رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عنوان مقالي قد يُفهم حسب فِكر القارئ قبل أن يتوجه لسطوره، فقد يقرأ البعض العنوان ظناً منه أني أعني مصطلحاً اقتصادياً أو مفهوماً أخلاقياً أو أعني أكلةً شعبيةً، ففي الفلسفة تعدّ القيم جزءاً من الأخلاق، ويمكن تعريفها بأنها مفاهيم تختص بغايات يسعى إليها الفرد كغايات جديرة بالرغبة سواء كانت هذه الغايات تطلب لذاتها أو لغايات أبعد منها، أما في الاقتصاد فالقيمة مقدار ما تضيفه السلع والخدمات إلى الأشياء، والقيمة في علم النفس شيء مهم بحياة الإنسان، وهي التي توجه وترشد السلوك الإنسانيّ.
ورغم تنّوع معاني هذه الكلمة وتعدّد استخداماتها فإن المقصود هنا قيمة الشيء ذاته سواء كان فرداً أو عملاً أو تضحيةً أو كلمةً أو حضوراً، فلماذا لا يدرك الإنسان قيمة الأشياء من حوله إلا حين يفقدها؟! كثيراً ما يدور في ذهني هذا السؤال، فهل الاعتياد على الشيء سبب رئيسي في عدم استشعارنا قيمته الحقيقية؟، أعني تلك الامتيازات التي ننعم بها فضلًا من الله وتحيطنا بالأمن والصحبة والنِّعم والبركة وكل ما من شأنه أن يبعث الدفء والاستقرار لأنفسنا.. في هذه الحياة نحن مدينون للمولى سبحانه بالحمد والشكر والثناء على عظيم عطائه وفضله من جهة، وعلى نعمة إدراكنا لقيمة ما لدينا من النعم. إنّ أكثر الناس كياسة من استشعر قيمة ما يملك دون أن يفقده، وإنّ أكثرهم غفلةً وحسرةً ولوعة هو من لم يستشعر النعم إلا حال فقدها.. وأكثر الناس على خطر من يرفلُ بنِعم الله من كل جهة وهو لاهٍ وغافل عن شكر الله والحفاظ عليها.
وفى الحقيقة يوجد العديد من الأشياء التي لا يمكن قياس قيمتها، لأن قيمتها تختلف من شخص لآخر، فبعض المشاعر عند البعض أحياناً لها قيمة كبيرة وعند البعض الآخر ليس لها أي قيمة، فالحب فمثلا يمكن أن يمثل لبعض الأشخاص قيمة كبيرة وغالية، وعند البعض الآخر لا يمثل أي شيء أو على الأقل قيمته ليست بكبيرة وغيره العديد من الأشياء التي تقاس بتلك الطريقة، ولكن لماذا هذه المعاني تختلف قيمتها من شخص لأخر؟ بل ويمكن أن تتغير قيمة تلك الأشياء عند نفس الشخص أيضاً من وقت لآخر؟
إن القيمة كلمة مرنة ليست لها أسس ثابتة، فمن يشعر بالتقدير مثلاً تصبح قيمة هذا التقدير غالية بالنسبة له، ومن يشعر بالامتنان تصبح أيضا قيمته كبيرة، ولكن إذا لم تشعر يوما بالتقدير أو الامتنان فلن تكون لها قيمة بالنسبة لك لأنك لم تشعر بها يوماً فلن تستطيع تقدير قيمتها.
ولعل إحدى الحقائق التي علينا الاعتراف بها، أن الإنسان غالباً يرى الأشياء كما يريدها وليس كما هي، فالإنسان يملك ذاكرة قصيرة بل مثقوبة، يضفي معاني وقيمة، ويصدق نفسه، ويعتقد أنها هي الحقيقة أو على الأقل عقله الباطن وأمنياته الوردية تُصور له ذلك، وهناك مصالح وغايات وراء إضافة هذه المعاني والقيم، وما نراه ذا قيمة وأهمية، يراه آخرون من غير أهمية أو قيمة، مع أنه المنتج عينه.
قد يتفق البعض مع عبارة أننا "نحن من نحدِّد قيمة الأشياء وليست هي التي تحدِّد قيمتنا"، فهل للأشياء قيمة حقيقية أم نحن الذين نضع قيمة للأشياء؟، هو سؤالٌ بسيط لكنه عميق فقد بالغ الإنسان في تقدير قيمة الأشياء حتى أصبح يراها ذات قيمة أكثر منه، وشرع الأشخاص في التنافس على امتلاك الأشياء كأنها هي التي تحدد قيمتهم، على الرغم من أنهم هم الذين يعطونها تلك القيمة، إذ إن قيمة الإنسان لا تتحدَّدُ بمقدار ما يَملك، بل تتحدَّد بِصدقه وتديُّنه وتعامله مع الآخرين وما يفعله من أجل نفسه ومن أجلهم وقيامه بواجباته، وتتحدَّد بالعطاء عند الغِنى والعفة عند الفقر والمسامحة عند القدرة ونفع الآخرين.
ولابد هنا أن نعود إلى مصطلح القيمة فهناك قيمة المال وقيمة الحرية وقيمة الإنسان، وقيمة الأشياء، ومن المفزع أن تسود قيمة الأشياء على قيمة الإنسان في يوم يسود فيه إعلاء الإنسانية في جميع أنحاء العالم، فقيمة الأشياء حينما تسود يتحول فيها المرء أو قل الإنسان هنا إلى شيء والتشيؤ هو حينما يكون الإنسان سلعة يخضع لسلطة المال فيقع تحت هذه السلطة القاهرة التي تحدد مكانته، ودعوني أطرح سؤالاً جانبياً، قيمة الإنسان أليست بحسب إنتاجه ونشاطه المجتمعي والمهني وجودة ما ينتج؟
ولعل الاستشهاد هنا بما قاله الرافعي مُنصفٌ لمن يُقدر قيمة ما يُعطى او يُقدم، فقد قال "وَإِنِّمَا قِيمَةِ الأَشيَاءِ بِمَا فِيهَا مِن أَثَرِ القَلب، أَو بِمَا لَهَا فِي القَلبِ مِن أَثَر".
وقد نقف لثانيةٍ في سطور المقال ونسأل، هل معنى ذلك أن الناس متساوون في القيمة طالما أن الكل يمتلك العقل ويمتلك الإرادة الحرة؟ إن الجميع لا يستخدم عقله بالشكل الصحيح، ولا إرادته بالطريقة الصحيحة التي تؤهله لمقامه فعلاً، فهناك فرق بين الإنسان كمفهوم والإنسان كمثال، فأنا وأنت وجميع الناس أمثلة لمفهوم الإنسان، ومفهوم الإنسان هو الصورة التامة المفترض أن يتكامل الإنسان في حياته للوصول إليها، إذاً الإجابة بالطبع لا.
ولتكن إنسانيتك ثابتة ولا تتزعزع طالما تسير في طريق تكاملك وفق إطار قدراتك وظروفك، وقيمتك تكون بمدى سعيك لتحقيق أقصى استخدام سليم لعقلك ومدى اتباعك الحر للحق وعملك الحر للخير.
لذلك الختام هنا هو رسالةٌ صغيرةٌ من القلب تقول: أدركوا قيمة الأشياء قبل زوالها، فإن كثيرًا من الأشياء إذا زالت فلا سبيل لرجعتها أبداً، ولا تنس قارئي العزيز أن قيمتك لا تتحدد من خلال عيون من حولك، فربما يعاني من يُحددها ضعفاً في البصر أو كان أعمى بصيرة، فلا يُخالجك هنا شعور القيمة صفر لذاتك.
أخيراً:
لا تظلم نفسك وتعلق قيمتها بما لا يليق بها، ولا تضيع فرصة تحقيق قيمتك الحقيقية كإنسان.
بين المنعطفات..
تجربة القيادة على الطرقات ليست عملية آمنة دائما فقد يكون حظك سيئا ان مررت في طرق وعرة ومنعطفات... اقرأ المزيد
2064
| 13 يوليو 2023
ليست مجرد قشة..
تمتلئ صفحات التاريخ بالقصص التي بُنيت على احداث واقعية غيرت ربما من شكل التفكير حينها او عدلت في... اقرأ المزيد
2133
| 06 يوليو 2023
عن المبالغة أكتب..
قد لا يبدو العنوان جاذباً للبعض أو مُستغرباً للبعض الآخر ولكن مما لاشك فيه ان بين سطوره معاني... اقرأ المزيد
3171
| 02 يوليو 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4299
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2568
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1170
| 28 سبتمبر 2026