رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حسب تقرير حديث لاتحاد إذاعات الدول العربية، فإن عدد القنوات الفضائية التي تبث في السماء العربية قد بلغ 1300 قناة (منها 165 قناة تابعة لـ 29 هيئة من القطاع العام و1129 قناة تابعة لهيئات من القطاع الخاص).
وكانت القنوات المنوعة الجامعة على رأس القائمة، حيث بلغت 323 قناة، تلتها القنوات الربحية بمجموع 248 قناة. ولقد حاول العديد من الدول تطوير قنواتها التلفزيونية، كي تتماشى مع النهوج الجديدة للإعلام العابر للقارات، بعد الدخول في عصر الأقمار الصناعية، لكنها لم تحقق النجاح المأمول، وذلك لاعتبارات عديدة منها:
1- الرسمية والصرامة التي تحيط بتلك القنوات، والرتابة التاريخية، والخوف من المجازفة، حتى لا يغضب المسؤولون.
2- فقدان الرؤية Vision الواضحة لدى القائمين على الاتصال في تلك القنوات، كونهم بعيدين عن القرار السياسي وغير مؤهلين مهنياً للعمل أو التخطيط التلفزيوني.
3- محدودية الصرف على بعض هذه القنوات الرسمية، مقارنة بما يُصرف على الفضائيات الخاصة، والتي نجحت في استقطاب الجماهير بصورة واضحة.
4- فقدان روح الإبداع في أغلب المحطات الرسمية، نظراً لاعتماد أغلب الموظفين على مقولة (الراتب سيأتي آخر الشهر سواء عملنا أم لم نعمل) وبذلك تبقى القوالب الجامدة للبرامج، ويبقى القرار بيد الصدفة أو قرار مسؤول كبير.
5- فقدان المهنية – في بعض الحالات – وظهور مذيعين ومعدين لم يتمرسوا في الفن التلفزيوني، ولم يخبروا فضاءات هذا الفن!؟ وبالتالي كثرت التجارب و “ الهنات” وضاعت المحطات وسط الكم الهائل من الفضائيات المهنية.
6- إغلاق بعض الأقسام المهمة، بهدف التوفير، في بعض المحطات، مثل: قسم الدراما، قسم النصوص، وغيرها من الأقسام التي تغذي مراقبة البرامج بالجديد من الأفكار.
سألني صديق.. إذا أردت أن أفتح قناة تلفزيونية فضائية، فبماذا تنصحني؟! نظرت في عينيه باسماً متأسياً، وقلت: رغم أنك تأخرت كثيراً، إلا أن مجالاً كهذا يكون فيه الجانب البرامجي Software أهم من الجانب التقني Hardware ؛ لأنك قد تشتري الأجهزة، وبسهولة قد تحجز قناة على الأقمار الصناعية، لكن الصعوبة في الحصول على الأفكار التي تجذب المشاهدين، خصوصاً وأن وسط بحر عاتٍ من المنافسة من فضائيات تمكنت من السماء العربية. كما أنك ستكون مُحاصراً بالأسئلة والمحاذير المتعلقة بخصوصية منطقة الخليج ومحافظتها، الأمر الذي يجعلك لا تقترب من برامج الإثارة، أو تتجاوز الخطوط الحمراء التي تُسيّج السياسية. ولقد اقترحت عليه الآتي:
1- يجب أن تحدد هدفك من القناة! ومن هُم المشاهدون الذين تستهدفهم.
2- لا بد أن تكون لديك رؤية تُعممها على فريق العمل، لأن التخطيط دون رؤية سوف يجعلك تحصل على “ مسخ “ لقناة تلفزيونية لن يُقبل عليها أحد.
3- يجب أن تُعد طاقم العمل جيداً قبل إطلاق القناة، والإعداد يجب ألا يتدخل فيه من لا علاقة لهم بالشأن التلفزيوني، من حيث إظهار وجوه لا تصلح للشاشة، ذلك أن القرار الإداري كثيراً ما هدم القرار البرامجي.
4- أن تكون لديك لجنة برامجية من الأكاديميين والمهنيين من ذوي الخبرة في مجال البرمجة التلفزيونية، وهذه اللجنة هي (المطبخ) الذي تطبخ فيه الأفكار والبرامج، ويغذي بها التلفزيون.
5- أن تكون لديك لجنة مراقبة البرامج التي تبث على الهواء، ترصد الأخطاء وتحاسب المعدين والمذيعين والمخرجين، كي لا تفلت القناة بانفلات معديها ومذيعيها ومخرجيها.
6- وإذا كنت تتحدث عن قناة عامة – غير متخصصة – فالمشكلة تكون أعقد، لأنك تخاطب كل شرائح الجمهور، وبالتالي يجب أن توضع خريطة البرامج بشكل يتلاءم وساعات المشاهدة حسب أعمار المشاهدين، وهذا يستلزم عمل بحث استبياني لمعرفة أوقات ساعات المشاهدة.
7- أن تكون لديك (ثيمة) محددة تحمل (لوغو) المحطة، لترسيخها في ذهن المشاهد، ويؤكد ذلك الوقفات البصرية التي تتخلل البرامج.
8- أن تكون نشرات الأخبار والبرامج بشكل يتضامن مع الرؤية والثيمة، ليس في الديكور فقط ؛ بل في مضامين النشرة وطريقة صياغة الأخبار.
إن الطريقة التقليدية قد تجاوزها الزمن، كما أن الالتزام ببث الوكالة المحلية (التي تبث أخبار لكل وسائل الإعلام) قد لا يتلاءم مع خصوصية التلفزيون، ولقد طالبنا منذ أكثر من 25 عاماً بهذا التغيّر، لكن ظروف الإدارة لم تكن تسمح بذلك. واليوم تتسابق المحطات على ما طرحنا في ذاك التاريخ من حيث شكل ومضمون نشرات الأخبار.
9- ماهو الجديد الذي ستقدمه المحطة في ظل هذا الكم الهائل من المحطات؟ إن محطة عامة جامعة تحتاج إلى ساعات من البرامج، ومن العبث أن يتم حشر القناة بمسلسلات بعيدة عن روح المجتمع أو برامج مُشتراه قد أُنتجت منذ أكثر من عشرين عاماً؟! كما شاهدنا في بعض المحطات! مع ملاحظة أن الخيارات موجودة لدى المشاهد، ولديه (الريموت كنترول) الذي يساعده في التجوال بين المحطات.
10- المفهوم العام – في العالم العربي للمحطة التلفزيونية أنها للتوجيه السياسي ولخلق رأي عام – مفهوم غير دقيق، لأن التلفزيون – منذ دخوله السوق عام 1948 في الولايات المتحدة، بظهور شبكات التلفزيون المعروفة: NBC وCBS، كان أداة ترفيه في المقام الأول، لذلك يجب أن تحتوي القناة على مواد ترفيهية جديدة وغير مستهلكة.
11- ولأن للمنطقة خصوصية، فلابد من الالتفات لمادة التراث والتاريخ وخلق توازن بينها وبين المعاصرة، التي تروّج للسياسة والإعلام التنموي وبرامج البنى التحتية والتوجيهية.
إن تقديم مادة التراث بالشكل التقليدي لم يعد يُجدي نفعاً، ولا بد من قوالب جديدة، تأخذ في الاعتبار بصرية التلفزيون ولقطاته المتحركة.
ولقد لاحظنا اتجاها إيجابياً في هذا المنحى في قناة الريان القطرية.
12- أن تكون هنالك اعتمادات مالية لشراء حقوق بعض المناسبات المهمة وكذلك البرامج، التي يتم تعريبها، حيث إن مثل هذه البرامج تدرُّ على المحطة الكثير من الإعلانات.
13- أن يُحسن اختيار العاملين في المحطة، ويتم تجاوز الواسطات والتوصيات، كي يكون جميع العاملين من المهنيين الذين لن يشكلوا “بطالة” في المستقبل. (كنا في الماضي نحتاج إلى مصور ومذيع ومساعد فني لتصوير مقابلة خارجية، أما اليوم فلقد لاحظت وجود 12 موظفاً وفنياً من أجل مقابلة من ربع ساعة)!؟ وهذا ما عنيناه بالبطالة.
14- أن تكون هنالك متابعة يومية لقراء نشرات الأخبار، بقصد إرشادهم إلى الأخطاء التي وقعوا فيها، ولكي يتعلم المذيعون ويثرون تجبرتهم من تصحيح أخطائهم.
15- بلا شك سيكون هنالك إعداد تجهيزي تقني للمحطة، وحجوزات لقناة أو أكثر عبر الأقمار الصناعية، وكذلك توفير صيانة للمحطة وتردداتها، مع الحصول على الترخيص المطلوب من الجهة المعنية.
تلك كانت مجموعة من المقترحات وضعتها للأخ السائل، علهُ يستطيع أن يُنشئ محطة تلفزيونية ناجحة، ولا تضيع أمواله وجهوده في الهواء!؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8406
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4878
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1146
| 09 أغسطس 2026