رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحدث التونسي الذي ترددت أصداؤه في أنحاء العالم ينبغي أن تقرأ وقائعه جيدا من جانبنا، خصوصا أنه يبعث إلينا بعدة رسائل مهمة جديرة بالاستلام والاستيعاب.
ــ1ــ
أتحدث عن نتائج الانتخابات التي جرت هناك يوم الأحد قبل الماضي (23/10)، وفاز فيها حزب النهضة بتسعين مقعدا من أصل 217 مقعدا للجمعية التأسيسية. متقدما على مجموع ما حصلت عليه الأحزاب الليبرالية واليسارية الأربعة التي لم تحصل على أكثر من 73 مقعدا. بل إن حصول حزب النهضة على ما يعادل 41? من المقاعد فاجأ المسؤولين التونسيين أنفسهم، لأن رئيس الوزراء الحالي الباجي السبسي كان قد صرح بأن الحزب لن يحصل على أكثر من 20?.
هذه النتائج وضعت حزب النهضة في قلب أول تجربة من نوعها في التاريخ العربي المعاصر. ذلك أنها المرة الأولى التي تتمكن فيها حركة إسلامية من الوصول إلى السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية، ويسمح لها بأن تواصل مهمتها والنهوض بمسؤولياتها. (فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني له وضعه الخاص الذي يعرفه الجميع وقد عوقب قطاع غزة بالحصار بسببه) فالإسلاميون وصلوا إلى السلطة في السودان عام 1989 في أعقاب انقلاب قاموا به بالتعاون مع بعض ضباط الجيش، وحين فازت جبهة الإنقاذ الجزائرية في الانتخابات التي أجريت عام 1991 فإن الجيش انقلب عليها ولم يسمح لحكومتها بأن تقوم. وفي إيران تولى الفقهاء السلطة في أعقاب ثورة 1979. وفي تركيا تولى حزب العدالة والتنمية السلطة بعد فوزه في انتخابات عام 2002، لكن الحزب لا يعتبر نفسه إسلاميا، وإن لم يختلف أحد من الباحثين على أن جذوره كذلك.
هذه الخلفية تعزز القول إن حزب النهضة بمرجعيته الإسلامية المعلنة أصبح في قلب أول تجربة ديمقراطية من نوعها تجرى في العالم العربي. الأمر الذي يوفر فرصة اختبار مشروعه الإصلاحي المتفتح، الذي بلورته في بداية ثمانينيات القرن الماضي حركة «الاتجاه الإسلامي». وهي الحركة التي أسسها الشيخ راشد الغنوشى، في أعقاب عودته من دراسته للفقه والفلسفة في مصر وسوريا، وشروعه في طرح أفكاره عبر مجلة «المعرفة» التونسية.
لم يكن فوز حركة النهضة بهذه النسبة العالية هو المفاجأة الوحيدة (للعلم فازت في الانتخابات 49 امرأة 42 منهن على لائحة حزب النهضة). ولكن الإقبال الشديد من الجماهير التونسية على التصويت بنسبة تجاوزت 80? كان مفاجأة أخرى. أما المفاجأة الثالثة فقد تمثلت في التقدم النسبي لتيارات الاعتدال العلماني واليساري ويرمز للأول حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بزعامة الدكتور المنصف المرزوقي الذي حصل على 30 مقعدا. كما مثل الثاني حزب التكتل من أجل العمل والحريات بزعامة الدكتور مصطفى بن جعفر، الذي حصل على واحد وعشرين مقعدا. المفاجأة الرابعة كانت في حصول حزب العريضة الشعبية على 19 مقعدا، ولكن لجنة الانتخابات استبعدته بعدما تبينت علاقته بحزب الرئيس بن علي المنحل (التجمع الدستوري)، أما المفاجأة الخامسة فقد تمثلت في تدني عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يقوده أحمد نجيب الشابي، إذ فاز بسبعة عشر مقعدا. أما الحزب الديمقراطي الحداثي فلم يحصل إلا على خمسة مقاعد فقط. وحزب العمل الشيوعي حصل على 3 مقاعد. وهذه الأحزاب الأخيرة تمثل التطرف العلماني بجناحيه الليبرالي والماركسي.
ــ2ــ
صحيح أن حزب النهضة فاز بأكبر عدد من الأصوات والمقاعد، لكن الأصح والأدق أن الجماهير التونسية صوتت للاعتدال بشقيه الإسلامي والعلماني، وهذه نقطة بالغة الأهمية وعميقة الدلالة في ذات الوقت، ذلك أن تونس يحكمها منذ الاستقلال (عام 1956) نظام علماني متشدد ازداد غلوا واستبدادا منذ تولي الرئيس السابق زين العابدين بن علي السلطة قبل 23 عاما. إذ لم يقف عند حد محاربة مظاهر التدين وإغلاق جامعة الزيتونة، وإنما عمد النظام التونسي إلى ملاحقة الحركات الإسلامية واحتجاز بعض قادتها في السجون، الأمر الذي اضطر البعض الآخر النزوح إلى خارج البلاد والاستقرار في فرنسا وإنجلترا وسويسرا. وفي الوقت الذي حظر فيه النشاط الإسلامي، وفتح المجال واسعا لنشاط الحزب الشيوعي، فإن الإعلام التونسي عن طول الوقت عمل على تشويه الهوية الإسلامية، والربط بين التدين والتخلف والظلامية والانحطاط بكافة صوره.
هذه الأجواء لم تتغير كثيرا بعد ثورة 14 يناير، صحيح أن النظام سقط وأن نسائم الحرية التي سادت سمحت لحركة النهضة بأن تكتسب شرعية وتنشط في الساحة كما سمحت لقادتها المنفيين بأن يعودوا إلى ديارهم، إلا أن النخبة العلمانية ظلت متحكمة في المجال العام وفي وسائل الإعلام بوجه أخص، وبسط اليساريون سيطرة مطلقة على هيئات السلطة الانتقالية مثل المجلس الأعلى لتحقيق أهداف الثورة والهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات وظلت الدعايات الانتخابية التي أدارتها أبواق التطرف العلماني تخوف الناس من التصويت لحركة النهضة، بدعوى أن فوزها يعني أن حريات الناس في خطر. وأن تطبيق الحدود قادم مع «النهضة». وفرض الحجاب في الطريق ومكتسبات المرأة مهددة بالزوال، كما أن الفنون سيقضي عليها، والبنوك ستغلق أبوابها، والسياحة ستتوقف..إلخ، ولم يكن خطاب التطرف العلماني وحده الذي تبنى هذه المقولات، ولكن الإعلام الفرانكوفوني أسهم في ترديدها والترويج لها طوال الوقت أيضا.
في مواجهة حملة التخويف فإن حملة حركة النهضة بذلت جهدا كبيرا لطمأنة الناس وإزالة آثار ترويعهم. وكانت المفاجأة ــ الصدمة عند البعض ــ أن الجماهير لم تستجب للتعبئة المضادة والتحريض، وأن حركة النهضة فازت بأعلى نسبة من الأصوات، الأمر الذي يكاد يكرر ما حدث بمصر في شهر مارس الماضي، حين جرى الاستفتاء على تعديلات الدستور وانحاز الإعلام ومعه قطاع واسع من المثقفين والسياسيين إلى رفض التعديلات، لكن الرأي العام لم يستجب لحملة التحريض والتخويف، وأيدها أكثر من 70? من المصريين.
ــ3ــ
عديدة هي أوجه التشابه بين الحالتين التونسية والمصرية. فقد عاش كل من البلدين تحت نظام بوليسي اختلف في الدرجة فقط، حيث كان أكثر شراسة في تونس لكنه كان أشد مكرا في مصر، والبلدان خضعا لنظام علماني كان فجا ومتطرفا في تونس، لكنه كان خجولا ومتواريا في مصر. والبلدان حظرا العمل السياسي على التيار الإسلامي، لكنهما أباحا أنشطة الأحزاب الشيوعية. وكان ذلك صريحا ومعلنا في تونس، لكنه أيضا كان ملتويا وخجولا في مصر. كل من البلدين استخدم فزاعة الإسلاميين لتسويغ حظرهم وإقناع الدول الغربية بأنهم البديل الذي يهدد مصالحهم. ولكي ينفذ سياساته ويحشد الرأي العام وراءها، فإن كلا من البلدين استعان بعدد كبير من المثقفين العلمانيين والشيوعيين السابقين، ومكنهم من منابر الإعلام والثقافة حتى صاروا جزءا من النظام وأحد أهم ركائز استمراره.
من أوجه التشابه أن الثورة السلمية نجحت في البلدين، وأن الجماهير هي التي حملتها وقادتها. الجيش في مصر انحاز إلى الثورة وشكل مجلسا عسكريا لإدارة البلاد، لكنه وقف محايدا في تونس، وتولى السلطة رئيس مجلس النواب طبقا للدستور. وفي كل من البلدين كان هناك حزب محتكر للسلطة يقوده الرئيس، وأحزاب هامشية حوله تستكمل «الديكور» الديمقراطي، وبعد الثورة حدثت اندفاعة قوية لتشكيل الأحزاب، التي بلغت 115 حزبا في تونس، واندفاعة مماثلة في مصر التي أعلن فيها عن تشكيل خمسين حزبا بعد ظهور 120 ائتلافا. ومن المفارقات في هذا السياق أن السلفيين في مصر خاضوا غمار المعركة الانتخابية وقرروا إنشاء حزبين يمثلانهما. في حين أن أقرانهم في تونس رفضوا المشاركة في الانتخابات ووزعوا منشورات دعت إلى مقاطعتها قبل 48 ساعة من إجرائها. وللعلم فإن التيار الإسلامي المنخرط في العمل السياسي ممثل وحيد هو حركة النهضة. أما في مصر فللتيار الإسلامي سبعة أحزاب.
في تونس سلكوا بعد الثورة ذات النهج الذي اتبعوه بعد إعلان الاستقلال عام 1956. فقرروا أولا انتخاب جمعية تأسيسية تمثل القوى الحية في المجتمع، لتتولى تعيين الرئيس وتشكيل الحكومة وإصدار القوانين ووضع الدستور وذلك لكي تتولى سلطة مدنية إدارة البلد في الفترة الانتقالية لحين إصدار الدستور الجديد. لكننا في مصر ضيعنا وقتا طويلا في الجدل أيهما أولا الانتخابات أم الدستور، رغم أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية أيد البدء بالانتخابات، وبسبب الضجة التي أحدثها ذلك الجدل تم تمديد الفترة الانتقالية وظل المجلس العسكري قابضا على السلطة وليس معروفا على وجه التحديد متى تجرى الانتخابات الرئاسية، ومن ثم متى ستسلم السلطة إلى المدنيين؟
ــ4ــ
تجنبوا أي شيء من شأنه أن يشعل حربا مدنية بين العلمانيين والإسلاميين. كانت تلك هي النصيحة الثمينة التي وجهها إلى الليبراليين والوطنيين العرب الدكتور المنصف المرزوقي، المناضل المخضرم وزعيم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو الحزب الذي يمثل الاعتدال العلماني، ويحتفظ بعلاقات إيجابية مع حزب النهضة، ويرشحه المعلقون السياسيون هو والدكتور مصطفى بن جعفر زعيم حزب التكتل من أجل العمل والحريات، لكي يشكل مع حزب النهضة جبهة قوية في المجلس التأسيسي والحكومة وقد سمعته أكثر من مرة وهو يدعو إلى إبعاد الأيديولوجيا عن التنافس الانتخابي والإبقاء على ذلك التنافس في حدود الصراع السياسي وليس العقائدي.
هناك رسائل أخرى مهمة ودروس مستفادة يستخلصها المرء من التجربة الانتخابية التونسية يمكننا اختزالها في النصائح التالية:
< لا تفقدوا ثقتكم في المواطنين العاديين. فهم أكثر ذكاء ووعيا مما تشي بهم مظاهرهم البسيطة ورغم الضجيج والطنين الذي يملأ الفضاء من حولهم، فإنهم قادرون على التمييز بين الأصيل والدخيل، وبين الحقيقة والزيف.
< المعتدلون في كل فصيل علماني أو إسلامي أو يساري أقرب إلى بعضهم البعض من المتطرفين في كل فصيل. وسفينة الوطن لن تواصل الإبحار إلا إذا تواصل المعتدلون فيما بينهم وشكلوا جبهة واحدة.
< الوطن ملك لكل أبنائه وليس بوسع أي فصيل أن يقوده وحده، فضلا عن أنه لا يحق له ذلك أصلا. وللوصول إلى بر الأمان، فلا بديل عن ائتلاف المختلفين الذين يمثلون قوى المجتمع الأساسية.
< لأنه لا خلاف حول الأهداف الوطنية المرحلية، المتمثلة في الديمقراطية والاستقلال والعدالة الاجتماعية، فإن الاستغراق في الكلام عن الهويات والأهداف النهائية يفجر الخلاف ويبدد الجهد ويبعثر القوى.
< لا تهملوا شبكات التواصل الاجتماعي، فقد أثبتت جدواها في اصطفاف الجماهير واحتشادها خصوصا قطاعات الشباب الذي يعول عليهم في المستقبل.
< الإسلاميون المنشغلون بالعمل السياسي مطالبون بأربعة أشياء هي: 1ــ طمأنة الناس وإزالة مخاوفهم 2ــ الانشغال بخدمتهم وليس بوعظهم
3ــ الكف عن الحديث عن مصائر الخلق في الآخرة وتوزيعهم على الجنة والنار 4ــ احترام الحياة الخاصة للناس التي ينبغي ألا تمس طالما أنها تمارس في حدود القوانين المطبقة.
< جيد أن نتلقى الدروس. لكن الأجود أن نستوعبها ونتعلم منها.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026