رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* لنتفق أولاً أن الخادمات "عوار راس"، والغنى عنهن غنى، ثقافات مختلفة، انفتاح لا يلائمنا.. ثم هن حاضن غير آمن لتربية أولادنا لاختلاف الدين، والعادات، والتقاليد، حتى اللغة يصيبها عوار فادح، فقد سمعت خادمة وهي تراجع لطفلة دروسها لانشغال الأم فأدركت أن الأم ستقاسي كثيراً لإصلاح ما أفسدته الخادمة بنطقها الغريب للمفردات الانجليزية، يفهم كلامي من عنده خادمة من شرق آسيا وأكيد سمع ما سمعت!
أما حكاية وجع الراس فمتكررة، تصل الخادمة من المطار (القطة تاكل عشاها) لا كلمة، ولا حس، ولا نفس، كله حاضر، بعد شهر، يادوب شهر وتلاقيها مخلوق آخر، تناطح، وترد، وتغضب، وتذمجر، وتلوي بوزها، ويا ساتر من لوي البوز! من الخادمات ما أن تصل حتى تساوم لرفع مرتبها لتعويض السمسرة التي أخذها احدهم منها في بلدها لتسفيرها، وهي وشطارتها يعتمد الأمر على مدى حاجة الأسرة لها وممكن تصر ويدفع الكفيل صاغراً! أحياناً تعمل الخادمة لثلاثة أشهر بالضبط ثم بعد انقضائها بيوم تقلك أمشي! تسألها ليه؟ تقولك شغل كتير، وكأنها قد جاءت في رحلة سياحية لشمة الهوا! وإذا صممت على المغادرة (يا عيني) على الكفيل رايح جاي لمكتب استجلاب (الوجع) ولا يسمع إلا نفس العبارة (قريب تصل الخادمة الجديدة) وينتظر الكفيل (جودو) الذي لا يأتي إلا بعد طلوع الروح ويا صابت .. يا خابت.. عندي صديقة غيرت 14 خادمة والحبل على الجرار!
ولا تنتهي حكايات الخدم الموجعة، ومآسي انهيار البيوت المستورة.. أعرف أسرة جلبت خادمة، بعد شهور لم تعد قادرة على العمل، نائمة على طول، لما عُرضت على الطبيب قال (مبروك جالكم قلق) الشغالة حامل.. صرخت ربة البيت المحترمة من وقع المفاجأة وصممت على جلبها للشرطة، في التحقيق كانت المفاجأة المزلزلة فعندما سأل المحقق الخادمة من أين لها هذا قالت.. بابا.. يعني لبست الراجل المحترم مصيبة، أعاد المحقق سؤالها، والإجابة واحدة.. بابا.. غيري، بدلي، أبداً، بابا، ولكم أن تتصوروا حال الرجل الفاضل، الملتزم، المحترم وهو يقع تحت طائلة القانون بتهمة فاضحة كتلك أمام زوجته، وأولاده، وزملائه، ومعارفه، كاد الرجل أن يموت كمداً إلى أن أتى الله بالفرج بعد أيام عصيبة عندما اعترف السائق بفعلته، هذا نوع من الهم نجلبه لأنفسنا بأنفسنا قد يصيبنا بجلطة!
* عندما انتهى الغداء رحت أتأمل ملابس الخادمة التي سمحت لها صاحبتها بالجلوس على نفس المائدة لتتناول غداءها معنا قلت للشابة الصغيرة المفروض أن تأكل الخادمة في حجرتها أو مع الأطفال أو قبل انشغالها بغدائهم، لا يجوز أن تكون محشورة على طول بينك وبين زوجك تسمع ما يقوله لك وما تقولينه له، لا يجوز أن تسمع حكايات البيت، والغيط، والشغل، والمشاريع، والمعاملات المالية، والأسرية، يجب أن تكون للبيت خصوصياته التي لا يطلع عليها الخدم.. الغريب أنها اندهشت وقالت: يعني حتعرف إيه.. ما عندناش سر بنقوله.. عصبني ردها فتجرأت وقلت لها انت تضعين زوجك الملتزم في الذنب وهو ينظر إلى ما لا يجب النظر إليه، والشغالة أجنبية عنه، تابعت كلامي معها وعيني تتابع ملابس الخادمة (التي شيرت) نص كم وذراعاها عاريتان، البنطلون محزق.. ملزق، شعرها مفلوت، ورايحة جايه عادي.. دون وعي قلت للشابة حرام عليك.. ما أراه لا يجوز أبداً، وكان ردها المفاجأة (أنا سايباها على راحتها في ملابسها عشان ما تطفش مني الولاد بيحبوها! عدت أقول لها، طب والراجل المسكين ده – ولا مسكين ولا حاجة خايف من الذنب ما يبصش!
يا بنتي افهمي.. أفهم إيه لبسها وهي حرة ما اقدرش أغصبها تلبس مجرجر وتغطي شعرها والكلام ده! تعبت من ردود ترفع الضغط.. وادركت أن الكلام معها بلا عائد، فأنا في واد وهي في واد، هذا رغم أنها سمعت مراراً عن الخادمة التي دخلت البيت وكانت (القطة تاكل عشاها) فأكلت هي القطة، واحتلت مكان سيدتها وأخذت الجمل بكل ما حمل ومن ضمن ما أخذته راجل البيت!!
* * * طبقات فوق الهمس
* رغم سماعنا مراراً وتكراراً أن الظلم ظلمات.. يتيه الظالم بظلمه (ويا أرض انهدي ما عليكي أدي)، يتجاوز كثيراً، وطويلاً، لا يرعوي، ولا يأبه بأنين الضعفاء وحقوقهم عنده، يستهين بهم ناسياً أن مسماراً صغيراً يمكن أن يعطل رغم ضعفه وهوانه ناقلة عملاقة، وأن ارتفاع الظالم لا يعني إهمال الله له، فكلما زاد الارتفاع كان السقوط مرعباً، وناسياً أن ما من أحد تكبر على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه.
* لمن يسأل عن كنه الفساد يمكن أن نقول إنه كل عمل يخالف الفطرة السوية، اشكاله كثيرة منها الاعتداء على المال العام، استغلال النفوذ، الابتزاز، الإهمال المؤدي للضرر، التربح بغير وجه حق، التستر على المتورطين فيما يستحق توقيفهم ومحاسبتهم، كل أنواع الاتجار بالبشر، الحجر على الحقوق ومنعها أصحابها وعضلهم عن الوصول إليها، كلها صور من الفساد الذي تحاربه الدولة بقوة القانون، وتحية للجهود المخلصة.
* * * كلمات لها ظلال
* على بابه رأيت بشراً كثيراً، كل له مظلمته، أو حاجته، أو مطلبه، اللهم أكرمه بمنزلة وأجر قضاء حوائج الناس، وسدده دائماً أبداً.
* يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: إذا لم تجد لك حاقداً فاعلم أنك إنسان فاشل!
* هناك دائماً من يحتاجك لشيء.. وهناك من يحتاجك لأنك كل شيء.
* قال بثقة إذا جعلت رضا الله هو همك، تكفل الله بكل ما أهمك.
* يبقى البحر مالحاً مهما هطلت عليه الأمطار، ويبقى الذهب ذهبا مهما صدأ غيره، هكذا الود الذي لا يتغير، والوفاء الذي لا يضيع.
* من أجمل ما قال توفيق الحكيم: العقرب تولد وسمها فيها، أما أنت أيها الإنسان فتولد نقيا صافيا، ثم تضع أنت بيدك سمومك، ثم تعيش حياتك تبحث عن الترياق! ياعيني علينا!
* مملة الوحدة.. لكنها أكثر إنصافاً من ضجيج يمتلئ نفاقاً.. جبران خليل جبران.
* نحن نشبه لغتنا كثيراً فبعضنا له ضمير ظاهر، والبعض الآخر ضميره مستتر، أما ما تبقى فضمائر غائبة.. قالها العظماء.
* هل لاحظته وهو يقول: يا واقف عند قبري.. لا تتعجب من أمري، بالأمس كنت مثلك.. وغداً تكون مثلي!
* وغداً ننسى فلا نأسى على ماض تولى.
* يغيب عنا أحيانا أن الرجولة أدب.. وليست لقب!
* مدرسة الشاعر تقول:
اصبر قليلا فبعد العسر تيسيرُ.. وكل أمرٍ له وقت وتدبيرُ
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2631
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2139
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1548
| 01 مارس 2026