عادة يسافر وحده بلا رفيق، وفعلًا حزم أمتعته، وذهب إلى مطار أبو ظبي مرهقًا شديد الإرهاق. وفي مطار أبو ظبي، وهو ينتظر إقلاع الطائرة، مسترخيًا في صورة نائم، وافاه الأجل، ونفدت آخر قطرة في سراج العمر، وفوجئ الناس بالشيخ، وقد فاضت روحه إلى بارئها، راضية مرضية إن شاء الله، {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون:11].
كان الشيخ صلاح داعية مرموقًا، له شخصيته المتميِّزَة، وله أسلوبه الخاص، وله جمهوره المحبُّ له، وكانت له عقلية علمية منفتحة على التراث وعلى العصر، ولسان فصيح، وحديث عَذْب، ونفسية مشغولة بهموم الناس، شغلها بنصرة الدين، وقلب شجاع، لا يخاف في الله لومة لائم، ووجه هادئ باسم، تحس أن وراءه نفسًا زكية، وسريرة طاهرة، إلى روح فَكِهة، تتذوق النكتة المصرية، وتسهم فيها.
قارئ مفسِّر داعية:
كان حافظًا متقنًا للقرآن الكريم، يُحسن تلاوته وترتيله بصوت جميل، كثيرًا ما كان يُدعى في مآتم منطقته ليقرأ القرآن، ولكنه لم يكن يتقاضى عليه أجرًا، ثم تميَّز عن القراء الآخرين بأنه يقرأ الربع ثم يفسِّره للناس، وكان له فيه تذوُّق، وحُسْن فهم. فهو قارئ وداعية.
نجاحه الباهر في الانتخابات:
وهذا هو الذي عرّف الناس به، وعرَّفه بهم، فلما رشَّح نفسه لمجلس الشعب، كان أهل منطقته جنودًا له، يفدونه بأنفسهم وما ملكت أيديهم، حتى إنهم كانوا يستميتون في حراسة صناديق الانتخاب، ويستقتلون في الدفاع عنها، حتى لا تُسرق وتبدَّل بصناديق أخرى. وهذا هو ما جعل الشيخ ينجح في مرات كثيرة رغم أنف الحكومة، ورغم التزوير المكشوف في أكثر الدوائر.
حيلة لطيفة لحفظ الصناديق من التبديل:
وقد هداه ذكاؤه إلى حيلة لطيفة لحفظ الصناديق من التبديل، وهو أن يعطي كل مسؤول عن صندق (قرش صاغ) يضعه في الصندوق، ويقول: هو مندوب عني، ثم بعد ذلك لا يقبل صندوقًا إلا إذا وجد فيه القرش! وإلا كان معناه أنه غُيِّر.
شعاره في الانتخابات:
كان شعاره في الانتخابات: أعطني صوتك لنصلح الدنيا بالدين. وكان هتاف الناس له: يحيا العلم ويحيا الدين.. وعاش الشيخ أبو إسماعين. والعامة في مصر ينطقون لام إسماعيل نونًا.
معرفتي بالشيخ صلاح أبو إسماعيل:
عرفت الشيخ صلاح أبو إسماعيل أول ما عرفته، عندما كنَّا طلابًا في الكليات، كنتُ في كلية أصول الدين، وكان هو في كلية اللغة العربية، وكان كلانا من طلاب الإخوان المسلمين. كنت مسؤولًا عن طلاب الإخوان في كليات الأزهر، ومعهد القاهرة، وكان هو مسؤولًا عن طلاب كلية اللغة العربية، وكنا نلتقي في اجتماعاتنا الدورية، وفي المركز العام، وفي رحلات إلى جبل المقطم، وفي مخيمات تربوية يقيمها الإخوان بين حين وآخر.
ثم تخرجنا، وجاءت مِحَن الإخوان، وفرّقت بيننا الأيام، وأُعِرْتُ إلى قطر، وبقيت فيها، واستقر هو في مصر. ثم جمعنا العمل الدعوي العام في أقطار شتى، ومناسبات عدة، في ندوات ومؤتمرات ولقاءات: في مصر، وفي قطر، وفي الجزائر، وفي السودان، وفي المملكة العربية، وفي الإمارات، والكويت.. وغيرها من بلاد الإسلام، وخارج بلاد الإسلام.
وكان الشيخ صلاح رجلًا محبَّبًا إلى كل من يعرفه، لذكاء عقله، وسعة علمه، ودماثة خلقه، ولطف معاشرته، وسماحة نفسه، وإشراقة وجهه، وابتسامة ثغره، وتوقُّد حماسته، وتواصل نشاطه، وصبره على العمل والتنقل والحركة، رغم ضخامة جسمه، وثقل وزنه، لكنه كان قوي العزيمة، عالي الهمة، عميق الإيمان، عظيم الأمل في انتصار الإسلام، شديد اليقين بنجاح دعوته، إذا وجدت الداعية المؤهَّل باليقين والأخلاق والعلم والحضور وحسن الطريقة.
الصوت الجهير في مجلس الشعب:
كان صوته جهيرًا في مجلس الشعب المصري، الذي مثَّل دائرته فيه لعدة دورات. وكان مطالبًا بتحكيم الشريعة، داعيًا إلى الحريات، ولا سيما الحرية السياسية، منتقدًا للأوضاع العوجاء بصراحة وقوة، مستفيدًا من حصانته البرلمانية. وقد ظل يسعى ويجتهد في المجلس، حتى أصدر جملة من القوانين الموافقة للشريعة الإسلامية، ولكنها ظلت حبيسة الأدراج، لم تخرج إلى النور، لأنه لم توجد (الإرادة السياسية) التي تتبناها وتحولها إلى واقع مشهود.
شهادته الصريحة في محكمة أمن الدولة:
ولقد دعته محكمة أمن الدولة، التي كانت تحاكم (تنظيم الجهاد)، ليدلي بشهادته باعتباره شاهدَ نفيٍ، وبوصفه أحد علماء الأزهر، الذين اشتهروا بالدعوة إلى الإسلام في مصر وغيرها، وقد أدلى الشيخ في المحكمة بشهادته الخطيرة الصريحة التي هزت الدنيا، وزلزلت أركان الحكم في مصر زلزالًا! اتهم فيها بالكفر والفسق والظلم، وفقا لما جاء به القرآن في سورة المائدة: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [ المائدة:44] {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45] {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47]. وقد نشرها في كتاب بعنوان (الشهادة).
دعوة جمع غفير من الدعاة إلى قريته:
في إجازة من إجازات الصيف، دعا الشيخ صلاح عددًا من شيوخ العلم والدعوة (أذكر منهم شيوخنا: الشيخ محمد الغزالي، والشيخ عبد المعز عبد الستار، والفقير إليه تعالى، وجمًّا غفيرًا من الدعاة لم أعد أذكرهم) إلى قريته بهرمس، مركز إمبابة، في محافظة الجيزة، لنطلع على المؤسَّسات التي أنشأها من تعليمية وصحية واجتماعية، وأقام لنا وليمة كبرى في بيته، جمع فيها ما لذَّ وطاب، إكرامًا لإخوانه. وقد مازحته يومها فقلت له: يا شيخ صلاح، الصوفية يقولون: العادة تثبت بمرة واحدة! فقال: وأنا موافق، وليتكم في كل صَيْفِيَّة تكرمونني بهذه الزيارة، فأنا والله الفائز. وأحسب أننا زرناه مرة أخرى، ولكن كان العدد محدودًا، وليس كالمرة الأولى.
المسيرة المليونية في السودان تأييدا لتطبيق الشريعة:
دعا الرئيس السوداني جعفر نميري، إلى مسيرة مليونية تأييدا لقراره بتطبيق الشريعة الإسلامية، وشارك فيها بقوة: الإسلاميون، وكل فئات الشعب، وحضر عدد كبير من العلماء من بلاد عربية وإسلامية شتى، منهم: شيخنا الشيخ محمد الغزالي، وأخونا الداعية الكبير الشيخ صلاح أبو إسماعيل، وكثيرون من علماء العالم الإسلامي لم أعد أذكرهم. قد أقيم للمدعوين سرادق في مكان متميز في الخرطوم، بحيث يشرفون من موقعهم على المسيرة وهي تمر أمامهم، ممثلة لفئات المجتمع المختلفة، ومهنه المتنوعة، من الجمعيات الخيرية، ومن الطرق الصوفية، ومن النقابات المهنية، ومن التجمعات القبلية، ومن الجماعات السياسية، ومن غير ذلك من الفئات والجهات، التي شملت الشعب كله، وكلها تهتف من أعماقها للشريعة الإسلامية، وللدعوة الإسلامية، وعلى وجوه الناس الفرحة والثقة، وهذا استفتاء صادق للشعب، وقد كان الجو حارًّا، والمسافة طويلة من بداية المسيرة في الخرطوم إلى منتهاها في أم درمان، ولكن الناس كانوا أقوى من الحر، وأقوى من طول المسافة.
وفي الحقيقة كان يومًا حافلًا، ويومًا رائعًا، ويومًا من أيام الله، وكان كثير من المدعوين– وأنا منهم – تغرورق عينه بالدموع، كلما رأى هذه المناظر الشعبية التلقائية، المؤيدة لشرع الله، وأحكام الله.
وكان أخونا الشيخ صلاح أبو إسماعيل يقول في حرقة وحرارة: متى أرى مثل هذه المسيرة في القاهرة؟ أسأل الله ألا يميتنا حتى يقر أعيننا برؤية مثل هذه المسيرة. ولكنه انتقل إلى رحمة الله قبل أن يرى هذه المسيرة.
الرعاية والاهتمام بأبناء قطر لا يقتصر على داخل الدولة ,بل يتعداها الى متابعة شؤون الطلبة القطريين حيث تواجدوا... اقرأ المزيد
1333
| 16 يوليو 2015
لم توقف الهلال الأحمر القطري عن رسالته الإنسانية بدعم القطاع الصحي في فلسطين من خلال تنفيذ مشروع كبير... اقرأ المزيد
306
| 16 يوليو 2015
نفذ الهلال الأحمر القطري مشروع حفر آبار سطحية وارتوازية، بالتعاون مع الإدارة العامة للأوقاف بقطر، ولجنة الإغاثة الإسلامية... اقرأ المزيد
1023
| 16 يوليو 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعلن الديوان الأميري أنه بمناسبة قرب حلول عيد الأضحى المبارك، فإن عطلة العيد ستكون على النحو التالي: أولاً: الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات...
12994
| 24 مايو 2026
في إطار تطوير الخدمات الرقمية ورفع كفاءة العمليات الداخلية قام ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي بأتمتة خدمة احتساب مكافأة نهاية الخدمة ضمن نظام...
10826
| 25 مايو 2026
جددت وزارة الداخلية التنويه بخطوات تجديد الإقامات عبر تطبيق مطراش دون الحاجة إلى مراجعة الإدارة العامة للجوازات أو مراكز الخدمات. وبيّنت عبر حسابها...
6820
| 24 مايو 2026
الكيلو بـ 750 ريالاً والحبة الواحدة يتجاوز سعرها 200 ريال، هكذا تداول مستخدمو منصة إكس في قطر سعر مانجو ميازاكي بأحد المتاجر المعروفة...
5278
| 25 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلنت وزارة المالية أن اجمالي مصروفات الربع الأول من عام 2026 بلغ نحو 48.1 مليار ريال، بانخفاض نسبته3.7% مقارنة بالربع المماثل من العام...
1370
| 25 مايو 2026
أعلنت وزارة المالية اليوم، أن الموازنة العامة للدولة سجلت عجزا قدره 10.3 مليار ريال خلال الربع الأول من عام 2026. وأوضحت الوزارة، في...
518
| 25 مايو 2026
بلغ حجم تداول العقارات في عقود البيع المسجلة لدى إدارة التسجيل العقاري بوزارة العدل خلال الفترة من السابع عشر إلى الحادي والعشرين من...
88
| 25 مايو 2026
انخفضت أسعار النفط، اليوم، بنسبة 6 في المئة، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 5.85 دولار، أو 5.7...
134
| 25 مايو 2026
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل




أعلنت إدارة الأرصاد الجوية عن بدء ظهور نجم البطين اعتباراً من 25 مايو الجاري، مشيرة إلى أن مدة ظهوره تمتد لـ13 يوماً. وأوضحت...
3070
| 24 مايو 2026
تزخر دولة قطر خلال عطلة عيد الأضحى المبارك بإقامة حزمة من الفعاليات الفنية والموسيقية والثقافية وعروض الألعاب النارية والعروض العسكرية والعروض الحية في...
2988
| 25 مايو 2026
أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن كشف بالمصليات والجوامع التي ستقام فيها صلاة عيد الأضحى لعام 1447هـ - 2026م، والتي شملت 733 مسجد...
2902
| 25 مايو 2026