رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد اعتنى الإسلام بالأخلاق عامة في جميع جوانب الحياة وأولى الأخلاق السياسية اهتماماً فائقاً وجعل الحكمة في فم هذه الأخلاق وأقام عليها حارسا يقظا سماه الأمانة واعتبرها من أبرز القيم الخلقية للحاكم خاصة ولبني البشر عامة (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، "الأحزاب: 72"، وحرم الله الخيانة في أي مجال كانت، خاصة إذا نجمت بين الحاكم والشعب لأنها بذلك خيانة لمجموع الأمة لا لفرد وجماعة بعينها قولا أو فعلا أو حالا وتصرفا أو مشت على رذيلة السياسة الميكيافيلية: الغاية تبرر الوسيلة لأن الإسلام يعتبر النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة كما قال سيد قطب في الظلال 3/1542 ولأن الغاية واحدة عند الحاكم والمحكوم في الإسلام وهي ابتغاء مرضاة الله، فالحاكم يسهر على مصلحة المحكوم والمحكوم يطيع الحاكم في غير معصية والذريعة الميكيافيلية كلها معصية وجناية وخيانة لأنها تفصل بين غايات الجانبين، إذ غاية الحاكم فيها العظمة بل جنون العظمة والغطرسة، كما نرى اليوم عند البعض وكذلك محبة الشهرة والزعامة وإن كانت زائفة وكذلك القوة التي ترهب المحتجين والمخالفين له في الآراء فلا يحاور إلا بالتهديد والسلاح متجاهلا أن الحق بطبيعته أشد من القوة وأن الشعب أقوى من السلطة في نهاية المطاف، ومن هنا رأينا أن الحق تعالى يبغض كل خائن لأنه لا يمكن وصفه بالإيمان والإسلام ما لم يتب إلى الله (إن الله لا يحب الخائنين)، "الأنفال: 58"، والحاكم الخائن يزيد سوءاً حينما يعلم الناس أن الأمانة خيانة وأن الخيانة أمانة، كما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامات آخر الزمان الذي يخون فيه الأمين ويؤتمن الخائن، وهكذا يصبح الإنسان الخلوق الملتزم خائنا وإذا تحرك بأي قول أو عمل ضد الحاكم فهو الخائن الذي يجب أن يلجم ويسجن ويعذب بل يقتل بل يمثل به، وبالعكس يوصف كل خائن مرذول عديم الدين والخلق متآمر على ثوابت الأمة هو المعتمد سندا وبوقا دائما لهذا الحاكم فيقدم ويكرم وهكذا يرتفع التحوت على الوعول في آخر الزمان كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: وما التحوت؟ قال: أسافل الناس، قيل وما الوعول؟ قال: كرام الناس وإنه كم يؤسفنا ويؤسف كل حر ما نراه في بلدنا الغالي سوريا من مظالم وجرائم وفظائع يندى لها جبين الإنسانية والأخلاق الفاضلة في هذه الأحداث التي تعصف بالوطن والشعب في معظم المحافظات والقرى مثل دمشق وحمص وحماه وحلب أحيانا واللاذقية وبانياس وتلبية وطرطوس وجبلة وسلمية والرستن ودوما والتل وجوبر وداريا والكسوة والسويداء والجولان.. خاصة درعا البطلة التي كانت مهد الاحتجاج الثوري المسالم عن طريق الجهاد المدني التي لم تعد تحتمل الجور والتجاوز وقدمت الشهداء بالدم الغزير مع أخواتها كبعض ثمن للحرية، وظن المساكن الطيبون أن الحاكم وحزبه يمكن أن يرضوهم ببعض الإصلاحات الشكلية كتغيير المحافظ مثلا لا التغيير الحقيقي بتلبية مطالب المحتجين الاجتماعية والسياسية وجعل سوريا بلدا للحرية والعدالة لا سجنا كبيرا لأهلها فما كان ممن وصف درعا بالشهامة والكرامة والشجاعة قولا إلا أن رجع إلى طبيعته فجهز عدته بالدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة يوجهها إلى حوران ودرعا فيها لا إلى الجولان المحاذية لها، حيث لا يستطيع ومن معه حتى أن يحملوا بندقية صيد فيها فضبط النفس مطلوب بكل إتقان حيالها أما على شعبه وبلده فلا كما قال الشاعر:
كل امرئ راجع يوما لشيمته
وإن تخلق أخلاقا إلى حين
ثم لا يهم بعد ذلك أن يجري الذعر في درعا وتحاصر من كل المنافذ وتغلق الحدود مع الأردن ويقطع الماء والكهرباء عن أهلها وتشح المواد الغذائية بما فيها حليب الأطفال ويصرخ الكهول وتستغيث ذوات الخدور والعجائز ولكن أين الرحمة، إذ فاقد الشيء لا يعطيه وإذا عرف السبب بطل العجب فلا مكانة للأخلاق السياسية عند هؤلاء أبدا، القتلى في الشوارع والجثث تتفسخ والجرحى لا يعالجون ومن يمضي لينقذ هؤلاء لابد من اصطياده حتى لو كان من النساء بل خرجت مظاهرة نسائية صامتة منذ يومين في دمشق تضامنا مع درعا لفك الحصار عنها فاعتقلت الإحدى عشرة امرأة منهن وما زلن في السجن فأين المعتصم وشهامته، كما قال أبوريشة:
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
ولم تجد عشرات آلاف الحناجر في جمعة الغضب أن فكوا الحصار عن درعا أبدا، وكأن درعا هي تل أبيب معاذ الله فدولة المقاومة والممانعة شعارها أنه لابد من تطهير درعا الحدودية الباسلة وإبادة ضميرها ثم يأتي دور إسرائيل على مزاعمهم التي لم تطلق رصاصة واحدة على أهلها لا في الجولان ولا غيره منذ أكثر من أربعة عقود والذي أقنع الجميع كما قال عدة مفكرين صهاينة إن الحكم في دمشق اليوم هو أفضل لنا لأن الجبهة هادئة مع سوريا وما ندري من يأتي غير هؤلاء وكيف ستصير الأمور بعد ذلك؟
إن الأبواق التي تدخل على القنوات الفضائية وتمثل وجهة النظر الرسمية للنظام لا تفتأ تكذب كرؤسائها وتفتري وتبدل وتغير في الكلام وتدافع عن مواعيد عرقوب الإصلاحية وتخون معهم الأمانة لهي الصفات الذميمة التي تحققت قبل ذلك في أمثالهم ممن نعتهم رسول الله بقوله: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان" وإن قوات الأمن التي لم تقصر في إزهاق أرواح شباب الثورة المؤمنين واعتقال آلاف الشرفاء الأحرار بدرعا وهي تبحث في هجمتها التفتيشية الشرسة عن أعضائها الذين استقالوا طوعا من حزب البعث الحاكم وتبحث عن المفتي البطل الذي ستقال أيضاً لتؤدبهم أو تقتلهم أو... لأنها لا يمكن أن تتفهم الرأي الآخر وكان ما كان ويكون إذ ما زال الحصار مستمرا ومازال العديد من الأسر تهرب باتجاه الأردن، ثم يتوج هذا النصر لهؤلاء الظلمة بأنهم اقتحموا المسجد العمري في درعا.. إنه لنصر كبير إذ أن هذا المسجد هو منطلق احتجاجات الشباب وهو الذي ادعت السلطة كذبا وزورا أن فيه مسلحين وأسلحة.
نعم لقد وضعوا فيه الأسلحة من قبل وهربوا وادعوا أن هذه هي أسلحة الشعب وتلك وأمثالها رواياتهم الكاذبة التي لا تعرف الحقيقة أبدا وقد بات الجميع يعرفون أن الإعلام السوري الرسمي كذاب بامتياز ولا أدل على ذلك بأنهم لم يسمحوا ولن يسمحوا لأي إعلام عربي أو غربي محايد بالاطلاع على الأوضاع كيلا يفتضحوا ويدعوا دون خجل أن التلفزيون السوري وحده الذي يعرض الحقيقة كبرت كلمة من أفواههم وأفواه الطبالين الزمارين منهم الذين سبقوا مسيلمة في الكذب وخانوا الله ورسوله والجماهير في سوريا وغيرها ولم يعولوا في جميع مداخلاتهم إلا على الشخصية ومدح سيادة الرئيس المعجزة.
ولم يميزوا بين الوفاء والغدر والاستقامة والانحراف وحفظ الدماء أو التعطش لها بكل قسوة ووحشية بل لم يترحموا على شهداء الشباب لأنهم في عرفهم أعداء ولم ينصحوا الراعي الذي يجب أن يكون رحيما شفافا حريصا على النفوس بل كان متوعدا بأنه جاهز للمعركة، إنها شجاعة لم يصل إليها شارون من قبل!
ومع ذلك يستشهد بالقرآن وهو كما قال علي: من ضيع الأمانة ورضي بالخيانة فقد تبرأ من الديانة ولذلك كان المتظاهرون محقين في شعاراتهم: كل من يقتل شعبه خائن والراعي الذي يفتخر بالذئب لا يحب الخراف كما قال ديدرو وإنه ربما تنجح الخيانة مؤقتا كما في حصار درعا ولكن النتيجة أن الخائن يكرهه الجميع وللتاريخ الذي يسجل حساب عسير لمن ليس له أخلاق في السلم والحرب.
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2259
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2124
| 10 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1077
| 07 يونيو 2026