رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المؤسف أن يحدث هذا الاختراق الواضح في قناة (بي إن سبورت)، ويقوم موظفون لهم مواقعُ مهمّة بالتآمر على مصدر رِزقهم، ورغيدِ عيشِهم، في هذا البلد الآمن، الذي أكرمهُم، وأعزّهُم من بعد ذُل، ومنحهُم أكثر مِما يُمنح للمواطنين.
فحلقة (ما خفيَ أعظم) من قناة الجزيرة – الأسبوع الماضي – كشفت حقيقة، قد يكون كثيرون غافلين عنها، أو غيرَ مُلتفتين لها! إلا أن السلطات الأمنية الواعية استطاعت كشفَ الحقيقة، والقبضَ على المسؤولين عن ذاك الانتهاك الخطير لأمانِة المهنة ومسؤولياتها.
تلك إشارةٌ ضارة، ويستوجِب علاجُها حسب النُظم والقوانين المَعمول بها في البلاد، ولا يجوز لنا أن نبدي أي رأي في هذه المرحلة أو الدخول في تفاصيلها.
لكن الإشارةَ النافعة، في مواجهة الإشارةِ الضارة، هي ردةُ الفعل الغاضبة، في وسائل التواصل من قِبل المواطنين، على الثقة «العمياء» التي يُقابل بها بعضُ العرب الذين حصلوا على الجنسيات الأوروبية والأمريكية، واعتبارهم من «الخوارق» الذين لا يُشقّ لهم غبار، وهم أدنى من ذلك، حيث يحميهم – فقط – جوازُ السفر!. وكان من المُفترض أن يتأسَّسَ هؤلاء على قيم الأمانة والاخلاص والوفاء للوظيفة ورُقيّ التعامل مع الوظيفة، كما هو الحال في البلدان التي يحملون جنسيتها. يُقابل ذلك وضعٌ استثناني للموظف القطري الذي يُزجّ به في هيئة التقاعد، وهو لم يبلغ الستين، وبعضُهم يحمل مؤهلاتٍ عاليةً، وخبرة تزيد على الثلاثين عاماً، وما زال صحيحَ العقل والجسد، وقادراً على العطاء، ولديه قدرةٌ على التعامل الإعلامي أكثر من غيره. كما أن هذا البعض يُجيد اللغة العربية والإنجليزية بطلاقة، قراءةً وكتابةً وحديثاً! ماذا ينقصُ هذه الكفاءات – التي لربما – لم (يركب) نجمُها على نجم المسؤول؟! أو أن المسؤول الذي وَقّعَ كتابَ إحالتِها إلى التقاعد، أقلّ مستوى منها، وأقلّ كفاءة، وأقلّ خبرة في المجال؟!.
نحن هنا لا نريد التباكي على اللبن المسكوب! ولكنَّ ما سَطّرهُ المُغردون على وسائل التواصل، يُثبت أن هنالك مشكلة مَسكوتٌ عنها! فالقطري المؤَهل، الذي أُحيلَ إلى التقاعد وهو لم يتجاوز الخامسة والخمسين، وهو بكامل عقله وصحته، وأمانته، وحرصه على أمن بلاده، وبراتب 30 ألف ريال، لا يجوز أن يُحرم من وظيفة أخرى، من نفس تخصُّصه، في هيئة أخرى!. لا أن يتم توظيف إحداهن براتب كبير جداً، لقاء قراءة نشرةٍ إخبارية أو موجزٍ للأنباء! ناهيك عن المزايا الأخرى، من تعليم الأبناء، وتطبيبهم، وتذاكر السفر على الدرجة الأولى، وبدلات المُهمات، وغيرها.
طبعاً لا نُنكر أن للمؤسسات الإعلامية ظروفها في اختيار موظفيها، ولكن إن كان كبار المسؤولين فيها من غير القطريين، فلا شك أنهم سوف يؤثِّرون على قرار التوظيف! ولكن في المقابل، أليس من حق القطري القادر على تحمّل المسؤولية، العارف بخفايا الإعلام، أن يكون بنفس مستوى تلك الموظفة؟! ماذا ينقص القطري، وهنا أتحدث عن الإنسان المؤهل، المُبدع، القادر على التعامل مع معطيات العصر الإعلامية، والذي يتقن لغة الإعلام، وما أكثر مَن لا يُتقنها هذه الأيام!.
لقد نَفعت تلك الحلقة من (ما خفيَ أعظم) في لفت النظر إلى قضية مُهمّة، ظلت طويلاً ضمن (التابوهات) في عالم الإهمال والنسيان! فكمّ من موظفٍ ظُلمَ تعسفياً في حرمانه من حقه في الوظيفة التي كفلها له الدستور، والإعلانُ العالمي لحقوق الإنسان، ودون أية مبررات! نعم، الموظفُ المُهمِل، غيرُ الملتزم بمواعيد العمل، غيرُ القادر على تطوير ذاته، أو تقديم إبداعات، ولربما المُعتل الصحة، يُمكن أن يُحال إلى التقاعد، وهذا أمرٌ مُبرَّر، ولكن الغريب أن تتم إحالةُ موظفٍ أو موظَفين، أكفاء، متوقدي الفكر، يُتقنون فنون المهنة، وأثبتوا كفاءةً واضحةً في مجالهم، وقدّموا إبداعاتٍ ملموسةً، إلى التقاعد عبر خطاب يأتي به صبيُّ الشاي، ودون كلمةِ شُكر من المسؤول، الذي جاءت به الصُدف إلى ذاك المنصب. في الوقت الذي يتجاوز عُمر «الخبراء» و»المدراء» من غير القطريين، السبعين في تلك المؤسسات، وهم ما زالوا يتمتعون بالمزايا، ولا يُحالون على التقاعد؟!.
نعم لقد نفعت تلك الحلقة التلفزيونية بطريق غير مباشر، في إلقاء الضوء على القطري المؤَهَّل، وحقه في التمتع بالمزايا الوظيفية التي تُمنح للآخرين، الذين، بعضهم لا يستحقها، بل ولا يملك هذا البعض، الحسّ الوطني أو الأخلاقي في الوفاء لمنصبه ووظيفته، وقيل في الأمثال: (ما حكَّ جلدَك غير ظفرك)؛ وأتذكَّر هذا المثل الذي قاله مسؤول إعلامي كبير في السبعينيات، من المؤمنين بحقّ المواطن في الوظيفة المناسبة!.
لقد نشرت وسائلُ التواصل الامتيازاتِ التي حصل عليها الرأسُ المُدبِّر لجريمة التشويش على بطولة كأس العالم في قطر، ومساعديه من الجنسيات الأخرى، حيث تراوحت رواتبهم ما بين 142 ألف ريال وبين 80 ألف ريال، ولهم امتيازاتٌ أخرى من السكن، الذي يحلم به القطري، وتدريس الأبناء، والتأمين الصحي، وتذاكر الدرجة الأولى للبلدان التي ينتمون إليها، وتوفير عمل «ممتاز» لزوجاتهم، وأبنائهم، ولربما أحفادهم، وراتب ( Bonus ) 3 شهور كلّ عام، وتسهيل معاملاتهم خارج المؤسسة بطريقة ( V.I.P.)، كلُّ ذلك يحلم به هؤلاء في بلدانهم التعيسة، التي تنوءُ تحت أنقاض الفساد السياسي والإداري، والتخلف الاقتصادي، ونقص الخدمات، لذلك هجروها نحو مُدن النور، التي لم يتعلموا منها النور، بل الظلام والخسّة!. وقاموا بـ (رفس) النعمة، وخانوا الأمانة، وخسروا مستقبلهم ومستقبلَ أولادِهم، ولا شكَّ أنهم سينالون العقابَ الملائم، كي يكونوا عبرةً لغيرهم، مِمن هُم على شاكلتهم.
لقد نادت العديدُ من الأصوات بضرورة (تقطير) الوظائف القيادية والإدارية في المؤسسات الإعلامية، وبأن تكون هنالك قوائمُ بالقطريين المؤهلين القادرين والراغبين في العمل، مِمن تمت إحالتهم إلى التقاعد دون سبب، وأن تُعرض هذه القوائم على مسؤولي تلك المؤسسات الإعلامية، التي ينقصها الكادر القطري، وبذلك نضمن استمرارية العمل، وكفاءته، وأمانة القائمين عليه. والقطري الذي خدم 25 عاماً، بكفاءة وأمانة، لا يجوز أن نحرمه من راتب جيد ووضع وظيفي مريح، لخمسةِ أو عشرة أعوام قادمة، وهو (منّا وفينا)، ويحكّ جلدَنا بأمانة!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4518
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4062
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2169
| 05 مايو 2026