رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في خضم السخط السعودي الشعبي والرسمي، الذي سربل كل البلاد، بسبب قانون "جاستا" الأمريكي، والخوف والقلق من الابتزاز القادم من الكاوبوي المضطرب عبر محاكمه، وضياع أرصدتنا واستثماراتنا في البنوك الأمريكية؛ كانت زيارة سمو ولي العهد السعودي محمد بن نايف لأنقرة مصدر راحة واطمئنان من جهات عدة.
الزيارة أتت قبل أيام من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإيران، وولي العهد السعودي الذي يحظي بشعبية كبيرة في السعودية بسبب تحجيمه الإرهاب، وملكاته الكبيرة وكارزميته، يخطو خطوات جادة في رسم ملامح السياسة السعودية، فهذه الزيارة المهمة لتركيا أتت بعد تمثيله الكبير للسعودية في الأمم المتحدة، وكنت أحد الذين كتبوا هنا وقد رصدت تحركات تركيا بعد الانقلاب الغاشم على الشرعية فيها، وتخوفت من أن ترتمي في أحضان الدب الروسي أو الملالي في طهران، ودعوت دول الخليج لقطع ذلك بتقوية الصلات مع أنقرة.
في خضم تلك الزيارة التي اكتسبت تغطية إعلامية واسعة، فجر ساحة تويتر الكاتب الإماراتي عبدالخالق عبدالله، حيث قلل من أهمية اللقاءات السعودية التركية التي جرت مؤخرا، قائلا إن لتركيا مصالح مع إيران، ولا يجمعها أي تفاهم مع السعودية رغم تعدد لقاءاتهما. وأكمل في تغريدة له: "تعدد القمم واللقاءات السعودية التركية لا يعني وجود تفاهم سعودي تركي إستراتيجي عميق. فقلب وعقل ومصالح تركيا مع إيران".
رغم تعاطفي الكبير مع كل الذين ردوا على عبدالخالق وهم يرون أن العلاقات التركية السعودية في أحسن حالاتها، إلا أنني أختلف معهم بسبب أن العلاقات لم تصل للمرحلة التي تتطلبها الأوضاع التي تحيط بالبلدين، وهذه الزيارات المتكررة بين قادة الدولتين هي للوصول لما نريده من تكامل وعلاقة أعمق بكثير مما هو حاصل اليوم، فكلا البلدين بحاجة لبعضهما، وهو ما عبر عنه ولي العهد السعودي - رجل السياسة القادم بقوة - بتصريحه في لقائه مع يلدريم: "الاستهداف واضح ولا يختلف عليه اثنان، ولا نستطيع أن نقول لهم لا تستهدفونا، لكن المهم أن نحصن أنفسنا قدر الإمكان". وقال: "تركيا بلد شقيق لنا، ويهمنا دائمًا أن يكون التنسيق بيننا قويًا والعمل مشتركًا، لأننا بالفعل بحاجة إلى بعضنا البعض".
إيمان قادة البلدين بحاجة بعضهما إلى الآخر، ترجم عبر هذه اللقاءات المتتالية في خلال 11 شهرا "3 قمم مع العاهل السعودي (نوفمبر وديسمبر 2015 وأبريل 2016)، وقمتين مع ولي العهد السعودي، وقمة مع ولي ولي العهد السعودي (خلال شهر سبتمبر)".
ولكن في المقابل، هل ما قاله الكاتب الإماراتي عبدالخالق عبدالله صحيحا بألا تفاهم يجمع بين السعودية وتركيا؟!، الحقيقة أن الصواب جانبه تماما فيما كتب، ولعل الباحث التركي في الشؤون العربية الصديق محمد زاهد جول ترجم ذلك في لقاء له قبل عام وقتما وضع النقاط على الحروف، حيث قال: "قناعتي الشخصية أن العلاقة ليست على هذا القدر من السوء كما يشاع، فالعلاقات التركية السعودية في أفضل حالاتها، على مستوى المؤسسات (أمنيا واقتصاديا وعسكريا) وعلى مستوى تدفق الاستثمارات، والسياحة السعودية ظلت الأعلى عربيا في مجال السياحة والاستثمارات وبالأرقام. وسأكشف سرا اليوم، وهو أن التعاون التركي السعودي العسكري قفز قفزات نوعية خلال السنتين الأخيرتين، فهناك مصنع تركي عسكري موجود بالقرب من الرياض، كما أن التعاون الأمني والاستخباراتي لم يتوقف بين البلدين".
ويشير جول إلى السبب الحقيقي الذي لم يوصل البلدين إلى المستوى المأمول، واللقاء أجري معه قبل عام تقريبا: "هناك توتر نعم، وسببه موقف تركيا من دول الربيع العربي، وبالتحديد منذ قال أردوغان للمخلوع المصري مبارك: "ارحل". ويكمل: "هناك تطرف إعلامي هنا وهناك، ولكن لا يمكن أن نقول إن الإعلام بمعزل عن الرؤى السياسية. الخلاف حاد جدًّا إعلاميا في السنوات الثلاث أو الاثنتين الأخيرتين، فعندما ننظر لوسائل الإعلام السعودية أو المقربة من السعودية بشكل عام، وتناولها للمسألة التركية الداخلية والخارجية سنجدها كأنها تمارس أعمال المعارضة التركية، وتوجه سهام النقد لشخص رجب طيب أردوغان بشكل مباشر. الأمر نفسه وبأقل حدة بكثير تتم ممارسته في بعض وسائل الإعلام التركية تجاه السعودية والإمارات، وإن كان الحضور العربي في الإعلام التركي أقل بكثير من حضور تركيا في الإعلام العربي".
سألت الزميل الكبير جمال خاشقجي عبر اتصال هاتفي، وهو الذي خصه أردوغان بمقابلة خاصة في ضربة إعلامية مميزة لقناة "روتانا"، حيال هذه الحفاوة بالأمير محمد بن نايف: "سألت أردوغان في مقابلتي عن تصريح الأمير محمد بن نايف حيال استهداف البلدين، فاسترسل أردوغان والمرارة مرتسمة عليه، وعدّد كثيرا من الظلم الذي يقع على الأمة، وشاطر الأمير شعوره بالاستهداف، وأكد أن تركيا بحاجة للسعودية، محمد بن نايف استحق التكريم من تركيا بأرفع وسام، والتكريم بالطبع كان للسعودية"
يكمل خاشقجي حديثه لي عندما سألته عمن يقول بألا تفاهم بين السعودية وتركيا بما كتبه عبدالخالق، وهل تلمّس ذلك من لقائه مع أردوغان، رد عليّ: "أستغرب جدا من أخينا عبدالخالق عبدالله وهو رجل العلوم السياسية لما غرد به، ولا أدري عن حرصه على التثبيط الذي يمارسه من التحالف بين البلدين، رغم أنني سمعت هنا عن دفء في العلاقات التركية الإماراتية، وأن الشيخ عبدالله بن زايد سيقوم بزيارة قريبة لأنقرة، وهذا الذي نتوسمه جميعا، لإشاعة الروح الإيجابية، مسألة علاقة تركيا بإيران أمثله لك بالتالي: إن احتملت السعودية إيران في اليمن، فيمكن حينها أن تحتمل تركيا إيران في سوريا. الأتراك يرفضون تماما وجود إيران في محيطها".
اختتمت المهاتفة مع الزميل خاشقجي بسؤاله عن انطباعه الشخصي من حواره المدوّي مع أردوغان، قال: "الرجل متعب جدا أمام الهمّ كبير والتحديات الهائلة التي تواجهه، ورؤيتي تقول بألا حلّ إلا باتفاق وتكامل تركيا والسعودية لحل مشاكل المنطقة، ولو كنت مفتيا لقلت بعينية ووجوب التعاون بين البلدين وأن خلافهما إثم كبير، وهذا لخير البلدين والأمة ولكل الذين ضدهما من دول الخليج".
ابتسمت طويلا من الفتوى، وودعت الزميل بعد تهنئته بالخبطة الإعلامية لمجموعة "روتانا"، ورددت: نجم السياسة السعودية القادم وأمير الحرب على الإرهاب سيقطع الطريق على إيران باحتواء تركيا، والأتراك يعرفون جيدا أهمية تكاملنا معهم ونفعه للمنطقة على المدى القريب والبعيد، وهو ما نؤمله في تعزيز وتوسعة التعاون ليشمل دول الإمارات والكويت، فقطر على علاقة أكمل مع تركيا.
التكامل اليوم بين السعودية وتركيا فرض عين، والخلاف إثم كبير.. يا لها من فتوى!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4911
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2628
| 08 سبتمبر 2026