رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فرسان الهيكل وترهيب الناس من نشر وقبول ثقافة التسامح! جريمة بريفيك هي الأكبر في النرويج منذ الحرب العالمية الثانية! الاسلاموفوبيا ساهمت في عدم القبول بالآخر في الغرب!
ربما يهاجم التطرف مسجدا أو مركزا إسلاميا سنيا أو شيعيا إذا كان أتباعه يكرهون المسلمين. أو يفجر قنبلة في كنيسة إذا كان يبغض المسيحية. أو يفتح النار على مصلين يخرجون من معبد يهودي أو سيخي أو هندوسي! لكن الإرهابي الذي يحمل الجنسية النرويجية أندريس بريفيك (Anders Breivik) اختار أن يقتل بدم بارد الأمل في التعايش والتسامح والقبول للآخر الديني والعرقي. حمل بندقيته واطلق النار داخل مخيم شبابي للحزب الحاكم. واستهدف برصاصاته التي انهمرت كالمطر على الرؤوس والأجساد البريئة أبناء الوطن من الأطفال والشباب والصبايا وصغار السن في عمر الورود والذين يحملون في دمائهم خلفيات ثقافية مختلفة بيضاء وسمراء وسوداء!
(1)
الحادثة مثلت صدمة عالمية كبيرة خاصة أنها جاءت من بلد الأطراف وليس بلاد المحور التي اشتهرت بتاريخها الاستعماري مثل فرنسا وبريطانيا وهولندا واسبانيا وألمانيا. كما أنها لم تكن في أفغانستان وباكستان والعالم العربي والإسلامي وهو أمر متوقع! لقد حدثت في النرويج، الدولة التي تقع في محور المجموعة الاسكندنافية التي ارتبطت دوما في أذهان العالم حتى عند العرب والمسلمين بالسلام والتسامح والقدرة على الحوار وحتى قبول العديد من اللاجئين والأجانب والغرباء للعيش بأمان في ربوع هذه البلدان الهادئة المسالمة. تتألف النرويج من 160 ألف جزيرة صغيرة وكبيرة، يعيش فوقها أربعة ملايين نسمة ونصف المليون. وهي غنية بالمعادن كالالومنيوم وخلافه، إضافة إلى إنتاج الغاز. أعلنت النرويج في بداية الحرب العالمية الثانية عن حيادها التام بين المتنازعين، ولكن هتلر أمر بغزوها من دون النظر إلى التقيد بشروط السلام! الصدمة أصابت والد القاتل الذي قال انه لا يريد التحدث عن ابنه الذي وصفه بأنه "إرهابي"، وقال إنه ينوي البقاء في فرنسا لأنه يشعر بالخجل مما حدث. عكس التصريحات التي شهدناها من الآباء العرب والمسلمين في مصر وباكستان والخليج الذين عرفوا بإقدام أبنائهم على تفجير أنفسهم وقتل الأبرياء. ولا يزال منهم من يقدم التبريرات والأعذار ويلقى اللوم على الأعداء والجهات الخارجية بأنها وراء العملية إلى اليوم. في النرويج كان الحزب العمالي الحاكم يمسك بزمام المبادرة في حمل مشعل الانفتاح الحضاري والتعايش والتسامح وحمايته واستمراره كلما عصفت في البلاد موجة رياح يمينية متطرفة معادية. وجاءت الهجمات لإطفاء الشعلة المضيئة وترهيب الناس من مبدأ القبول بالاخر وخصوصا المسلم الغريب المرعب والمخيف. لقد كشفت التقارير انه وسط شيخوخة المجتمعات الأوروبية المهددة بمخاطر انخفاض معدلات الخصوبة وانعكاساتها الكارثية على وجود هذه المجتمعات سعى تيار الكراهية ورفض الآخر لاستثمار هذا الواقع لتحويل قضية المهاجرين خاصة من العالم العربي — الإسلامي إلى قنبلة ثقافية — سياسية — اجتماعية في أوروبا العجوز.
(2)
الوثيقة التي نشرها المتهم بارتكاب مجزرة على الانترنت تحت عنوان "إعلان استقلال أوروبا" شملت حوالي (1500) صفحة وهو بدأ بكتابتها قبل تسع سنوات، لكنه بدأ التحضير لعمليته الكبيرة منذ خريف 2009. ويبرر فعلته باستخدام الإرهاب وسيلة لإيقاظ الجماهير النائمة عن الخطر الذي يحدق بها. تشير الوثيقة إلى ان المتهم تم تجنيده على يد اثنين من المتطرفين البريطانيين أثناء اجتماع في لندن في عام 2002، وكان اجتماعا شبه مغلق حيث لم يشارك فيه أكثر من ثمانية أشخاص. وكان الهدف من الاجتماع هو إنشاء رابطة من "فرسان الهيكل" تكون مكرسة للتبشير بقيام "ثورة محافظة" في أوروبا. كما تشير الى أنه في عام 2083 ستشهد أوروبا حربا أهلية شاملة سيباد فيها الماركسيون ودعاة التعددية الثقافية وسيتم طرد المسلمين من القارة الأوروبية. وحسب نظريته، فإن الحرب ستجري على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى ستستمر حتى عام 2030، وهي عبارة عن حرب تشنها خلايا عسكرية سرية وتعزيز القوى المحافظة، وفي المرحلة الثانية المستمرة من عام 2030 حتى 2070 ستشهد مقاومة مسلحة تمهيدية لانقلابات أوروبية، وفي المرحلة الثالثة والأخيرة ستتم الإطاحة بجميع القادة الأوروبيين لتسيطر على أوروبا أجندة سياسية محافظة. كما اشتملت على عدد من الإعلاميين في الصحف الكبرى أغلبهم كتاب في صفحات الرأي، باعتبارهم أعداء يجب التخلص منهم. واعتبرت أن هناك 100 حزب سياسي في أوروبا تساند على نحو مباشر أو غير مباشر، ما يسمى «أسلمة أوروبا» بما فيها أحزاب المحافظين والعمال والديمقراطيين الأحرار.
(3)
يرى الكاتب النرويجي اسلاك سيرا ميهري، في مقال في 'الغارديان' أن جريمة بريفيك هي الأكبر في النرويج منذ الحرب العالمية الثانية. ويشير إلى أن الإرهاب في النرويج لم يأت من المتطرفين الإسلاميين ولا من اليسار المتطرف، على الرغم من أن كلتا الجماعتين عادة ما تتهمان بأنهما خطر على 'طريقة حياتنا'. والعنف في النرويج ولعقود طويلة كان تخصصا من تخصصات النازيين الجدد، ففي سبعينيات القرن الماضي مكتبات وتظاهرات عيد العمال العالمي، وفي الثمانينيات من القرن الماضي أعدمت الجماعة اثنين منها لشكها في ولائهما. وفي العقد الماضي تم قتل صبيين من أصول غير نرويجية في هجمات عنصرية. وقال ان العالم الإسلامي أصبح 'الآخر' لدرجة أن النرويجيين باتوا يفكرون أن ما يفرق 'بيننا' و'بينهم' هو أن تقتل بدم بارد. وعندما تم التعرف على القاتل فان العنف نسب إليه وحده 'إرهابي' ولم ينسب للجميع 'إرهابيون' ويتساءل إن كان الوضع مقلوبا وان الفاعل 'مجنون جاء من خلفية إسلامية'. فماذا سيكون رد الفعل. ووصف الكاتب الجو الخانق من الاسلاموفوبيا التي تنتشر في الإعلام وعلى صفحات الانترنت التي تسهم في الجنون الذي قام به اندريس بريفيك، فهو كان عضوا في اكبر الأحزاب السياسية النرويجية وهو الحزب اليميني الشعبي، وترك الحزب واخذ يكون أيديولوجيته المعادية للإسلام. وينوه انه عندما اعتقد البعض أن فاعل التفجير هو إرهاب دولي إسلامي سارع كل من باراك اوباما وديفيد كاميرون للقول انهما سيقفان الى جانب النرويج في كفاحها ضد الإرهاب الإسلامي والآن ما هو الكفاح الذي سيقفان ضده؟ من الضرورة انه ما بعد الجريمة يجب ألا تهز النرويج فقط بل أوروبا بكاملها، يجب أن يكون هذا الحادث فرصة لان نتخلص من اللا تسامح والعنصرية والكراهية التي تتزايد، ليس في النرويج أو اسكندنافيا بل في كل أوروبا.
(4)
من بين الضحايا ذاك الشاب النرويجي الأشقر ذو العيون الزرقاء الذي لم يبلغ العشرين سنة وكان يتوقع له أن يكون سياسيا وقياديا بارزا وهو اظهر موهبة في الحوارات والمناقشات والندوات السياسية. وتلك الفتاة الكردية العراقية الأصل التي تبلغ "18 سنة" والتي فرت في 1996 مع عائلتها من العراق، وهي كانت تحلم أن تصبح محامية ونائبة في البرلمان، وكانت عضوا نشيطا في الشباب العمالي وكتبت عدة مقالات تنتقد بشدة العنصرية والتمييز وعدم التسامح وقبول الآخر سواء كان في الشرق في العراق والخليج والعالم العربي والإسلامي أو في العالم الغربي الليبرالي العلماني المسيحي.
فاصلة أخيرة:
أنعى لكم، يا أصدقائي، اللغة القديمة
والكتب القديمة
أنعى لكم..
كلامنا المثقوب، كالأحذية القديمة..
ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمة
أنعى لكم.. أنعى لكم
نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة
* نزار قباني
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
4743
| 23 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4575
| 21 يونيو 2026
قِيل لي كثيرًا إن: "غالبية الناس لا تفرق بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية". ويقولون إن الضرر عندما ينتج من مضاعفات طبية محتملة الوقوع ومتعارف عليها لا يسأل الطبيب عن خطأ طبي. ويحق لنا أن نتساءل قليلًا هنا، ألا يمكن أن تنشأ مضاعفات طبية بسبب تقصير أو إهمال من الطبيب؟ هل هذا التقسيم يخدم نظام المسؤولية الطبية ويعززها؟ أم أنه سيكون مهربًا وطريقًا يسلكه الأطباء للإفلات من المسؤولية؟ برأيي أنه لا فائدة تُذكر من تقسيم مثل هذا! بل إن هذا التقسيم بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية سيؤدي إلى إفلات المقصرين والمتسببين بالضرر الطبي من المسؤولية الطبية، ويحرم المريض المتضرر من الحصول على تعويض يجبر ضرره بحجة أن الضرر الواقع كان ناجمًا عن مضاعفات طبية، إذ إن الطبيب يسأل عن تقصيره بغض النظر عما إذا كان الضرر ناجمًا عن مضاعفات طبية من عدمه، كما أن الطبيب يسأل حتى لو كان الضرر ناتجًا عن نشوء مضاعفات طبية متعارف عليها في حالة عدم تبصير المريض بها قبل التدخل الطبي. فالعبرة إذن بثبوت التقصير على وجه اليقين وليس بالنظر إلى التقسيم بين المضاعفات والأخطاء الطبية. غير أن الطبيب لا يسأل عند تعرض المريض لمضاعفات طبية متعارف عليها بين الأطباء بشرط بذل العناية الصادقة واللازمة لشفاء المريض. وقد وُفِّقت محكمة التمييز القطرية في حكمها رقم 241/2013 الصادر بتاريخ 7 يناير 2014 عندما قضت بأنه "ولا ينفي الخطأ عن الطبيب المعالج ما تضمنه تقرير الخبير المؤرخ 11/11/2012 المقدم أمام محكمة الاستئناف من أن المضاعفات التي طرأت على العين عقب إجراء العملية هي من قبيل المضاعفات الطبية المتعارف عليها، ذلك أن هذه المضاعفات قد تنجم عن خطأ وقع أثناء إجراء العملية ويمكن للطبيب المعالج تداركها أثناء فترة المتابعة"، وذلك في واقعة تتلخص في أن مريضا أجرى عملية جراحية بعينه اليمنى لإزالة المياه البيضاء وزرع عدسة، وبعد عودته إلى منزله شعر بآلام شديدة بالعين حيث تبين بعد مراجعته للطبيب المعالج وجود نزيف داخلي بالعين نتيجة سقوط أجزاء من العدسة الطبية داخل تجويف العين، وهو ما أدى إلى تدمير خلايا القرنية ويهدده بفقدان البصر بها، وقد قضت محكمة الاستئناف برفض الدعوى باعتبار الضرر من قبيل المضاعفات المتعارف عليها، غير أن محكمة التمييز أرست مبدأً يتمثل في أن المضاعفات قد تنجم عن خطأ، واعتبرت بأن المضاعفات التي وقعت للمريض المتضرر من قبيل المضاعفات الناتجة عن خطأ الطبيب. وخلاصة القول إن العبرة ليست في التقسيم بين المضاعفات الطبية والخطأ الطبي، بل بثبوت تقصير الطبيب على وجه اليقين، ذلك أن المضاعفات قد تنجم من خطأ طبي وقد تنشأ دون تقصير من جانب الطبيب. والله من وراء القصد..
1707
| 21 يونيو 2026