رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذلك كان عنوان ندوة نظمها البرلمان العربي واستمرت ثلاثة أيام بالقاهرة بمشاركة لفيف من السياسيين والخبراء والمفكرين من أقطار عربية شتى. ولاشك أن توقيتها كان من الأهمية بمكان في ظل حالة اضطراب غير مسبوقة يتعرض لها النظام الإقليمي العربي، منذ تبلوره بشكل واضح في أربعينيات القرن الفائت وأظن أن هذا الأمن بات مستباحا في المرحلة الراهنة على نحو ينطوي على مخاطر تهدد الدولة الوطنية العربية. فضلا عن تهديد الوجود العربي ذاته مع تمدد حالة السيولة السياسية التي تشهدها المنطقة، والتي من ملامحها ذلك الفيضان الإرهابي – إن جاز لي الوصف - وصعود الجماعات المتطرفة من كل اتجاه، وهو ما يقود إلى تلاشي الدولة، إن لم يكن انهيارها بالكامل في بعض الحالات. بيد أن أخطر هذه الملامح في تقديري ما زال يتمثل في الكيان الصهيوني الذتي تتصاعد نزعته العدوانية باتجاه محو الهوية الوطنية الفلسطينية، متمثلا ذلك بصورة سافرة في تعاطيه مع قدس أقداس فلسطين المسجد الأقصى، والذي تعرض خلال الأيام الأخيرة لأشد الانتهاكات والاختراقات بلغت ذروتها بإغلاقه بالكامل أمام المصلين نهار الخميس الماضي ومنع الصلاة فيه إلا لمن تعدى الستين، فضلا عن منع الأذان من مآذنه التي ما زالت شامخة، خاصة عبر استخدام مكبرات الصوت، وهو تطور يحدث للمرة الأولى منذ احتلاله في يونيو من العام 1967، ناهيك عن العدوان المفرط في قوته وقسوته على غزة خلال شهر يوليو الماضي والذي استمر زهاء الخمسين يوما ولم تتوقف تداعياته السلبية بعد.
غير أن ما لفت انتباهي في توصيات هذه الندوة المهمة، غياب البعد الصهيوني عنها في حين تركز جلها على التطورات الأخيرة في المنطقة والمتعلقة بالإرهاب وصعود الجماعات المتطرفة، وهو ما كان واضحا في الدعوة إلى ضرورة تفعيل تنفيذ القرارات العربية الصادرة عن القمم العربية حول الأمن القومي العربي ومستجداته الطارئة والتوصل لتوصيات ومقترحات عملية وقابلة للتنفيذ بشأنها، والإشارة إلى أن الأمن القومي العربي ومخاطره، وتحدياته تحتاج إلى رؤية عربية جديدة والتعامل معها بآليات ورؤى تراعي ما تم التوافق عليه في آليات واتفاقيات عربية، فلم يذكر الكيان الصهيوني بحسبانه المصدر الرئيسي للخطر والإرهاب في المنطقة العربية، بل يمكن القول باطمئنان إن وجوده غير الشرعي في المنطقة يمثل المقدمة، التي أفرزت كل هذه النتائج التي تتجلى بتداعياتها السلبية في الأركان المختلفة، فمع غياب الحل العادل للقضية الفلسطينية على نحو يعيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، الذي يكابد الاحتلال الأشد سوءا وبشاعة في التاريخ المعاصر تهيأت البيئة لبروز التطرف ثم انقلب الأمر إلى إرهاب، غير أن اللافت أن الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي تمدد في المنطقة العربية حاليا رأسيا وأفقيا، لا تعير الكيان أي اهتمام ولا تخوض ضده أي معارك وتبدو حريصة على تجنب الاشتباك معه أو إيذائه رغم اقترابها من حدوده في غير موقع. وقد فسر ذلك الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية رئيس الوحدة الإسرائيلية الإستراتيجية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط بقوله: "إن إسرائيل "الكيان" أعدت إستراتيجية مواجهة مع هذا التنظيم وداعش لن يقترب من إسرائيل في هذا التوقيت، والخلايا التي يتم كشفها في الأراضي المحتلة.. إسرائيل تتعامل معها فورا، أشعر أن هناك اتفاقا بين الطرفين بعدم الصدام، لن ندخل ولن نقترب منكم وانتم لا تتعرضون لنا".
ومع ذلك فإن الندوة قدمت منظورا شاملا للتعامل مع الأمن القومي من خلال الدعوة إلى ضرورة مراجعة وتحديث ما تم التوصل إليه من آليات واتفاقات ورؤى لحماية الأمن القومي العربي في ضوء المستجدات الطارئة عليه، وفي مقدمتها مواجهة الإرهاب، والعمل على تطبيق وتفعيل الاتفاقات العربية بشأنها، فضلا عن المطالبة بمراجعة العلاقات العربية العربية، والارتقاء بها وبما يخدم العلاقات البينية بما يعزز الاندماج العربي وصولا إلى تحقيق الوحدة العربية كقوة في مواجهة العالم الخارجي مع تكثيف تعاون الدول العربية لمواجهة وحل مشاكلها الداخلية والتي نتجت عن تدخلات خارجية.
كما شددت على أهمية توسيع الاهتمام بالتنمية المستدامة الشاملة في الدول العربية، لاسيَّما التنمية البشرية وتطوير المنظومة التعليمية، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على البيئة في سياق التأكيد على المنظور الشامل لتحقيق الأمن القومي العربي بمحاوره المتعددة والتي تبناها البرلمان العربي. والعمل في هذا السياق على تفعيل مشروعات التكامل الاقتصادي العربي كطرف آخر لتحقيق التكامل العربي الشامل، وتحقيق الأمن القومي العربي إلى جانب إدراك المخاطر التي تواجه الأمن الغذائي والمائي العربي وسبل مواجهتها، وضرورة إيلاء الأهمية القصوى للتناول الإعلامي السليم لكافة الموضوعات التي تمس مقدرات الأمة العربية دون مؤثرات أو ضغوط خارجية.
وتعكس هذه المضامين التي طرحتها الندوة شعورا بأهمية الحلول غير الأمنية للمهددات التي تواجه الأمن القومي العربي، خاصة في الشق المتصل بالإرهاب والتطرف. فهذه الحلول بطبيعتها آنية وقد ينتج عنها- إذا ما انطوت على مبالغة - المزيد من إفراز مسببات التطرف والإرهاب وبالتالي فإن الجهات النافذة والنخب السياسية مطالبة بالإسراع في وضع إستراتيجيات المواجهة على الصعيد الاقتصادي والفكري والثقافي والإعلامي والاجتماعي وثمة دراسات ضخمة وضعتها المؤسسات البحثية وهي في حاجة فقط إلى نفض الغبار المتراكم عليها لوضعها موضع التطبيق.
ومن داخل نقاشات الندوة خرجت التحذيرات قوية من مخاطر تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات جديدة، وفق طروحات تروج للفيدرالية والكونفيدرالية، وتحت دواعٍ طائفية ومذهبية ومنح حقوق الأقليات وهو ما نلمسه ونراه بأعيننا وأيدينا في ضوء ما يجري في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا والتي يتداخل فيها البعد المذهبي بالطائفي بالجهوي، فضلا عن البعد المتعلق بالتطرف المتصاعد بقوة في المنطقة نتيجة سنوات الاستبداد والإقصاء والتهميش لجماعات مهمة ضمن الشعوب العربية. وهو ما بدا واضحا فيما عبر عنه عمرو موسى الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، من وجود مخطط لسايكس بيكو جديدة تستهدف تقسيم المنطقة إلى دويلات وبناء نظام إقليمي جديد يخدم مصالح خارجية وهو ما يستوجب -وفق رؤيته - البحث المعمق في ذلك.
على نحو يجعل الدول العربية تساهم بفعالية في بلورة مسار المنطقة المستقبلي وقال: "لو تركنا الآخرين يرسمون حدود النظام الإقليمي العربي، فإن ذلك سيكون جريمة كبرى في ظل القرن الواحد والعشرين الزاخر بالوسائل والتكنولوجيات الحديثة، فضلا عن امتلاكنا الكوادر القادرة على المساهمة بذلك".
مؤكداً في الوقت ذاته أن ما شهدته الدول العربية يكشف رفض الشعوب العربية للعيش في العصور الظلامية وأنها عازمة على العيش في الدولة المدنية الديمقراطية.
كما جسدت الرؤية التي أوضحها أحمد بن محمد الجروان رئيس البرلمان العربي نفس الشعور بالخطر، من محاولات التقسيم والتفتيت من المشرق إلى المغرب العربي والتي تجب مواجهتها - كما يقول - من خلال تعزيز القدرات الدفاعية والاقتصادية، ومواكبة المفاهيم الفكرية والثقافية والمجتمعية المعتدلة، التي تتناسب مع المجتمعات العربية والتي تعزز من وضع المواطن العربي وقدرته على مواجهة تلك المتغيرات.
إن الأمن القومي العربي لم يعد مسألة تتعلق بحماية الحدود الخارجية للأمة، لكنه يتقاطع مع محددات وأبعاد متعددة ولا يتحمل مسؤولية حمايته المؤسسات العسكرية والأمنية فحسب، وإنما تتشارك فيها كل شرائح المجتمعات العربية والأمر مرهون بإطلاق العنان لمنظومة الدولة الوطنية القائمة على المواطنة والمساواة والعدالة وفق معادلة الحكم الرشيد الذي ينهض على الديمقراطية وتداول السلطة والعدالة الاجتماعية والانحياز للشعب وليس للأقلية، سواء النخب السياسية أو رجال أعمال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3657
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1665
| 24 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1185
| 24 مارس 2026