رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل مضى العام الميلادي دون رجعة بكل أو بجل ما يتمناه الإنسان ليصل إلى شاطئ السعادة وبر الأمان ويرى العالم من حوله وقد رفرفت عليه تلك الراية ليكون أليق وأوفق لأن يحتفل مع البشر سروراً وابتهاجاً يجني الثمار، وعندها لا يكون مسرفاً معهم إذا نثر مليارات الدولارات وفرح لإذعان الإعلام الخاص والعام لأمره وجيّشت جيوش في ليلة الظلام ليسفر من رحمها صباح الحرية والعدالة والسلام، كما انبثق ضوء العام الماضي الذي يراه هذا الإنسان، وبالتالي يرتاح ضميره وضمائرهم فيصدق أنهم سعداء إذ لا سعادة تعادل راحة الضمير كما قال ابن باجة رحمه الله.. هل الأمر هكذا أم أننا أصبحنا نخادع أنفسنا ونغني ونرقص وننافق ونكذب ونعوض نقصنا بالاحتفال بالأوهام ونحن نحس بذلك تماماً لأن شواهد العام مبنى ومعنى أكبر دليل على هذا الكلام، نعم ثمة جوانب مضيئة لا ينكرها إلا مكابر وهي وحدها التي تستحق الإجلال والاحترام والاحتفال بها دوماً لا في ليلة واحدة فقط، وهذا ما جاء به المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وعززه ونشره رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ليهتم به العالم أجمع، إذ ان مغزى رسالته أن يبقى رحمة للعالمين وقد سجلنا ذلك في ذكرى هجرته صلى الله عليه وسلم في عامها القمري والقمر ناصع يستعصي على التزييف والتدجيل دوماً، إننا نقول هذا ونحن أمام حساب العام والأيام ولدى محكمة الضمير التي تدخل نفوسنا وتبقى يقظة تحكم بالعدل على الدوام لا تحابي أحداً ولا تنتصر لغيره، إن الضمير فيها هو الوجدان الذي يتمتع بالقدرة على التمييز بين الحق والباطل والخير والشر والطيب والخبيث وهو الذي يعرفنا حاله بأنه ليس شأناً ذاتياً محضاً وإنما هو جملة المعايير والتوجيهات التي تعني التربية الخلقية أو هو – كما يقول الفيلسوف توما الأكويني: تعقيب العقل على ما يصدر منا من أفعال في كل وقت إذ العقل هو أصل عتيد للطبع والشرع بمعنى أنه نبراسهما والشرع عاصم للعقل على كل حال، والضمير كذلك عند أرباب العلوم الإنسانية وظيفة من وظائف الدماغ تقوم على الإيثار المتبادل بالسلوك الموجه لكل فرد أن يقوم على رعاية الآخرين ويعتبر هذا الضمير في الإسلام نعمة من الله لبناء كل ما هو إيجابي في الحياة إذ هو ربان السفينة والقائد والمشرف على مسارها بل هو المرآة التي تعكس السلوكيات وهو المعيار والمقياس الذي بميزانه الدقيق يحكم السيطرة على الذات والشخصية فيعرف نضوجها من عدمه فيمدحها على المحاسن ويقدحها على المساوئ وهو المراقب الأمين والدليل الأصيل بل والقاضي المقرر للتبرئة أو الاتهام والتأنيب، ولا يستطيع إنسان أن يهرب من محكمته لأنه يقف سداً منيعاً أمامه ينهاه عن خرق الأصول الأخلاقية ويأمره بالتربية الهادفة التي ترتقي به في جميع مراحل الحياة إلا أنه في بعض مراحلها قد يصاب ضميره بالتلوث، كما تصاب البيئة ويغشاه سبات رقيق أو عميق فيقع في صغائر المقابح أو كبائرها وتلك آفات خطيرة قد تأتي على مقاتله فينسى مفهوم الحق بل لا يعود مكترثاً بالأخطاء ويتبلد شعوره حتى لا يحس بقتل الآخرين بل قد يتمتع بذلك فتقتل فطرته ويختفي ضميره ويسقط سقوطاً ذريعاً، ولابد في هذه الحال من التصدي لمرضه والبداية بالعلاج من هذا الفساد، إن أراد ألا يسيطر الران على قلبه ومن هنا يعتبر الحفاظ على الضمير حفاظاً على الأمانة التي ناطها الله بالإنسان (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)، "الأحزاب: 72".
فإذا ما استطاع أن يحاور نفسه حواراً داخلياً واعياً وكان دائم اليقظة، مراعياً جانب الله في التوجه سائساً نفسه بحسن التدبير مبتعداً عن المزالق حاملاً صفة النفس اللوامة التي تقف عند المحاسبة لها بدقة حتى تملك الصلاح، داعية غيرها للتأثر بالهداية لتصل إلى مرتبة الإصلاح كان بذلك بعيداً عن الغفلة التي اعتبرها ابن تيمية رحمه الله أصل الشر، وبالتالي يكون قد حمل ضميراً حياً نقياً نظيفاً شريفاً عفيفاً وإذا كان هذا الضمير لا يهدأ ولا ينام فإن صاحبه ينام على وسادة ناعمة، كما في المثل الفرنسي أو يكون محروساً به من الله إذ هو عين الله على الأرض كما قال شكسبير ولأن نفس الإنسان هي أهم ما يهتم به فقد أفنى الأنبياء حياتهم في خدمتها وكانت بعد التوحيد موضوعهم الوحيد كما نقل د. سعيد إسماعيل علي في كتابه "الحوار منهجاً وثقافة ص 107" ولعل ما يصدق على هذه النفس فردياً يصدق على الأسرة والمجتمع والدولة والحكومة تماماً فإذا ما كانت ضمائرها ذكية تفرق بين الحق والباطل لأنها هي أصوات الحق، كما قال مينا ندر فإن الأمة تعيش حياة مطمئنة عادلة يأخذ فيها الضعيف حقه كما يناله القوي وعندها تعرف حقوق الإنسان رسالتها وهدفها، وإن المتأمل فيما جرى العام الماضي إقليمياً ودولياً وعلى مختلف الأصعدة في الحياة يرى ظلماً لا نظير له، بحيث يكون مطمئناً إذا قال: مات الضمير، فهذه قضايانا وأولها فلسطين مازالت على مذبح الجزارين من ذوي القربى والأجانب من صهاينة وصليبيين، وإذا نظرنا ببصر حديد كما يقول محمد الغزالي في قذائف الحق "ص 272" عن محنة الضمير هناك مذكراً بمقال نشرته مجلة تابلت الانجليزية الكاثوليكية للكاتب ف.س اندرسون في 26/10/1957 فحواه أن الكاثوليك يقولون لليهود: إننا احتللنا فلسطين قبلكم وبقينا فيها سنين عددا، ثم استطاع المسلمون إخراجنا وتهديم مملكة بيت المقدس وذلك لأغلاط ارتكبناها وها نحن أولاء نشرح لكم تلك الأغلاط القديمة حتى لا تقعوا فيها وأفيدوا من تجربتنا حتى تبقى لكم فلسطين ولا يعود أهلها إليها.
نعم إنه الحق الدفين القديم والحديث وذلك سر قوله تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، "البقرة: 120".
ثم تأتينا قضية العراق الجريح الذي احتله أولئك الصليبيون وظاهرهم اليهود على ذلك بغير أي حق، فلحساب من قتل فيه أكثر من مليون إنسان ناهيك عن الجرحى والثكالى والمشردين والدمار الرهيب الذي نقض صروحه من أساسها ونهب آثارها وغلب في البلاد فريقا على فريق لينتصر الهوى على الوطن والحرية، ثم انتقل إلى أفغانستان لتقتلك الدماء والأشلاء باسم محاربة الإرهاب ولترى جنود الباطل من كل مكان تزرع الخوف وتقتل الأبرياء حتى أهل الأعراس والأفراح دون أي وازع من ضمير، ثم انتقل إلى السودان لترى مؤامرة التقسيم والاحتلال الحقيقي للغرب وأمريكا وإسرائيل، فانفصال الجنوب إنما يعني باختصار إنشاء كيان صهيوني جديد في إفريقيا وليس في السودان فقط وتلك سنة سيئة ستطول بلادا أخرى بلاشك، ثم انتقل إلى الصومال لترى الفتنة بين الإخوة الأعداء وقد أهلكت الحرث والنسل بلا حق واضح ولا دليل أصيل فأين تغليب المصلحة العليا على الدنيا وأين الرحمة بالمواطنين؟
وانظر إلى كشمير وإغراقها في المظالم والدماء والفقر والتمييز لترى كذب الديمقراطية هناك ممن يتشدقون بها، واجلس بعض الوقت مع تصريحات أوباما الخاصة والعامة لترى أن ما وعد به العالم الإسلامي لم يكن صحيحا وأن غالب الشعارات لا حقيقة لها عنده وعليه وعلى أمثاله يصدق قول أبي تمام:
إذا قلت في شيء نعم فأتمه
فإن نعم دين على الحر واجب
وإلا فقل لا تسترح وترح بها
لئلا يقول الناس أنك كاذب
وذلك على المستوى السياسي بل والاقتصادي إذ لم يفعل شيئا إزاء الأزمة المالية العالمية، وإذا تأملت من نواح أخرى الموقف من الكوارث الطبيعية وأضخمها فيضانات باكستان لم تر هذا العالم ذا ضمير حي أبدا، وانظر إلى فداحة عمليات التنصير في الأقليات الإسلامية والبلاد الفقيرة وإلى تخريب الأخلاق المتعمد وفرز الميزانيات الهائلة لدعمه والهجوم على الأسرة المسلمة في حجاب المرأة ونقابها ومساجد المسلمين والاعتداء على مقدساتهم، إنك بذلك ستجد الغريب عنا معتديا والقريب منا مجرماً بحق الشعوب، إذ هم بين أحمق ومجنون في قيادة أغرار لا خبرة لهم وهم ينالون منا أكثر من العدو وكل طاغية منهم كما يقول د. مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه "هكذا علمتني الحياة ص 310"، إنما يتراوح الغرور الذي يلد ثلاثة أولاد الحمق والحقد والجريمة ويسمى ديكتاتورية الحكم ديمقراطية ويحتكر السلطة له ولحزبه وعائلته أما أتباعه فإنهم يدافعون عنه حفظا لحياتهم لا لحياته، إنه موقف عجز لا موقف ولا يقظة للضمير فيه وكلما نحف ضمير المنحرف سمن جسمه، أما السياسة عند معظم حكامنا فهي سمكة تأكل من يصغر عنها فأي احتفالات نقوم بها ونحن في محكمة الضمير متهمون فمتى نقوم بواجبات الضمير ليرتاح ونحتفل حقاً؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2892
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
2220
| 30 أبريل 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2088
| 04 مايو 2026