رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
والله لو أحرقنا لهم كلباً لقامت الدنيا ولم تقعد، ولكان القصاص مراً، والله لو أحرقنا لهم كلباً لاهتزت أركان الدنيا الأربعة، وهاجت، وماجت دول ومؤسسات ومنظمات مطالبة بعقابنا عقاباً يتناسب مع وحشيتنا المفرطة، ولأننا لسنا هم، ولا هم نحن لن يجدي التنديد، ولا الشجب، ولا العويل، ولا حتى الحزن، أطفال غزة لا يعنيهم طحناً للهواء اعتادوه منا لا يشفع ولا ينفع، أطفال غزة ينتظرون نخوة المعتصم لتنقذهم وتحميهم، لا لن يجدي استنكار فلقد امتلأت أوراق القمم المجتمعة به دون جدوى، وقال المفوهون خطباً دون جدوى، ثم انتهى كل اجتماع دون جدوى! باختصار أمة المليار عاجزة عن رد البغي، أو رفع الحصار، محكومة بأوامر افعل، ولا تفعل، مشغولة بالكراسي وكيف تحميها، وتثبت براغيها، متخمة بما يخصها، لا وقت لديها لألم على رضيع احترق، ولا حتى وطن سرق، أمة المليار نصفها نائم كمن في القبور، والنصف الثاني مغيب ومقهور!! تطالعني صورة (علي دوابشة) فأتصور النار وهي تحاصره، تقترب منه إيذانا بالتهامه فيجفل قلبي، ويهاجمني إحساس بالخزي لا يكتب ولا يقال!! يا علي.. يا صغيري المسكين، الخزي يجللنا فنحن نعرف أننا قبل اليهود أحرقناك بصمتنا، وهواننا، وخضوعنا، وخذلاننا، وركوعنا، وحصارنا، وذبول مروءتنا!! يا علي.. يا صغيري المسكين لقد سافرت إلى رحمة ربك، وتركتنا لعارنا، ومع الإحساس بالعار لا يجدي أي اعتذار.
• طبقات فوق الهمس
• الحكمة خلاصة الماضي، هناك حكمة تتعلمها من أخطاء الآخرين، وحكمة تأخذها ممن يكبرك بيوم، وحكمة تعلمك إياها المواقف، وحكمة تأخذها من أفواه المجانين، وحكمة تقول لك:
وليس عتاب المرء للمرء نافعاً
إذا لم يكن للمرء عقل يعاتبه
وحكمة المتنبي التي يقول لك فيها:
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة
فلا تستعدن الحسام اليمانيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى
ولا تُتقى حتى تكون ضواريا
• منذ أيام احترق بيته بفعل ماس كهربائي، لم تبق النار على شيء حتى جلباب يلبسه! دهشت عندما لم أر منه جزعا، ولم أسمع منه كلمة سخط، أو تأفف، أو ضيق، لم أسمع كلمة أسف على ما ضاع واحترق، لم أسمع إلا الحمد لله! يبدو أن يقين البسطاء الفقراء بالأقدار أكبر من يقين كثيرين من الواجدين الذين إذا ما ابتلوا ناحوا وسخطوا.
• تأبط بيت المعري، وجاء يقول:
قل الثقات فما أدري بمن أثق
لم يبق في الناس إلا الزور والملق
وقلت مهلا لو كانت الأرض على هذا الجفاف من النبل ما وجدت على ظهرها مبتسماً ثم هون عليك فإن أوجعك اليوم شوك الزور، والملق فغداً تقابل بشراً كالفل، والجوري، والحبق.
• السكوت يعني انقطاع الود، يعني حائط صد لكل المشاعر بين إنسان، وإنسان، يعني ما كان شيء، والذي سيكون شيء آخر، فإذا ما قابلت في شارع الحياة من يعاتبك فاعلم أنه يريد أن يحتفظ بك، نعم العتاب محبة.
• صعب جداً أن يستحوذ الكلام على ساعات يومنا وقد التصقنا بهواتفنا التصاقا غير حميد، في البيت كلام، ونحن نقود سيارتنا نتكلم، في المكاتب نتكلم، في ساحة الانتظار بالمستشفى نتكلم، في الفصول نتكلم، في المولات نتكلم، حتى بين ركعات التراويح نتأخر عن الإمام لنتكلم، يبقى السؤال.. فيم نتكلم؟
• سأظل أقول إياك أن يثنيك زور، أو بهتان، أو أذى، أو تضييق، أو ظلم آلمك عن فعل خير ترتجي به وجه الله، واعلم أن من كان الله حسبه فلا يحزن.
• سوء التغذية له علاج – تاكل كويس، أما سوء التربية فلا علاج له أبداً!
• نعم فلان إنسان طيب، لكن طيبته ليست تصريحاً لك، بالتعدي عليه وقلة الأدب معه.
• في أيامنا هذه ترينا الأحداث، والمواقف أن القوة كثيراً ما تسبق الحق إلى أن تدور على الباغي الدوائر.
• أحرقتك النار لا بأس، لماذا لا تجرب اكتشاف النور؟
• الناس قالت، الناس بتقول هذه عينة من أمراض مجتمعاتنا العربية الجميلة التي نتفرغ لها بامتياز.
• الصغير مضرب عن الطعام، حزين، وحرارته دائما مرتفعة! لماذا؟ الخادمة سافرت!!
• عندما تترك الزوجة كل شؤون البيت ومهامه للخادمة من طبخ، وغسيل، ورعاية أولاد، ومذاكرة لهم، وتسوق معهم، والركض إلى المستشفى بهم، لماذا تغضب عندما تسطو الخادمة على رجل البيت وتتزوجه؟!
• التجهم يقلل الإنتاج، هذا محصلة إحصائية صدرت في بلاد العالم المتقدم، وتقول كلما كان رئيس العمل يتمتع بروح مرحة زاد الإنتاج! في عالمنا العربي الجميل إذا ما مر بعض مديري الإدارات بجانب موظفيهم لا يسلمون، وإذا سلم عليهم موظفوهم لا يردون، هذه ثقافتنا العجيبة لحفظ الهيبة، التجهم ضروري، ولازم!
• يمتلئ عالمنا العربي بوظيفة مستشار، فجأة يرقى فلان المستشار، وهي الترقية الوحيدة التي لا يسعد بها صاحبها لأنه يعلم أنها تعني (الركنة) هذا رغم أني أرى أن وظيفة مستشار تعني درجة رفيعة لإنسان يؤتمن على تقديم المشورة الرشيدة، السديدة، ومع ذلك صار العرف بشرقنا أن المستشار لا يستشار، بل يبعد عن دائرة القرار! طيب عشرات الآلاف من المستشارين لماذا هم في أماكنهم؟ وماذا يفعلون؟ ولماذا يتقاضون مرتبات لا يقدمون بها أي خدمات؟ هل هذا هو الفساد الإداري. إذا كان نعم من شَرَعه؟
• قال ينصح صديقه.. يوم متخاف خاف من ربنا مش من كلام الناس.
• جميل أن يكون لك قلب أنت صاحبه، ولكن الأجمل أن يكون لك صاحب أنت قلبه.
• عندما يعلو صوت كل ما هو نبيل.. ابحثوا.. ستجدون إنساناً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
5214
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1959
| 12 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحضن الذي تتشكّل فيه القيم الأولى للإنسان. داخلها يتعلم الفرد معنى المودة والاحترام وتحمل المسؤولية، ومنها ينطلق إلى محيطه الاجتماعي أكثر توازنًا وقدرة على العطاء. وكلما كانت الأسرة متماسكة، انعكس ذلك استقرارًا على المجتمع، وكلما أصابها التفكك، ظهرت آثاره في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية. إن ظاهرة الطلاق أصبحت من الموضوعات التي تستحق التوقف والتأمل، لا من باب اللوم أو الإدانة، وإنما من منطلق الحرص على الأسرة بوصفها كيانًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية. فالطلاق تشريع أباحه الله عند تعذر الاستمرار، لكنه يظل خطوة لها آثار عميقة تتجاوز الزوجين لتصل إلى الأبناء، ثم تمتد إلى المجتمع بأكمله. لم يعد الطلاق في بعض الحالات حدثًا نادرًا كما كان في السابق، بل أصبح حاضرًا في حياة كثير من الأسر، أحيانًا لأسباب كان يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم. ومع تسارع إيقاع الحياة وتزايد الضغوط المعيشية والنفسية، باتت الخلافات الزوجية تظهر بشكل أسرع، وأصبحت قرارات مصيرية تُتخذ في لحظات توتر، دون منح العلاقة الزوجية ما تستحقه من صبر ومراجعة وتقدير للعواقب. بين الأمس واليوم في الماضي، كان الخلاف الأسري يُنظر إليه على أنه جزء طبيعي من الحياة الزوجية، يُعالج بالحكمة والتدرج. وكان للأسرة الممتدة دور مهم في احتواء الخلاف، من خلال النصح والتقريب وتهدئة النفوس، بعيدًا عن التصعيد. كما كان اللجوء إلى القضاء يُعد خطوة أخيرة بعد استنفاد وسائل الإصلاح، وكان الهدف الأول هو الحفاظ على الأسرة واستقرارها قدر الإمكان. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد الاجتماعي في جوانب متعددة. تراجع دور الحوار داخل بعض البيوت، وضعف حضور النصيحة الهادئة، وأصبحت الخلافات في بعض الأحيان تنتقل سريعًا إلى المسار القانوني. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية، إلا أن ثقافة التروي والصبر لم تعد حاضرة بالقدر الكافي في بعض الحالات. ومن المهم التأكيد أن الحديث لا ينصرف إلى الحالات التي يكون فيها الطلاق ضرورة إنسانية أو شرعية بسبب استحالة العشرة أو وجود أذى حقيقي، فلكل حالة ظروفها الخاصة، وإنما المقصود هو تلك الخلافات التي كان يمكن تجاوزها لو أُحسن التعامل معها في بدايتها. الأبناء… الأثر الأعمق يظل الأبناء هم الطرف الأكثر تأثرًا بانفصال الوالدين، فهم لا يشاركون في اتخاذ القرار، لكنهم يتحملون نتائجه. وقد يترك الطلاق في نفوسهم آثارًا نفسية وسلوكية تمتد لسنوات، وتنعكس على تحصيلهم الدراسي، واستقرارهم العاطفي، ونظرتهم إلى مفهوم الأسرة في المستقبل. لذلك، فإن مراعاة مصلحة الأبناء يجب أن تكون حاضرة عند معالجة أي خلاف أسري. دور الدولة والمؤسسات وانطلاقًا من إدراك خطورة التفكك الأسري، عملت الدولة على تعزيز الأطر القانونية والاجتماعية التي تُعنى بشؤون الأسرة، فأنشأت محكمة الأسرة لتكون جهة متخصصة تجمع بين الفصل القانوني والدعم الاجتماعي والنفسي. ويعكس ذلك وعيًا بأهمية الحفاظ على كيان الأسرة، والسعي إلى معالجة الخلافات بروح إنسانية متوازنة. ما نحتاجه اليوم نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتعزيز مفهوم الزواج بوصفه ميثاقًا قائمًا على المودة والرحمة، لا مجرد التزام قانوني. كما نحتاج إلى نشر الوعي بأهمية اللجوء إلى الإصلاح قبل اتخاذ القرارات المصيرية، ودعم المبادرات التي تُعزز الاستقرار الأسري. فالطلاق، رغم مشروعيته، يظل تجربة مؤلمة تترك أثرًا عميقًا في جسد الأسرة. وقد يكون أحيانًا الحل الأخير، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الخيار الأول. إن حماية الأسرة مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الزوجين، وتمتد إلى المجتمع ومؤسساته، حفاظًا على جيل أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر تماسكًا.
915
| 12 فبراير 2026