رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1985م كنت في زيارة لألمانيا لحضور دعوة فكرية وصحبني في جولتي طالب مغربي يدرس في كلية الطب ليترجم لي ما أريد. ودخلنا مجمعا تجاريا لشراء جهاز إلكتروني وكان المكان مزدحما، فتقدم صاحبي وفقدني، ثم عاد فوجدني أنظر إلى جهاز التلفزيون مما يباع، فعجب لماذا وقفت، فقلت له: تأمل، إن المعروض على الجهاز نواعير مدينتي حماة وآثارها ولا يزال العرض مستمرا، فبادرني القول: معك حق، إنهم يعرضون كل أسبوع مشاهد مدينة تكون من أجمل أو أعرق مدن العالم. فعرفت كيف أن الأجانب أصبحوا يهتمون بالتراث والتاريخ أكثر منا ويثقفون شعوبهم، كما عززت معلوماتي عن مدينتي وربطت ذلك بما كنت قرأته عن صحيفة "دي تسابت الألمانية"، حيث نشرت بتاريخ 2/4/1982 مقالا مهما عن مجازر مدينة حماة التي اقترفها حافظ الأسد في 2/2/ 1982 تحت عنوان: مذبحة - كما في العصور الوسطى – كيف ابتلى أسد حماة بالموت والدمار، جاء فيه: قال الأسد إن ما حدث في حماة قد انتهى. وذلك تعليقا على أخطر أزمة داخلية هزت سورية منذ توليه السلطة عام 1970 فقرابة أربعة أسابيع في فبراير أغرقت حماة بالدمار والآلام من قبل قوات بلغت 11 ألف رجل (مدرعات ومدفعية وطائرات ومظليون وقوات حماية النظام الخاصة)... لقد انتهت فترة القتل والنهب والحرق التي تذكر بالقرون الوسطى وسكتت المدافع وغدت المدينة أنقاضا ورمادا.
إن مدينة حماة التي ذكرت في الإنجيل في الوصايا القديمة وتقع على نهر العاصي، هي واحدة من أقدم مدن العالم (يقال إن الرب قد خلقها وهي الوحيدة التي تعرف عليها بعد عودته إلى الأرض نظرا لأنها لم تتغير) لكن لم تعد الآن موجودة. لقد توقفت النواعير الأسطورية التي كانت منذ قرون تملأ القناطر ومستودعات المياه ولم يبق منها ومن متاحفها ذات الماضي البابلي والآشوري والسليماني إلا بقايا تعيسة ويلجأ الملحقون العسكريون الغربيون إلى انطباعات وأسماء من الحرب العالمية الثانية لتصور أبعاد الدمار الذي حل بالمدينة أسماء وانطباعات عن مثل "برلين 1945 وستالينغراد"..... وعلى حد وصف تاجر مسيحي سوري منكوب: لقد أصبحت كما لو أن جنكيز خان مر بها ومن بقي على قيد الحياة فيها كأنما هو في ناحية من جهنم اسمها حماة... ثم تفصل الصحيفة في ذكر مآس تشيب لهولها الولدان.. يوافق يوم الأحد أمس ذكرى هذه المجازر الرهيبة التي راح ضحيتَها سبعة وأربعون ألفا من أهلها على ما وثقه شيخ الحقوقيين القانوني الدكتور هيثم المالح، حيث بدأت المذابح في 2/2/1982 وانتهت في 27/2 أي مدة ثمانية وعشرين يوما لشهر كامل ومن أراد التفصيل الكثير فليرجع إلى عدة كتب، أهمها: حماة مأساة العصر، وحماة بأقلام محبيها. ومجزرة حماة في الصحافة العالمية، حيث تحدث الصحفيون - وكلهم أجانب - عن أنها أكبر مجزرة في العصر الحديث على ما وصف أحد الخبراء السوفيت، حيث ذكرت صحيفة النوفيل اوبزرفاتور الفرنسية بتاريخ 30 أبريل 1982 أن حافظ ورفعت الأسد غزوا مدينة حماة بمثل ما استعاد السوفيت والأمريكان برلين، أقول: ولا غرو فإن رفعت صرح في 6/1 – 1980 أن ستالين قضى على عشرة ملايين إنسان في سبيل الشيوعية ولابد للأمة إذا أرادت أن تعيش أن تعتمد على رجل متعصب وحزب ونظرية متعصبة! وكذلك نشرت صحيفة لوماتان الفرنسية في عددها 1606 بتاريخ 24 أبريل 1982 بعنوان: في سورية: الإرهابي رقم واحد هو الدولة! حيث تحدثت عن ثمانين ألف معتقل نتيجة العنف والإرهاب السياسي اللذين أصبحا هما العملة الرائجة في هذه الدولة. وكذلك ما نقلته مجلة الفيزد الفرنسية في عدد مايو 1982 عن دبلوماسي غربي وصل إلى دمشق، أن ما حدث في حماة هو "فرصوفيا" أخرى كما حدث في الحرب العالمية الثانية. ولكن القصة الحقيقية هي أن الحكومة لم تسمح للصحافة بدخول المدينة إلا بعد أشهر وأحكم الأسد التعتيم الإعلامي على كل ما جرى، كما ذكرت مجلة الإيكونومست في عددها الصادر مارس 1982 تحت عنوان أهوال حماة بما لا يخطر على بال، إلا أن جريدة ليبراسيون الفرنسية ذكرت على لسان الصحفي شارل بوبت وهو فرنسي استطاع أن يدخل إلى حماة أثناء الأحداث بحيلة ذكية كسائح، أنه قدم شهادة حية نشرت في 1 مارس 1982 ذكر فيها فظائع وشنائع غريبة ومخيفة من تدمير وقتل وعويل العوائل وهدم وتفجير للمساجد والكنائس... وإن الذي شاهد فيلم قناة الجزيرة الوثائقي منذ أشهر قليلة قد رأى بعض ذلك. لكن الذي يهمنا التعليق عليه في هذا المقال هو أن التركيبة البنيوية الطائفية لحافظ الأسد ثم بشار من بعده، حيث وصاه بها أبوه وأمه، إن أراد أن يبقى على كرسي الحكم كخبير مجربِ، قوة الطغيان، إذ هي البوصلة الوحيدة التي تتحكم في سياستهما أخذا من فعل اليهود الذين لم يدخلوا بلدا عبر التاريخ إلا أفسدوه وهدموه وحرقوه ولذا فقد سقنا عشرات الشهادات عن هؤلاء الصهاينة تؤيد أن بشار كأبيه محبوب لديهم، لأنه يحافظ على الجولان هادئا ولم يزعجهم ولو بذبابة وليس برصاصة ودبابة، لأن كل الجحيم يجب أن يصب على الشعب الثائر الذي لا يقبل بأسياد يهود على حكام خدام عبيد. وقد نشرت دراسة إسرائيلية الجمعة الماضية، رأى فيها المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" -عاموس هرئيل – أن إسرائيل لا تدعو للإطاحة بالأسد وطبعا فهذا ما يتوافق مع رأي روسيا وإيران وأتباعها وربما أمريكا في الحقيقة لا في الظاهر المعلن، وذلك بعد تعاظم قوة الإسلاميين من المعارضة المسلحة في سورية التي ستسعى عاجلا أو آجلا لاستهداف المصالح الإسرائيلية. ورأت إسرائيل استمرار الحرب كيف تستنزف تلك المعارضة وهكذا فإن الأسد وعصابته لا يفكرون إلا بالطغيان، لأن هذا طبعهم وهم مقتنعون أنهم به سيبقون ويبقى المشروع الإيراني معهم. ولا غرو، فإن حافظ الأسد هو الوحيد من بين الدول العربية التي ناصرت إيران في حربها مع العراق وإيران اليوم تدافع عن مشروعها وهذا يعني أن ما قاله جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني بأن المعارضة لا تستطيع إسقاط الأسد إنما يعني استمرار دعمه اللامتناهي له حتى لو دمرت البلاد ولعلمه أنه يحتفظ بكيميائي فائض مخبأ فإن هؤلاء أصحاب تقية كما يتعاطون حول برنامجهم النووي، إلا أننا نؤكد: لو أن ما يسمى بالمجتمع الدولي أجرى المحاسبة على مجازر حماة في عهد الأسد الأب لما تمكن الابن من مثلها وأشد في جميع سورية وأن القانون الدولي ليفرض ذلك، لأن حقوق الناس الذين أبيدوا لا تموت بموتهم كما في المادة الثانية من مضمون الاتفاقية الدولية لمنع الجريمة والإبادة الجماعية، فلابد من المحاكمة ولابد للأمم المتحدة اليوم بعد تقصيرها أن تنصف مدينة حماة وتعمل على تعجيل انعقاد محكمة الجنايات الدولية لمحاسبة الأسد على جميع جرائمه الحربية في سورية، لأن من أمن العقوبة أساء الأدب وهو لم يكتف بحرق البلاد والعباد بالبراميل المتفجرة، بل أثر على دول الجوار، كلبنان والعراق وكأن الشيعة ومن يؤيدهم أوصياء على الآخرين، فأين مصلحة الوطن كما يزعمون! وما أشبه الليلة بالبارحة، فلو عوقب اللانظام السوري على ممارساته الإجرامية لتحققت هذه المصلحة ولما تشجع الأسد أن يذبح دجاجة واحدة فدونها رأسه.
ولكن ما عسانا نفعل وقد رمانا العالم جله عن قوس واحدة إرضاء للصهاينة والروس والمجوس ومصالحهم الغالية، إلا التوكل على الله، مع العمل بشعار (ما لنا غيرك يا الله)، والتصميم والإرادة الفولاذية التي ستفشل مؤامراتهم وتظهر أنهم هم الإرهابيون الحقيقيون الكبار، حيث لا إرهاب في الدنيا يوازي إرهابهم، وحينها لن يكون قتل ولا جنيف.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1437
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1284
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1092
| 21 مايو 2026