رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يزال قوس الحدث الإرهابي الذي جدّ الأسبوع الماضي في سوسة (130 كلم جنوب العاصمة التونسية)، مفتوحا على سيناريوهات عديدة، وردود فعل قد لا تهدأ قريبا بين مكونات الطبقة السياسية..
الحكومة تحركت بشكل ماراثوني حثيث، وفي وقت قياسي غير مسبوق.. فأعلنت جملة من الإجراءات والخطوات السياسية والأمنية، في نوع من الحسم الواضح، الذي لم يألفه التونسيون على عهد الحكومات التي تشكلت بعد ثورة يناير 2011..
سيناريو المواجهة
فقد قررت إغلاق 80 مسجدا وصفت بـ "المنفلتة"، وشرعت في تعديل القانون المنظم للجمعيات باتجاه محاصرة عملية تمويلها وسط شكوك في وجود "مال جمعياتي فاسد" يدعمها، كما قررت اتخاذ إجراءات قانونية ضدّ الأحزاب والجمعيات "المخالفة لمقتضيات الدستور"، ربما انتهت إلى حلّها، وفي مقدمة هذه المكونات، "حزب التحرير"، الذي أشير إليه بالتصريح قبل التلميح في تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة..
وبالإضافة إلى تكثيف الحملات والمداهمات لما سمي بـ "الخلايا النائمة للإرهابيين"، ورصد مكافآت مالية لكل من يدلي بمعلومات عن عناصر إرهابية، أعلنت الحكومة عن دعوة "جيش الاحتياط لتعزيز تواجده العسكري في المناطق الحساسة"، وهذه أول مرّة منذ استقلال البلاد في العام 1956، تستدعي الدولة "جيش الاحتياط"، بما يؤشر على درجة الاستنفار الذي باتت عليه في مواجهة عمليات "إرهابية" من الحجم الذي حصل في سوسة مؤخرا..
غير أن سيناريو المواجهة الذي اختارته الحكومة على النحو الذي أوضحنا، لم يلق الإجماع السياسي والوطني الذي كانت تتوقعه..
وإذا استثنينا بعض التيارات الشيوعية واليسارية، وجزء من أحزاب الائتلاف الحاكم، التي ساندت الحكومة فيما اعتبر "حربا ضدّ الإرهاب"، اختارت أحزاب أخرى عريقة (التكتل والمؤتمر على سبيل المثال)، الصمت إلى حدّ الآن، ومراقبة مآلات الوضع..
الحريات أو الحريات
لكن أصواتا أخرى مؤثرة في المشهد السياسي، كان لها موقف نقدي واضح.. فالحزب الجمهوري لم يتردد في وصف بعض هذه الإجراءات والتصريحات التي رافقتها، بكونها "لا تنتمي إلى المرحلة الراهنة"، وأنها "تستعيد أسلوب الاستبداد في التعاطي مع قضايا وطنية شديدة الحساسية"..
رئيس الحكومة الأسبق، حمادي الجبالي من جهته، اعتبر معالجة الحكومة لعملية سوسة، وخيارها في مكافحة الإرهاب، "تدشين للاستبداد"، بل إن الرجل الذي خبر الحكم في أعقد مراحله (زمن الترويكا)، أعرب عن خشيته من محاولة توظيف العملية الإرهابية للقيام بانقلاب على الدستور وعلى مسار الانتقال الديمقراطي، عبر استدعاء الجيش لإدارة الدولة، وهو ما شكّل مضمون دعوات عديدة معلنة وصريحة صدرت عن سياسيين وإعلاميين، قريبين من المنظومة القديمة، أو ما يسميه البعض بـ "الثورة المضادّة"، خصوصا بعد الحدث الإرهابي..
وإذا أضفنا إلى كل هذا، تحذير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (أعرق منظمة حقوقية مناضلة في البلاد)، من مغبّة عدم "احترام حقوق الإنسان التي تضمنتها المواثيق الدولية والدستور التونسي"، خلال الحرب على الإرهاب، ندرك أن سيناريو المواجهة الذي ضبطته الحكومة، لم يرق إلى مستوى تحقيق إجماع وطني كانت تتوقعه وترغب فيه..
ثمة طيف واسع من المكونات السياسية والحقوقية ومن الشخصيات الوطنية، التي ترى أن موضوع الحريات وحقوق الإنسان، خطّ أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه، وتعتبر أن الخطوات الأخيرة للحكومة، مؤشر على الالتفاف على هذه الحريات بجميع أنواعها، خصوصا حرية التعبير والتنظم والتديّن، التي باتت مهددة ـ في رأيها ـ بهذا الخطاب "الأحادي" من قبل السلطة، وبهذه الإجراءات التي تذكّر بأسلوب دولة ما قبل الثورة..
تحدّ جديد
هناك عناوين بارزة في الخطاب السياسي التونسي اليوم، قوامه الحريات، وعموده الفقري، الشراكة في صنع القرار السياسي الوطني، ومرجعيته الدستور الجديد، ولذلك، يرفض الساسة بتنوع مشاربهم وتوجهاتهم، وضع التونسيين بين خيارين : الاستبداد أو الإرهاب.. ويرون أن أي مساس بالحريات، سيكون خطأ استراتيجيا، قد يضيّع فرصة التأسيس الديمقراطي في تونس أصلا..
ولعل ما زاد في تأجيج الرفض، وعجّل بصيحات الفزع هذه، ما يتردد من سيناريوهات تتحدث عن "تحالفات" سياسية، ليست نتاج المخاض الداخلي، وسط مخاوف من إمكانية اقتسام كعكة الحكم بين بعض الحساسيات والأحزاب، بعيدا عن أي وفاقات وطنية تحتاجها المرحلة، ويقتضيها المسار الديمقراطي الناشئ في البلاد..
هل يقع اختزال التجربة الديمقراطية في تونس في هكذا سياقات ومآلات ؟ وإلى أي مدى يمكن لرجال المنظومة القديمة، أن يعيدوا الجدل السياسي إلى مربع ما قبل الثورة، حيث الحريات المنعدمة، وفتات "الوهم الديمقراطي" الزائف ؟
من المؤكد، أن الطبقة السياسية التونسية باتت تمتلك مناعة ضدّ فيروس العودة إلى المرحلة القديمة، لكن هل ترى هذه المناعة كافية لصدّ "طبخات" إقليمية ودولية تريد أن تفسد مذاق "النموذج التونسي" في المنطقة ؟
هنا يراهن قسم من التونسيين على بعض الأحزاب القوية ذات الثقل السياسي والشعبي، لكي تلعب دورها في منع أي انزلاق باتجاه عودة محتملة إلى المرحلة القديمة، حتى وإن كان عنوانها مكافحة الإرهاب..
إنه تحدّ جديد يواجه النخبة التونسية، وقد يتوقف عليه مستقبل المسار الانتقالي برمته.. فهل ترفع هذه النخبة التحدّي أم تضيّع الفرصة التاريخية التي ضيّعتها فيما مضى؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4428
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4113
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2004
| 07 مايو 2026