رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

504

د. سلوى حامد الملا

يقترب.. بحساب..

01 يوليو 2026 , 11:10م

• لا تمنع الظروف، ولا مشاغل الحياة، ولا المسافات، ولا اختلاف التوقيت والساعات، الإنسان الصادق من أن يسأل، أو يطمئن، أو يعبّر عن شوقه واهتمامه. فالتواصل الحقيقي لا تقيسه المسافات، وإنما تقيسه الرغبة الصادقة في الوصول. وكثيرون يتذرعون بضيق الوقت، وازدحام الأعمال، وكثرة المسؤوليات، بينما الحقيقة أن الإنسان يمنح وقته لما يمنحه قلبه الأولوية.

• قيل: "العمر ينتهي، والعمل لا ينتهي"، وهي حكمة تختصر كثيرًا من الحقائق؛ فالأعمال تتوالى، والوظائف تتبدل، والمهام لا تعرف نهاية، وستُنجز يوماً بوجود الإنسان أو بغيابه. أما ما يبقى فهو أثره في القلوب، وطريقته في التعامل، وكلماته، ووفاؤه، وحضوره الإنساني الصادق. تلك الأشياء وحدها هي التي تصنع مكانته، وتترك فراغًا حين يغيب، وشوقًا حين يبتعد.

• يؤسف أن كثيرًا من العلاقات أصبحت تُدار بمنطق المصلحة لا بمنطق الإنسانية. فكلما عظمت المنفعة، ازداد الحضور، وكثرت الرسائل، وتتابعت الاتصالات، وامتلأت منصات التواصل بالإعجابات والتعليقات والمجاملات المصنوعة، وكأن إثبات الحضور أصبح وسيلة لحجز موقع في دائرة المصالح. كلمات منمقة، وثناء مبالغ فيه، واهتمام مؤقت ينتهي بانتهاء الحاجة، حتى باتت بعض العلاقات تُرهق صاحبها أكثر مما تمنحه الطمأنينة.

• هناك من يطرق بابك كلما احتاج إليك، لا لأنه يحبك، بل لأنه يحب ما تملكه، أو ما تستطيع أن تقدمه له. يقترب بحساب، ويبتعد بحساب، ويقيس قيمة الناس بمقدار ما يحققونه له من منفعة. فإذا انتهت الأسباب، انتهى الحضور، وكأن العلاقة لم تكن يومًا قائمة على معرفة أو مودة.

• وفي المقابل، هناك أرواح نادرة لا تبحث عن مقابل، ولا تنتظر منفعة، ولا تزن الناس بميزان المكاسب. تحب الإنسان لذاته، وتطمئن لروحه، وتشتاق إليه لأنه هو، لا لما يملك. هؤلاء يدركون أن أجمل العلاقات هي التي تُبنى على الألفة، والصدق، والراحة، والقدرة على مخاطبة ما وراء الملامح والكلمات. إنهم أولئك الذين يشعرون بصمتك قبل حديثك، ويفهمون غيابك قبل أن تبرره، ويقفون إلى جانبك لأنهم اختاروا الإنسان قبل أي اعتبار آخر.

• أصعب العلاقات هي تلك التي تفرض بين القلوب أسوارًا من الغموض، وحدودًا من الحذر، ومسافات من التردد، حتى يصبح الاقتراب مغامرة، والصدق مخاطرة، والتعبير عن المشاعر عبئًا. علاقات تخشى الوضوح، وتغلق نوافذها أمام نور الثقة، فلا يدخلها دفء، ولا تستقر فيها طمأنينة.

• لقد خلقنا الله سبحانه وتعالى أرواحًا تتآلف قبل أن تتعارف، وتتلاقى قبل أن تتحدث. وما أصدق قول النبي ﷺ: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف." فالفطرة الإنسانية لا تميل إلى العزلة، وإنما إلى الأنس، وإلى المشاركة، وإلى العلاقات التي تمنح القلب سكينة، وتمنح الروح شعورًا بأنها وجدت من يفهمها دون تكلف. وما أجمل أن تبقى العلاقات الإنسانية قائمة على الصدق والشفافية والوفاء، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح العابرة.

• نعيش اليوم في زمن تتسارع فيه الحياة، وتزدحم فيه الأيام، وتعلو فيه لغة المادة على لغة المشاعر. أصبح النجاح يُقاس بما نملك، لا بما نحمله في قلوبنا، وأصبح البعض يتعامل مع العلاقات وكأنها استثمار مؤقت، يبدأ حين تتحقق المصلحة، وينتهي بانتهائها. ولذلك لم يعد مستغربًا أن يكتشف الإنسان بعد سنوات أن بعض المشاعر التي ظنها صادقة لم تكن إلا جسرًا يعبر عليه الآخرون إلى غاياتهم.

• ومع ذلك، يبقى الخير حاضرًا، وتبقى الأرواح الوفية موجودة، وإن كانت قليلة. أشخاص لا ينسون المعروف، ولا يغيب عن ذاكرتهم موقف نبيل، أو كلمة صادقة، أو يد امتدت يومًا بالعون. يختزنون الوجوه في قلوبهم قبل ذاكرتهم، ويؤمنون أن الامتنان خلق، وأن الوفاء ليس ردًا للجميل فحسب، بل أسلوب حياة، وسمو أخلاق، ونقاء ضمير.

•    آخر جرة قلم:

أن تكون وفيًا في زمن أصبحت فيه المصالح أسرع من المشاعر، والظروف حجة، والانشغال عذرًا دائمًا… فذلك يعني أنك تحمل خُلُقًا نادرًا.

تمسّك بكل روح صادقة مرّت في حياتك، وبكل إنسان أحبك دون غاية، وسأل عنك دون مناسبة، وفرح لنجاحك دون أن ينافسك، وحزن لألمك دون أن ينتظر منك شيئًا. فالوفاء لا يُقاس بكثرة اللقاءات، ولا بطول سنوات المعرفة، بل بثبات القلوب حين تتغير الظروف، وبحضورها حين يغيب الجميع. وما أجمل أن نترك في هذه الحياة أثرًا لا تصنعه الأموال، ولا المناصب، ولا المصالح… بل تصنعه قلوب عرفت كيف تكون وفية، وكيف تحفظ الود، وكيف تبقى إنسانًا، مهما تغيّر الزمان.

مساحة إعلانية