رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الانقلابيون في مصر ليس فقط يفكرون في فض الاعتصامات ومنع المظاهرات بالقوة؛ ولكنهم – وهذه حقيقة – قد قرروا ذلك بالفعل، وهذا ما صرح به (بشوية هبل) وزير داخليتهم الذي أعلن في مؤتمره الصحفي عقب "مجزرة المنصة" أن القرار جاهز ولكنه ينتظر الغطاء القانوني فقط!!
هذا الأمر واضح، فالاعتصامات (بالأخص رابعة والنهضة) وبما يتخللهما من أنشطة فنية وإعلامية وما تصدرانه من رسائل داخلية وخارجية، وما تسقطانه كل يوم من رموز ومعاني الانقلاب وطنيا وأخلاقيا.. تتناقض كليا وألف بائيا مع فكرة الانقلاب وميكانزماته.. فأي انقلاب حتى ينجح ويستطيع قلب صفحة النظام الذي انقلب عليه لا بد له من أربعة مقومات؛ منها ثلاثة تتعلق بالداخل الوطني، والرابع هو الاعتبار الخارجي دوليا وإقليميا، وهو مترتب على تلك الثلاثة.. أما الثلاثة المتعلقة بالداخل فهي؛ أولا: أن يكون الإعلام معه فتصنع له هالة من القداسة والتخويف وتبرزه كنظام مستقر وحالة مستتبة.. ثانيا: أن يخضع الناس له خضوعا مطلقا ويتقبلوا الوقائع التي يفرضها عليهم عن حب أو عن كره.. ثالثا: أن يحتكر السلطة لنفسه ولتوليفته فلا تعود موضع تنازع أو تردد.. وأما الرابع والخارجي فهو: أن يعترف به العالم من دول وهيئات واتحادات ومنظمات عمليا في البداية ثم رسميا وبروتوكوليا..
السؤال هو: ما دامت الاعتصامات والمظاهرات متناقضة مع الانقلاب ومقتضيات نجاحه إلى هذا الحد؛ وإذا كان الدم المصري في عقيدتهم لا قيمة ولا قداسة له كما رأينا يوم الحرس الجمهوري والمنصة ورمسيس والإسكندرية.. وإذا لم يكن في وجدانهم احترام أو حرمة لرمضان أو للوطن أو للدين؛ وإذا لم يكن في خاطرهم الإبقاء على شعرة معاوية للتفاهم أو الصلح مع الخصوم (بدليل الانقلاب ذاته واستهدافهم خصومهم بالجملة وبكل هذه الوقاحة والمباشرة والعموم التي لم يعرفها التاريخ المصري كله منذ فرعون الأول الذي استهدف بني إسرائيل من رعاياه ولم يفتح حربا على كل المصريين كما يفعلون – أقول: فلماذا إذن ينتظرون كل هذا الوقت من بعد الانقلاب على اعتصامات رابعة والنهضة وعلى المسيرات؟
الجواب القطعي: هو لأنهم يخافون مما سيترتب على ذلك من انسياح الملايين في الشوارع إضافة للملايين الثائرة والتي لم تدخل أصلا بيوتها بعد الثورة.. هو إذن خوفهم من الثورة المصرية، ومما أنضجته في إحساس المصريين من قيمة للكرامة الإنسانية وخوفا مما أيقظته في المصريين من رفض للاستبداد والاستعباد الذي ذاقوا مرارته مورس منذ أن صارت مصر دولة – سوى بضع عشرات من السنين المتفرقة وتحت حكم الإسلام.
الانقلابيون يعلمون أنهم لو تعدوا على الاعتصامات فقد ينالون قطعة الأرض التي عليها المنصة ولكنهم سيخسرون كل المحافظات وسيواجهون يوميا الملايين وسيفقدون السيطرة، وستدخل مصر بأمنها وناسها ومزاجها في حالة من السيولة وربما الحرب الأهلية والانفلات لا تتمناه إسرائيل ولا تتحمل عقابيله أمريكا ولا ترتق فتقه الأذناب وأموالهم الآثمة في المنطقة..
السؤال الآخر: هل هذا يعني أن الانقلابيين استسلموا لظاهرة الاعتصامات والمسيرات التي تخرج كل يوم وكل ليلة وفي كل شارع وقرية ومدينة ومحافظة؟. الجواب والقطعي أيضا: لا؛ ولكنهم وبرصد أقوالهم وفلتات ألسنتهم وما يقوله كتابهم قد بدأوا يهيئون للاعتداء بالقوة وهم يحاولون صنع وانتظار ثلاثة متغيرات.. المفروض أنهم إذا نجحوا في إيجادها سيقومون بكل ما ترسمه لهم مخيلتهم الباغية الآثمة دون تردد ولا انتظار وحتى لو قتلوا المئات والألوف؛ والمتغيرات الثلاثة؛ أولا: يأس الناس من إمكانية إعادة الشرعية، وتقبلهم العملي للانقلاب، فيقل الناس وتتلاشى الاعتصامات.. الانقلابيون هنا يعولون على معالجات الزمن، وفي سياقه تأتي قرارات نيابتهم اعتقال الرموز والخصوم الشعبيين الذين يثرون الاعتصامات وتتمحور حولهم الحشود.. ثانيا: تهيئة الرأي العام لتقبل مجزرة ضد الاعتصامات وهم يحاولون ذلك من خلال الادعاء بأنها محصورة في فئة الإسلاميين، ثم شيطنتهم إعلاميا، وباتهامهم بممارسة الجرائم وتهديد الأمن وفي هذا السياق تأتي الاعتداءات في سيناء والمنصورة التي يتردد أنها من صنع المخابرات الحربية بالتعاون والتنسيق مع إرهابيين تابعين لحركة فتح.. وفي ذات السياق أيضا ما يشيعونه عن وجود صواريخ ومدافع فوق أسطح البنيات في ميدان الاعتصام.. ثالثا - استكمال مجموعة إجراءات ذات طابع قانوني يحميهم – أي الانقلابيين - من الملاحقات القضائية مستقبلا فيما لو استرجع الشعب المصري ثورته ووضعهم تحت المحاسبة.
السؤال الآن: هل هذه المتغيرات متسنّاة للانقلابيين أو في طرقها إليهم؟ الجواب وبالقطع أيضا لا – على الأقل حتى الآن – وذلك لعدة أسباب ؛ 1- أن الإسلاميين يكسبون كل يوم مزيدا من الرأي العام بالأخص من غير المسلمين وغير الإسلاميين وهم بإجادة بالغة يبرزون ذلك إعلاميا، 2- أن الإعلام المؤيد للشرعية لا يزال يعمل ويصل ويستطيع أن يرد الشبهات وينفي ما يحاول إعلام الانقلاب أن يسوقه منها (التنويه هنا بفضل فضائيات بعينها كالجزيرة واليرموك والحوار والقدس والزيتونة والمستقلة) 3- أن تحالف الدفاع عن الشرعية يقدم كل يوم رموزا إعلامية وشعبية جديدة وهيئات وفئات مصاغة بطريقة احترافية ومهنية (هنا برزت تماما قيمة التنظيم والإدارة والضبط والربط الذي يمتاز به تنظيم الإخوان المسلمين) 4- أن الشعب المصري وصل حدا من عشق الحرية والإحساس بقيمتها ومن الخروج والتضحية في سبيلها يمكن الاطمئنان إليه 5- أن الانقلابيين يقعون في أخطاء، بل خطايا، من قتل المواطنين وتناقض وفضائح الاتفاقات السرية مع "الإسرائيليين والأمريكان" ثم اعترافاتهم بأنفسهم وتصويرات مؤامراتهم.. كل ذلك يبقي في الذهن أن عزل "مرسي هو انقلاب ببعد مؤامرتي وليس ثورة ببعد شعبي 6- قيام مبادرات من جهات وسطية (بالمعنى السياسي والفكري) التي يرفضها الانقلابيون.. هذه الوساطات تفعل فعلها في استقطاب الرأي العام ضد الانقلاب، وعلى الشرعيين أن يحفزوها حتى لو منيت بالرفض لأنها تعري الانقلاب..
آخر القول: الانقلاب المصري لا يزال يتلبط في أوائله، ويتعثر في لحظة انطلاقه، وهو بين حيص الرضا بالمعارضة المفروضة عليه والتي تضرب ميكانزماته وتذكر بلا شرعيته، وبيص المواجهة الدموية التي ستطلق في وجهه عش الدبابير وتفلت عليه الأمور.. بالتالي فإن المستقبل للشرعية ما بقيت لديها القدرة على الاستمرار في الحد القائم حتى الآن وإن تأخر النصر قليلا..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9363
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2016
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1119
| 06 أكتوبر 2026