رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

418

مبارك ناصر آل ثاني: الدوحة تتغير.. والفن يعيد اكتشاف ملامحها

28 سبتمبر 2026 , 10:57ص
alsharq
مبارك بن ناصر آل ثاني
الدوحة – موقع الشرق

الفنان القطري لـ«الشرق»: المدينة تظل مصدرًا متجددًا للإلهام.. والتعاون مع «كيتا قطر» نقل العمل الفني إلى قلب المشهد اليومي

 

يرى الفنان القطري الشيخ مبارك ناصر آل ثاني أن التحولات المتسارعة التي شهدتها الدوحة خلال السنوات الماضية لم تغيّر ملامح المدينة فحسب، بل أعادت أيضًا تشكيل الطريقة التي يراها بها فنيًا، لتتحول من فضاء يرتبط بالذاكرة والحنين إلى مدينة متعددة الطبقات، تجمع بين القديم والجديد، وبين العمارة والحركة اليومية للناس.

ويستند آل ثاني في تجربته الفنية إلى خلفية أكاديمية ومهنية تجمع بين الفن والتخطيط الحضري، وهو ما منح أعماله منظورًا مميزًا في قراءة المدن وتفكيك عناصرها المعمارية وإعادة تركيبها بصريًا. وقد درس السياسة الدولية في جامعة جورجتاون، قبل أن يحصل على درجة الماجستير في التخطيط الحضري من جامعة نيويورك، ثم يواصل دراسته الفنية في الولايات المتحدة.

وقال إن علاقته بالدوحة تطورت بالتوازي مع التحولات التي شهدتها المدينة، موضحًا أن أعماله في مراحلها الأولى كانت تميل بصورة أكبر إلى الحنين واستحضار المباني القديمة والأفق العمراني والعناصر البصرية المرتبطة بذكرياته الشخصية.

وأضاف: «اليوم أصبحت أكثر اهتمامًا بالعلاقة بين هذه العناصر؛ بين القديم والجديد، وبين المباني البارزة والتفاصيل اليومية، وكذلك بالطريقة التي يتحرك بها الناس داخل المساحات التي تصنعها المدينة».

وأشار إلى أن الدوحة باتت أكثر كثافة وتنوعًا وانفتاحًا على العالم، وهو ما انعكس على أسلوبه في تناولها فنيًا، مؤكدًا أنه لا يسعى إلى تقديم صورة مباشرة أو تقليدية للمدينة، بقدر ما يحاول التعبير عن إيقاعها وتحولاتها وتناقضاتها، والطريقة التي تتجاور بها مراحل مختلفة من تاريخها في مساحة واحدة.

وقال: «الدوحة تمنحني باستمرار مادة جديدة للعمل. وكلما تغيرت المدينة، كان عليّ أن أطور لغتي البصرية في التعامل معها».

المسافة تعيد تعريف المكان

وشكلت تجربة العيش والعمل بين قطر والولايات المتحدة عاملًا آخر في تطور رؤيته الفنية، إذ يرى آل ثاني أن الابتعاد عن المكان يتيح أحيانًا فرصة لرؤيته بصورة أوضح.

وأوضح أن التفاصيل التي تبدو اعتيادية أثناء الوجود داخل البيئة المحلية قد تكتسب دلالات جديدة عند الابتعاد عنها، سواء كانت لونًا معينًا أو نمطًا هندسيًا أو نخلة أو شكل مبنى أو حتى طبيعة الضوء.

وقال: «عندما تعيش داخل ثقافتك بشكل يومي، تصبح الكثير من التفاصيل مألوفة إلى درجة أنك قد لا تلاحظها. لكن عندما تبتعد عنها، تبدأ في رؤيتها بطريقة مختلفة».

وأضاف أن وجوده في الولايات المتحدة دفعه إلى إعادة النظر في الدوحة من زاوية جديدة، كما جعله في المقابل ينظر إلى المدن الأمريكية من خلال خلفيته القطرية، معتبرًا أن الهوية ليست عنصرًا ثابتًا، بل تجربة تتسع وتتطور مع السفر والاحتكاك ببيئات مختلفة.

وتابع: «هويتي القطرية ترافقني أينما ذهبت، لكن السفر يوسع أيضًا مفهوم هذه الهوية. يصبح الوطن مجموعة من الذكريات والمراجع وطرق النظر إلى الأشياء التي تستمر معك مهما تغير المكان».

المشهد الفني في قطر.. من البنية إلى العمق

وحول تطور المشهد الفني في الدوحة، اعتبر آل ثاني أن السنوات الماضية شهدت تحولًا كبيرًا، سواء على مستوى المؤسسات والمتاحف وصالات العرض وبرامج الإقامة الفنية، أو من خلال الحضور المتزايد للفن في الفضاء العام.

وأشار إلى أن أحد أبرز التغيرات يتمثل في خروج الفن من نطاق المتاحف وصالات العرض ليصبح حاضرًا في العمارة والتصميم والضيافة والمشروعات العامة والتعاونات مع القطاع الخاص.

وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعزيز الاستمرارية والعمق داخل المنظومة الفنية، مضيفًا: «لا يمكن أن يعتمد المشهد الفني فقط على المعارض الكبرى أو المناسبات الاستثنائية. الفنان يحتاج إلى مساحة مستمرة للتجريب والتطور، وإلى جمهور ومقتنين ونقاد يواكبون مسيرته على المدى الطويل».

وأكد أن البنية التحتية الثقافية والفنية في قطر شهدت تطورًا كبيرًا، لكن المرحلة التالية يجب أن تركز بصورة أكبر على بناء حوار نقدي مستدام ودعم الفنانين في مختلف مراحل تطورهم.

بين عين الفنان ومنطق المخطط

ويمثل التخطيط الحضري عنصرًا أساسيًا في طريقة آل ثاني في قراءة المدن، إذ يقول إن خلفيته الأكاديمية جعلته ينظر إلى البيئة الحضرية باعتبارها منظومة من العلاقات، لا مجرد مجموعة من المباني.

وأوضح أن المخطط الحضري يسأل عن أسباب وجود طريق أو مبنى أو حي في موقع معين، وعن حركة الناس داخل المكان والعلاقات التي تربط عناصر المدينة ببعضها، بينما يطرح الفنان أسئلة مختلفة تتعلق بالإحساس والذاكرة والانطباع البصري.

وقال: «لم أعد أستطيع الفصل بين الفنان والمخطط في طريقة نظري إلى المدينة. التخطيط يمنحني طريقة منظمة لفهم المكان، بينما يمنحني الفن الحرية لتفكيك هذا النظام وإعادة بنائه».

وتظهر هذه الثنائية بوضوح في أعماله التي تعيد صياغة العمارة والمناظر الحضرية من خلال أشكال هندسية وألوان وتكوينات لا تسعى إلى النقل الحرفي بقدر ما تحاول التعبير عن تجربة المكان وذاكرته.

الفن خارج جدران المعارض

ومع تطور تجربته، يتجه آل ثاني بصورة متزايدة نحو الأعمال التي تتجاوز الإطار التقليدي للوحة، من خلال الجداريات والتركيبات الفنية والمشروعات المرتبطة بالعمارة والفضاءات العامة.

وقال إن اهتمامه الحالي ينصب على مفهوم الحجم والسياق، وعلى كيفية تغير علاقة الجمهور بالعمل الفني عندما ينتقل من مساحة العرض المغلقة إلى الشارع أو الحي أو المكان الذي يمر به الناس يوميًا.

وأضاف: «اللوحة تخلق علاقة حميمة مع المشاهد، لكن الفن العام يغير هذه العلاقة بالكامل. يصبح العمل جزءًا من الطريق الذي يسلكه الإنسان أو المكان الذي يراه كل يوم، وربما يتفاعل معه شخص لم يكن يخطط أصلًا لزيارة معرض فني».

وأكد أن هذا التوجه لا يعني الابتعاد عن الرسم، الذي لا يزال يمثل أساسًا مهمًا في ممارسته، وإنما يتعلق بتوسيع المساحة التي يمكن للغة الفنية أن تتحرك داخلها، سواء على الجدران أو العمارة أو العناصر التي تنتمي إلى الحياة اليومية.

«كيتا قطر».. الدوحة كمساحة مشتركة للإبداع

وتجسد أحدث تعاوناته مع «كيتا قطر» هذا التوجه نحو نقل الفن إلى مساحة أوسع وأكثر اتصالًا بالحياة اليومية، من خلال مشروع «We Are Doha» الذي جاء بالتزامن مع الذكرى الأولى لانطلاق المنصة في السوق القطري.

وقال آل ثاني إن ما جذبه إلى التعاون هو فرصة ابتكار مشروع يرتبط بالدوحة وبالطريقة التي يعيش بها الناس المدينة ويتحركون داخلها يوميًا.

وأوضح: «جزء كبير من عملي يدور حول البيئة الحضرية والعمارة والحركة والعلاقة بين الإنسان والمكان. وكيتا بطبيعة عملها جزء من هذه الحركة اليومية داخل المدينة، ولذلك كان هناك مجال طبيعي للالتقاء بين الجانبين».

وأضاف أنه حرص منذ البداية على ألا يكون المشروع مجرد توظيف لعمل فني قائم ضمن تعاون تجاري، بل أن يحمل هوية خاصة مرتبطة بمدينة الدوحة.

وقال: «أردت أن يكون العمل نابعًا من المدينة نفسها. استعنت بعناصر من عمارتها وتكويناتها وشخصيتها الحضرية المتغيرة، وأعدت تقديمها من خلال لغتي البصرية».

واعتبر أن أحد أكثر جوانب المشروع إثارة بالنسبة إليه هو قدرة العمل الفني على مغادرة المساحات التقليدية والتحرك داخل المدينة، مضيفًا: «الفكرة التي أعجبتني هي أن العمل لا يبقى ثابتًا داخل معرض أو في موقع واحد، بل يتحرك عبر الدوحة ويصبح جزءًا من المشهد البصري اليومي للمدينة».

وأكد أن نجاح التعاونات بين الفن والعلامات التجارية يرتبط بقدرة كل طرف على الحفاظ على هويته وتقديم قيمة حقيقية للمشروع، قائلاً: «أفضل أشكال التعاون هي التي يقدم فيها كل طرف شيئًا أصيلًا. وفي هذا المشروع كانت الدوحة هي نقطة الالتقاء بيننا».

جيل قطري جديد

وفي حديثه عن الجيل الجديد من الفنانين القطريين، قال آل ثاني إن ما يثير اهتمامه هو حجم الفرص المتاحة أمامهم اليوم مقارنة بالأجيال السابقة، سواء على مستوى التعليم أو المؤسسات الثقافية أو التواصل مع التجارب العالمية أو القدرة على عرض الأعمال والوصول إلى جمهور أوسع.

وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في الاستفادة من هذا الانفتاح من دون فقدان الصوت الفردي للفنان.

وقال: «لا توجد طريقة واحدة يجب أن يبدو بها الفن القطري. وكلما أصبحت الأصوات الفنية أكثر استقلالية وتميزًا، أصبح المشهد أكثر قوة وتنوعًا».

وأضاف أن قطر، رغم مساحتها الجغرافية المحدودة، تحمل قدرًا كبيرًا من القصص والتجارب المرتبطة بالتاريخ والمجتمع والعمارة والثقافة والتحولات التي شهدتها البلاد.

واختتم بقوله: «هناك الكثير من القصص التي لم تُروَ بعد، وما يثيرني في الجيل المقبل هو أنه سيجد طرقًا جديدة لسردها، ربما بوسائل لم نتخيلها بعد»

مساحة إعلانية