رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم إعلان حكومة دولة جنوب السودان عدم اعترافها باستفتاء منطقة أبيي المتنازع عليها بين الخرطوم وجوبا، إلا أن ذلك يعتبر موقفاً تكتيكياً لأنها دعمت بقوة ذلك الاستفتاء الأحادي.. مع إعلان نتيجة الاستفتاء (99.99%) لصالح ضم أبيي لدولة الجنوب، تكون جوبا قد سجلت نقطة ثمينة لصالحها وهدفاً ذهبيا في شباك الخرطوم.. الزخم الإعلامي والتعبئة السياسية التي صاحبة عمليات الاستفتاء قصد منها أن تبقى هذه النتيجة (كرت) ضغط تخرجه جوبا مستقبلا في وجه الخرطوم وهو كذلك حيلة يمكن أن تستند إليها دولا حليفة لجوبا ولها ثارات مع الخرطوم مثل الولايات المتحدة لصالح ضم أبيي لدولة الجنوب.. الخرطوم الضعيفة والمهزوزة بفعل الأوضاع الاقتصادية التي شجعت المواطنين للخروج إلى الشارع فضلا عن الانشقاق المؤثر الذي ضرب حزب المؤتمر الوطني الحاكم، تغاضت عن اتخاذ موقف قوي ضد الاستفتاء وأكتفت بتبرير حكومة سلفاكير غير المقنع، واتكأت على إعلان الاتحاد الإفريقي عدم اعترافه بنتيجة الاستفتاء ناسية أو متناسية أن موقف الاتحاد الإفريقي كان دائما متماهيا مع مواقف جوبا وأن الإعلان بعدم الاعتراف قد يكون مرحليا حتى تمرر الخرطوم الاستفتاء دون زوبعة وتقع في الفخ وفي نفس الوقت يمر نفط الجنوب عبر الأراضي السودانية وتفتح المعابر للتجارة الحدودية لإنقاذ اقتصاد جوبا الذي يقف على جرف هار.
وزير الإعلام الجنوبي وهو المصنف باعتباره أكثر المؤيدين لعلاقات مع الخرطوم، قال أن نتيجة الاستفتاء يمكن أن تقدم للاتحاد الإفريقي!!، فإن كان الاتحاد غير معترف بها وكذلك حكومة سلفا كير، فما الجدوى من تقديمها للإتحاد إن لم تكن هناك نوايا مبيتة؟!، وقال أيضا أن قبائل المسيرية لا يحق لها التصويت في أي استفتاء معترف به بل لهم بعض الحقوق يمكن النظر فيها!!.. جوبا تلعب بذكاء شديد وبتبادل بديع للأدوار لإجبار الخرطوع على أحد خيارين: الأول إجراء استفتاء معترف به لكن بدون منح المسيرية حق التصويت وحينها لن يكون مختلفا عن هذا الاستفتاء الذي جرى؛ والخيار الثاني أن يحال الملف برمته إلى مجلس الأمن الدولي وهناك ستجد دعم قوي من الولايات المتحدة المتحكمة فعليا في المجلس الذي أصبح أداة سياسية تخدم أجندتها الدولية.
الحقيقة أن أبيي اليوم مثل برمودا أو مثلث الشيطان الذي يبتلع كل من يقترب منه، كم من الطائرات والسفن دخلت مجال المثلث ولم يعرف عنها شيء وأصبحت في خبر كان، اليوم كل خطوة في سبيل تحسين علاقات الخرطوم وجوبا بدون حل قضية أبيي ستكون في خبر كان.. الخرطوم تزيد كل يوم أخطاؤها الإستراتيجية في أبيي مما سيؤدي لفقدانها المنطقة التي تساوي مساحة لبنان (أكثر من عشرة آلاف كيلو متر مربع)؛ لقد أخطأت الخرطوم عندما وافقت على إجراء استفتاء الانفصال في يناير 2011 على قطعة أرض غير معلومة الحدود، أي أن حدود دولة الجنوب لم يكن متفق عليها وكان في يد الخرطوم كارت ضغط قوي لم تستخدمه فما كان لها ينبغي على الموافقة على إجراء الاستفتاء دون حسم قضية أبيي، لكن مارست واشنطن حينها ضغوطا على الخرطوم وقام جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الحالي وقد كان وقتها رئيسا للجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس وحمل جزرة في يده ملوحا بتسليمها إلى الخرطوم دون أن تتسلمها وفي طياتها ووعدا كذوبا بتطبيع العلاقات ورفع سيف العقوبات التي وقع الرئيس أوباما على تجديدها الخميس الماضي للمرة السادسة عشر!!.
ينص اتفاق بروتكول أبيي ضمن اتفاقية السلام الشامل الموقعة بين الحركة الشعبية وحكومة الخرطوم في 2005 على أن حدود 1956 هي الحدود الفاصلة بين الشمال والجنوب وتضع تلك الحدود أبيي ضمن حدود الشمال، وما أتفق عليه هو إجراء استفتاء لمواطني أبيي من قبيلة المسيرية العربية وقبيلة دينكا نقوك الجنوبية، ويخيّر سكان المنطقة بين الانضمام إلى الجنوب أو الشمال وفي كل الأحوال فإن الخيار هو خيار السكان وليس خيار الأرض بمعنى أن تبقى أرض أبيي شمالية ضمن حدود 1956م ويختار دينكا نقوك بين البقاء في الشمال أو الرحيل إلى الجنوب.
إن حل القضية بيد السكان الذين تعايشوا على مئات السنين، فالتداخل معقد جدا لم تستطع الأطراف الدولية فهمه، فمقترح الاتحاد الإفريقي أن تقسم المنطقة بالتساوي بين الطرفين، ومن قبله كان حكم محكمة العدل الدولية التي لجأت إليها الحكومة والحركة الشعبية معا حكما توفيقيا أو أقرب إلى أن يكون سياسيا، بمعنى ألا تعود أبيي لأي طرف بشكل قاطع ومحدد بحيث يحدث نوعا من التقسيم يشمل أول ما يشمل الجوانب الاقتصادية التي سيكون لها الأولية والأسبقية على الجوانب الأخرى وهي الأهم خاصة المراعي.. قصص التعايش الفريد المتصل منذ مئات السنين بين المسيرية والدينكا تجاهلته أو لم تستوعبه الأطراف الدولية ولا النخب السياسية في الجنوب والشمال.. التقارير الصحفية تحاول زج كثير من العبارات السالبة مثل الإشارة إلى "أبيي الغنية بالنفط" في محاولة لحصر الخلاف في (مغانم النفط) في حين أن المرعى ومصادر المياه هي القضية الأهم وهي موارد غير ناضبة.. المياه والمرعى قضية تواضع المسيرية والدينكا منذ قديم الزمان على التعاطي معها والتعايش والاتفاق حوله.. هناك فقط بئران وليس حقلان، نفط قد ينضب في أقل من (5) سنوات!!..قبل عدة سنوات كتب الدكتور فرانسيس دينق أحد أشهر أبناء دينكا نقوك المتعلمين، في كتاب شهير أن مقر إقامة ناظر عموم المسيرية في أبيي.. ومن الوقائع التاريخية أن زعيم دينكا نقوك بايع الأمام المهدي الذي أهداه حربة بقيت إلى يومنا هذا رمزا للوفاء والتقدير والاحترام.. إن خصوصية منطقة أبيي هي قاعدة أساسية لمعالجة القضية برمتها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12153
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10260
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3483
| 22 أكتوبر 2026