رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في هذا الوقت الذي يمر به العالم الآن بأحداث جسام تدع الحليم حيران حيث تراجعت الأيدلوجيات، وعادت الأديان, يبحث الناس أكثر من أي وقت مضى عن إمامة وقيادة للعالم من جديد. وتأتي فرحة عيد الأضحى بمقاصدها الإيمانية والأخلاقية والحضارية لتذكِّرنا بدورنا في استعادة الإمامة والقيادة والريادة لتحقيق مراد الله تعالى في آخر سورة الحج بما يعبِّر أن هذا هو المقصد الأسمى من هذه العبادة العظيمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:77-78).
و الآن نحن من شعيرة عيد الأضحى نستعيد إمامتنا للناس، من خلال إمامة إبراهيم الخليل كما قال الله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124).
و نريد أن نتعرف إلى سر هذه الإمامة وجوانبها، فسرُّها هو التضحية، وجوانبها هي الثلاثة التالية:
1- سمو العلاقة مع الله.
2- رقي العلاقة مع الأسرة.
3- المسئولية عن إصلاح المجتمع والسلطة السياسية.
و نعتقد أنه لن تكون هناك إمامة بدون هذه التضحية، والعلاقات الثلاث: (الله – الأسرة – المجتمع).
والآن نعيش معا في مقاصد عيد الأضحى لنرى كيف تكون التضحية والتوازن سبيلا نحو إمامة الناس وإصلاح معاشهم ومعادهم.
أولا: سمو العلاقة مع الله تعالى:
وهي تظهر من خلال التقرب إلى الله بالعبادة والدعاء, لقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (النحل: 120-121)، ووصل إلى أن صار خليل الله كما قال تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: من الآية 125)، ورفع القواعد من البيت وكان ماهرا في حسن التضرع إلى الله تعالى كما جاء في سورة إبراهيم، وقد تدرج في الإيمان في طلب المزيد والاطمئنان عندما طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى، وهنا أحب أن أؤكد أن هذا الحب لله جعله يقوم بالتضحية لله مستعذبا كل شيء ولو كان ذبح ولده لأن ذلك يرضي الله ويقبل أن يودع في النار دفاعا عن وحدانية الله، وما أحوجنا اليوم إلى هذه الربانية الصافية، والتزكية الراقية، والنفس المطمئنة الراضية التي تُنادى يوم القيامة بنداء الله الذي يحب عباده كما جاء في قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) (الفجر: 27-29)، فمن منا لا يريد الأمان مع الإيمان والاطمئنان مع الإحسان، ونيل أعلى الجنان بجوار الرحمن؟!.
وهنا نريد أن نؤكد أن زحام الأحداث، وتلاحق الأزمات لا يجوز أن يشغلنا عن عمارة المساجد، وجولات التفكر في الكون والتدبر في القرآن، والتضرع للرحمن، والذكر النابع من أعماق القلب والوجدان، وسخاء العين بالذلة والبكاء، والقلب بالخوف والرجاء، واليد بالبذل والعطاء.
ثانيًا: رقي العلاقة مع الأسرة:
ولا يمكن أن تكون الإمامة إلا بحبل من الله وحبل من الناس، وأول الناس الذين يستحقون عنايتنا ورعايتنا هم الأب والأم والزوجة والولد، وأن يتقدم كل فرد إذا أراد الإمامة والريادة أن يتعلم فقه التضحية لأسرته وليس منطق النفعية من الأسرة، كما يسري اليوم بين الأجيال التي تشربت من المادية الغربية.
ولو حاولنا أن نتعرف على سر الإمامة هنا فهي التضحية لأجل الأسرة من خلال ما يلي:
1- رقي التعامل مع أبيه مع كفره، وتحمله الأذى كي ينقذه من النار كما جاء في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) (مريم: 42-45)، ومع جنوح الوالد وغلظته وشدته فقد حفظ له حقه، واحتمل كي يقدِّم النوذج لأن سيد القوم لا ينسى الحقوق في الرضا والغضب، ولعل في نموذج سيدنا إبراهيم ما يوجب أن نستدعي التضحية لأجل صناعة السلام الاجتماعي مهما اختلفت الديانة، ونحن بمصر أمامنا مشوار لابد من السير فيه، وهو وأد الفتنة الطائفية واستعادة النسيج الاجتماعي القوي مع غير المسلمين مستهدين بملة إبراهيم عليه السلام لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (البقرة: من الآية 130).
2- رقي التعامل مع زوجته سارة حتى إنها لتضحي بمشاعر الأنثى الفطرية فتزوج زوجها كي يسعد بالولد الذي ترتجيه كل فطرة سوية، ولما حملت ورُزق الولد بعد كبر سنه، ضحى بوجود زوجته وولده إسماعيل في حضنه وموضع نظره فحافظ على مشاعر زوجته سارة التي غارت من هاجر فحفظ لها الجميل، وقبِل أمر الجليل أن يُسكن من زوجه وذريته بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم، ولما قبلا معا الزوج والزوجة هذه التضحية بنفس راضية نبع الماء سقاء وغذاء ودواء وقبول دعاء إلى يوم القيامة؛ لتنعم الأمة بزمزم، وتطوف بين الصفا والمروة للتذكير بالسعي توكلا لا تواكلا، وعملا لا تكاسلا، وإنتاجا لا استهلاكا.
3- علاقته بأولاده فسيدنا إبراهيم يعرف أصول التربية الحقيقة اعتقادا وتطبيقا، كما قال الله تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37)، فالتربية الإيمانية لأولادنا أولا من خلال: "ليُقِيمُوا الصَّلَاةَ" ، واجتماعيا ثانيا مع ذوي القلوب الحية والصدور السليمة لأن الإنسان مدني بطبعه إما أن يصاحب الأخيار أو الأشرار، ثم تطبيقا من خلال اصطحاب ولده إلى البيت الحرام وإشراكه في رفع القواعد والدعاء معا كما قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 127-128).
ولما أمر بذبح ولده لم يأت له من خلفه أو عند نومه ليذبحه دون استشارة وحوار مع ولده كما صوَّره القرآن في قوله تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات: من الآية 102-107).
ومن هذه القصة من التضحية الأسرية العظيمة كان عيد الأضحى ليذكِّر بأسرة تتعاون معا لأعلى درجات التضحية لأجل الحفاظ على مقام المقربين إلى الله والمحسنين مع عباد الله. ونحن ندعو كل أب أن يكون حواره مع أولاده مثل حوار سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل، وأن يكون أدب السمع والطاعة للأبوين في الخير مثل سيدنا إبراهيم وإسماعيل؛ لننعم بالسعادة والريادة معا، والشهادة والقيادة، والإمامة والريادة.
ونحن نحتاج هذه التضحية والتوازن في هذا الوقت الحرج الذي يتهدد فيه استقرار الأسرة بتكاليف الحياة المادية، وتنشغل بتحصيل الكماليات وكثرة الرغبات والشهوات، وتربية ولد واحد إيمانيا وأخلاقيا وعلميا، ولن تتحقق ريادة وإمامة إلا بتمثل الصفات الإيمانية والأخلاقية، وإلا فقد نفى القرآن التوريت في تحمل الأمانة والقيادة بمجرد النسب، بل باستكمال المكارم الأخلاقية كما قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124).
ثالثاً: المسئولية عن إصلاح المجتمع والسلطة السياسية:
في الأمة من كانوا ولا يزالون سببا في تأخر الإمامة للناس عندما يلتفت بعض المتدينن إلى علاقتهم بالله ثم بالأسرة، ويغلق على نفسه باب الإصلاح الاجتماعي والسياسي لأنهم رضوا بالخلوة دون الجولة، وتفرغوا للأسرة دون الأمة، وهنا نجد نموذج سيدنا إبراهيم يشدنا إلى الريادة والقيادة من خلال عنايته الفائقة بإصلاح مجتمعه والنظام السياسي وقتئذ، ومن الشواهد على ذلك ما يلي:
1- لقد جعل سيدنا إبراهيم بيته قبلة للناس واستقبل الضيفان بأحسن ما يلقى به إنسان ضيفه، كما قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) (الذاريات: 24-27)، وانشغل بإصلاح قومه سواء كانوا عُبَّادا للأصنام أم للكواكب، وقبِل أن يضحي بحياته من أجل انقاذ قومه من النار، لكنهم عادوه ووضعوه في النار، وهذه أعظم تضحية لأجل إصلاح المجتمع بأن يقبل الإنسان التضحية بسلامته وحياته لله فيحفظه كما حفظ رسالته، كما قال تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: 69). وهكذا الدعاة الذين عمدوا لإصلاح مجتمعهم فكافأتهم السلطة السابقة بالقهر والاستبداد والسجون والمعتقلات، والإقصاء والإبعاد وها هم يعيشون في برد الحرية وسلامة العدالة.
2- كان سيدنا إبراهيم شجاعا عندما تقدم إلى النظام السياسي وحاجج رأس السلطة "النمروذ" حجاجا طويلا تعبر عنه المدود في قراءة الكلمات " وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان"، حتى بُهِت الذي كفر، ليكون درسا لنا اليوم في المشاركة السياسية، والانتخابات النيابية والمجالس الشورية، والاتحادات الطلابية، والنقابات المهنية، مع أعلى درجات التضحية لأجل البلاغ وفق أصوله الشرعية، وتخليص الأمة من التبعية الغربية.
و في هذه المرحلة لا يمكن للفرد في هذا المجتمع المتواصل الأطراف أن يحقق الإيمان دون أن يؤثر في المجتمع ويتأثر به، كما لا يصح أن يهتم بالمجتمع دون السلطة السياسية، فلابد أن يكون مشروع الإصلاح شاملا كل الجوانب الإنسانية سواء فردية أو أسرية أو اجتماعية أوسياسية، مع شرط جوهري وهو الاستعداد للتضحية من أجل الرسالة، والحفاظ على التكامل والتوازن بين جميع الإنسانية.
و لابد أن تتكامل هذه الحلقات الثلاثة، وتتوازن وإلا فلن تتحقق الإمامة.
أما روح كل هذه العناصر فهي التضحية:
ونحن نحتاج إليها الآن فلا يوجد نصر بلا دماء، ولا تمكين بغير ابتلاء، ولا سعة بغير ضيق، وهذه التضحية هي المرحلة الفاصلة قبل التمكين ومن خلالها يتم التمحيص وتنقية السائرين على الطريق.
فلو أردنا الخير لبلادنا من خلال فرحة عيد الأضحى فلابد من التأسي بسيدنا إبراهيم عليه السلام، في استصحاب التضحية، مع إكمال جوانب الالتزام فردا وأُسَرا ومجتمعا ونظما سياسية؛ تمهيدا للانتقال إلى العالمية وفق النصوص القرآنية، والسنة النبوية.
فإلى الأضحية ومنها إلى التضحية لإسعاد البشرية.
والله ولي التوفيق...
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8712
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2733
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1485
| 25 أكتوبر 2026