رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قالت الإذاعة البريطانية إن عدد المتظاهرين في مصر (30/6) هو الأكبر في مظاهرات الأحداث السياسية عبر التاريخ الإنساني، ونقلت الأنباء عن جوجل إرث إحصاء بأن عدد الحشود وصل إلى 14.3 مليون منهم 3.8 مليون بالتحرير و2.6. كانت هناك ابتسامة على الوجوه، وعلق أحد المشاركين "أول مرة ألاقي الناس تبتسم وتسامح من مدة طويلة!"، والظاهرة الرئيسية أن نسبة الأسر في المسيرات كبيرة، وأن أجناب الطرق عليها سكان يقفون أمام المنازل، أو في شرفات المنازل.
هكذا حقق المصريون المفاجأة، ليس في العدد وحالة الثقة والحالة المعنوية لهم، وسلمية المظاهرات، ولكن في أنهم أعلنوا أنهم يخوضون معركة استرداد وطنهم وهويتهم، بينما أن السلطة وجماعتها والموالين لهم، لم يعرضوا سوى أنهم هم الثورة والباقي أعداؤها، وأنهم هم الشرعية ومن يريد مشاركتهم عليه انتظار الانتخابات النيابية القادمة، وثالثة الأثافي أن الدم والرصاص هما الأسلوب للدفاع عما قرروا، زيفا هو أو حقيقة، ولكن ليس لديهم إلا القتل.
ما الذي يدفع بالإخوان والسلطة والجماعات الدينية، إلى الاعتقاد أنه يمكنهم أن يفرضوا وجودهم بالدم على بني جلدتهم؟ من أفتى بهذا؟ وماذا يعرضون؟ المؤلم أن إدراكهم للرفض الشعبي لم يأت عن كفر أو عناد، ولكن الرفض الشعبي نتيجة مباشرة للفارق في مفهوم الصراع، فالشعب يخوض معركة هدفها "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، صراع بقاء إنساني مشروع، والإخوان ومن والأهم يخوضون معركة التكفير لمن عداهم والتمكين المطلق لأنفسهم حتى وإن باعوا أنفسهم للشيطان بإراقة الدم الإنساني، غير مدركين أنهم بأيديهم حولوا معركتهم إلى معركة الفناء السياسي، وربما الإنساني.
كان خطاب مرسي في 26 يونيو كمن يرفع الستار عن حقيقة صورة دوريان جراي، حيث تركت كل الأفعال الشيطانية أثرها على صورته بين المواطنين، وكأنه كان يحشد مع إدارة "تمرد" ليوم 30 يونيو، وكان التعبير الأشهر له "كفاية سنة!"، وكأنه يمن على المصريين بأنه صبر عليهم سنة من حكمه، لينطلق بعد ذلك مهددا ومتوعدا الجميع وبلا استثناء، وبالقانون، ولأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة ــ وكررها عدة مرات ربما ليقنع نفسه بها ــ فأيضا المحاكم العسكرية موجودة، ولم يأت بكلمة حول جريمة زاوية أبو مسلم حيث قتل أربعة من الشيعة، تحت مظلة حالة تحريضية مذهبية، يمارسها العديد من المشايخ، ومارسوها في حضوره، وردد هو بعضا من هذا التحريض، ليصبح حديثه بعيدا عن أي منطق أو مواكبة للأحداث.
كانت كافة المقدمات تقول إن يوم 30 يونيو قد بدأ قبل موعده، ولكن لأن أي دعوة سياسية، مهما كان صحة منطقها، تظل تحت الاختبار حتى تستجيب الجموع الشعبية لها بالحركة، وتظل محل الشك في تحقيق أهدافها حتى تكتشف آلية التعامل مع الهدف، وأيضا لأن دروس وتجارب الثلاثين شهرا الماضية مازالت مرارتها في الحلق، فإن القلق يتزايد والأسئلة تكثر، وكأنها تحاول أن تستدعي أعلى حالات اليقظة والانتباه:
1. كانت المكالمة من السويس، تسأل ما الأحوال عندكم، ويستكمل دون انتظار رد، "ما يحدث هنا في السويس وهذه الحشود لم تشهدها السويس من قبل، الشعب ده يتجاوز كل التوقعات ومحدش يقدر عليه"، ذات المكالمة جاءت من شباب الفيوم، "مليون في الشارع"، وتعجبت هل الفيوم الوديعة أنتجت مليونا في الشارع، كان هذا إحساس الشباب فوق الأرض، وكانت المعلومات تتوالى بأن الحالة شملت محافظات صعيد مصر، الشعب أعلن أنه يرفض، وأنه أكثر وعيا من قاتليه وسارقي ثورته، وتجاوز بحركته طموحات أكثر المتفائلين.
2. إن الشعب أدرك أن أهدافه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تبدأ بإزاحة سلطة الإخوان بل والتنظيم ذاته الذي يتسم بالسرية والارتباط بهياكل خارجية، وكذلك كافة الجماعات التكفيرية والإرهابية في ذات الوقت الموالية لهم وكذلك مجموعات الراقصين تحت عباءة السلطة وأي سلطة.
3. توافقت الوقائع مع كافة السيناريوهات التي كانت تطرح بأن عندها يتدخل الجيش، وهذا في ذاته محل نقاش وإن كان الوعي بدور تأميني وحاسم للجدل للجيش يتزايد، حتى إن آليات الجيش نزلت تحمل شعار "جيش حماية الشعب"، وتوافق موقف الشرطة وكأن حالة من اليقظة استدعتها أحداث الاغتيال والخطف ورعونة قرار السلطة تجاه ذلك، ولتنزل آليات الشرطة تحمل شعار "شرطة الشعب"، هذا التوافق وضع إمكانات النجاح على إطلاق الأصابع.
4. كانت السيناريوهات تشترط الوصول إلى حالة الدولة الفاشلة، وهي حالة تبدأ عند الاحتراب الأهلي بالأساس، وهذا تكفلت به جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية الموالية لها، وجرت وقائع إسالة الدم من قبل 30 يونيو واستمرت حتى فجر الأول من يوليو، وصار وجوب التدخل هو تنفيذ لكلمة وزير الدفاع بأنهم لا يستحقون الحياة إن هم تركوا الشعب مصدر الشرعية معرضا للتهديد والقتل.
5. استوعب الجميع حقيقة أن البديل ليس أشخاصا، ولكن البديل دستور ينبع من رؤية وطنية جامعة تدرسها العقول المتخصصة والإرادات الشعبية ليتم ترجمتها في دستور ينتجه التوافق الوطني العام، ويصبح هو العقد الاجتماعي لدولة الثورة.
6. نجح العقل الجمعي التخلص من الاتهام بالاتفاق بين الثورة وعناصرها، والشعب، وبقايا النظام السابق، فلم تأخذ بعقله فكرة إعادة الاختيار بين مرسي وشفيق، ولا الاختيار بين نظام الإخوان ونظام مبارك، وأخذت فكرة العدالة الانتقالية تنمو، وتجد لنفسها من يدرك أنها بحث عن الحقوق وليس بيع الثورة بين مجموعات المصالح الجديدة والسابقة.
7. كانت الهجمات على المحافظات بتعيينات المحافظين الجدد، وعلى القضاة، وعلى الثقافة، والإعلاميين، وكأنها أوامر استدعاء لإتمام عناصر وحدة مكونات المجتمع، ومن ناحية أخرى، تجاوزت حركة العمال والفلاحين مجرد المطالب الفئوية، وهو أمر إن جرى التعامل البيني من هذه المكونات وبعضها البعض، لنجح في تكوين سبيكة وطنية تمكن من استثمار المرحلة الانتقالية لتحقيق مهام وضرورات النظام الجديد بعد الثورة.
8. حالة الثقة التي تجلت مساء يوم 30 يونيه، حدت من تأثير تصريحات السياسيين والجماعات حتى الشباب الذي بدأ حركة تمرد، وجعلت ذلك كله إما أن يضيف إلى رؤية تتجسد لإدارة المرحلة الانتقالية وطبيعة المهام الواجبة خلالها، بل وإلغاء فوبيا الزمن والتوقيت، فالمرحلة الانتقالية هي مهام يجب إنجازها، وفي الزمن الملائم لإنجازها.
9. الساعات السابقة على يوم 30 يونيو كانت أيضاً مع اقتراب الدعوة من لحظة التحقق، كانت كاشفة لمواقف عديدة، وفرز للنخب والأحزاب.
10. أثبتت الوقائع أن الرصاص والدم، كل ذلك لا يستطيع أن يرهب الشعب ويواجهه، وأن ما اقترفته جماعة الإخوان والكيانات الموالية لها، قد حكم على مستقبلها، وأن الشرعية الشعبية تلفظهم خارج المجتمع.
11. إن مهام التمسك بالأرض والصمود حتى تحقيق هدف رحيل النظام، هي الأكثر وجوبا الآن، وأن حالة العصيان المدني المتدرج هو أمر واجب أيضا.
الشعب دائما يدفع الثمن مقدما، وصورة المرأة المصرية في مقدمة المظاهرات، وأمهات الشهداء تتقدمن الصفوف، يعني أن التمايز الإرهابي بالجنس قد انتهى مع نهاية هذا النظام اللقيط.
الثقة بالنفس، وإدراك حقيقة مكونات الدولة المصرية، وإدراك مهام المرحلة الانتقالية، ثم تحويل أرواح الشهداء إلى رقيب على النفس المصرية، كل ذلك هو ضمانة إيجاد البديل الوطني لمصر الثورة.
إن أصابع الاتهام التي تشير إلى سلطة الإخوان تتجاوزها إلى تلك الجماعة من المثقفين الذين ضللوا الوعي العام، سواء في بداية الثورة، أو خلال المرحلة الانتقالية السابقة، وفترة حكم مرسي، لعلهم يتقون الله في أمر وطن هو علامة في تاريخ البشرية، كما هي إبداعات شعبه مدرسة الصبر والصمود والوعي خارج محافلهم وبفطرة الإنسان السليمة.
الاقتراب من لحظات الإزاحة لنظام الإخوان يجب أن تعي أن الشعب هو مصدر السلطة، وعند ذلك سيحترم العالم إرادة الشعب وما ينتج عنها، والاعتقاد في ضرورة المباركات الخارجية لفعل يستوجبه النضال الوطني هي أول خطوة لتجديد الصراع مع الإرادة الشعبية، لأنها تفريط واستجداء وانطواء تحت إرادة الأجنبي.
طريق واحد لحسم معركة البقاء المصرية التي طالت لثلاثين شهرا، هي الإيمان بأن إرادة الشعب جزء من إرادة الله.
مرحلة حاسمة في مسار الجهود الدبلوماسية
تواصل دولة قطر الانخراط بصورة فاعلة في الجهود الهادفة إلى خفض التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية... اقرأ المزيد
84
| 13 أغسطس 2026
إنها سورة الآداب الاجتماعية
هل ضعفت معاني الاحترام وروح المسؤولية في تعاملاتنا؟ وهل رفع الأصوات والتناطح دليل على القوة والحجة؟ وهل سهل... اقرأ المزيد
153
| 13 أغسطس 2026
ويلٌ للمطففين
سورة المطففين أول سورة نزلت بالمدينة المنورة، حيث كان أهلها من أخبث الناس كيلاً قبل مجيء الرسول الكريم،... اقرأ المزيد
138
| 13 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
2886
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1584
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
1005
| 06 أغسطس 2026