رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعض التوزيعات أحدثت جلجة كبيرة في أوساط المتعاملين لتمثل مفاجآت البورصة
من المقرر أن تعلن ثلاث شركات مساهمة عن نتائجها هذا اليوم الأحد الرابع من مارس وهي على التوالي اتصالات قطر، وبروة، والطبية، وبهذه الإفصاحات الثلاثة تكون خمس وثلاثون شركة قد أعلنت عن نتائجها بل وانعقدت الجمعيات العمومية لثلاث عشرة شركة منها. ويتبقى بعد ذلك الإفصاح عن نتائج 7 شركات هي على الترتيب الميرة والملاحة وأزدان وقد حددت مواعيدها في أيام متفرقة من شهر مارس، وأعمال وناقلات والطبية وزاد، وهي لم تحدد بعد مواعيد إفصاحاتها. ومن بين الإفصاحات التي صدرت في شهر فبراير الماضي جاء أغلبها وفق المتوقع أو أقل، خاصة لجهة التوزيعات، في حين أطلق القليل منها مفاجآت من العيار الثقيل فتحركت أسعارها على نحو مفاجئ وأحدثت جلجة كبيرة في أوساط المتعاملين، ورسمت بالتالي علامات استفهام كبيرة حول مدى الاستفادة الحقيقية منها وتوقيتها. بما يمكن أن نطلق بحق عليه مفاجآت البورصة لعام 2012.
وأول هذه المفاجآت كان في المتحدة للتنمية التي أعلنت عن توزيع أسهم مجانية بنسبة %40، مع اقتران ذلك بالإعلان عن دخول شريك إستراتيجي ثم انسحابه، ثم عودته، وزيادة رأس المال بنسبة %50 بالاكتتاب، ثم التخلي عن الزيادة، ثم إقرار الزيادة (أي %50 تعادل 112 مليون سهم) بسعر خاص للهيئة العامة للتقاعد والمعاشات بلغ 14.28 ريال للسهم. هذه القرارات المفاجئة على مدى شهرين أربكت المتعاملين ما بين إقبال على شراء أسهم الشركة ثم إدبار عنها، يعقبه إقبال فإدبار، وتأرجح سعر السهم صعوداً إلى 29 ريالا، تلاه انخفاض شديد إلى 23 ريالا، ثم ارتفاع إلى 25 ريالا، فانخفاض إلى 18 ريالا بعد توزيع الأسهم المجانية. وما زال السعر تحت الضغط المتولد عن الزيادة الخاصة لرأس المال بنسبة %50 وبسعر 14.28 ريال للهيئة العامة للتقاعد. فعندما يتم إصدار هذه الأسهم وتدرج في البورصة فإن السعر ينخفض إلى أقل من 17 ريالاً للسهم. وقد تحسر بعض المساهمين على الفرصة التي طارت من أيديهم حيث كانوا يرون أنهم أحق بالاكتتاب في تلك الزيادة، وبذلك السعر المنخفض من هيئة التقاعد. وفي تقديري الشخصي أن الشركة قد فضلت خيار هيئة التقاعد لكونه أفضل لها من ناحيتين: الأولى ضمان الحصول على كامل المبلغ وبشكل عاجل دون الحاجة للتأخير عدة شهور أخرى، والثاني أن المساهمين الكبار في الشركة لم يكونوا على ما يبدو راغبين في خيار الزيادة بالاكتتاب لأنه يكلفهم سداد عشرات أو مئات الملايين من الريالات للشركة. على أن المستفيد الحقيقي من أسهم المتحدة هو الذي اشترى سعر السهم دون العشرين ريالاً للسهم قبل الصيف الماضي، ثم باع عند أعلى سعر قبل الجمعية العمومية أي أقل من 29 ريالاً للسهم.
والمفاجأة الثانية ومثلها الثالثة جاءت من وقود وقبلها صناعات حيث أغدق مجلسا الإدارة في الشركتين في توزيع أرباح نقدية على المساهمين بواقع عشرة ريالات في الأولى و7.5 ريال في الثانية، فضلاً عن أسهم مجانية بواقع %25 لمساهمي وقود. والمفاجأة في الحالتين نتجت عن توقعات بأن تكون التوزيعات أقل من ذلك على ضوء ما أوحت به توزيعات الوطني والبنوك في بداية موسم التوزيعات، فوضع المتعاملون سقفاً لتوقعاتهم يقل عما سبق لهاتين الشركتين. وربما كان للتغيير الذي طرأ على تشكيل مجلس إدارة صناعات دور في إحداث المفاجأتين. وينتظر المتعاملون انعقاد الجمعيات العمومية العادية للشركتين يومي 13 مارس لوقود، و19 مارس لصناعات لكي يتم اعتماد النتائج وبعدها سينخفض سعر سهم وقود إلى ما بين 230 إلى 240 ريالا حسب سعر السهم ليلة الانعقاد. وأما سعر سهم صناعات فينخفض بعدها عن مستواه المرتفع حالياً-نسبة للتوزيع المنتظر- وقد يعود في وقت لاحق إلى 225 ريالاً. وبالتالي فإن أفضل المستفيدين من توزيعات وقود وهو من اشترى السهم بُعيد توزيعات العام الماضي عندما انخفض السعر إلى أقل من 215 ريالا للسهم، ثم يبيع الآن عند مستوى يزيد على 295 ريالاً للسهم بزيادة 80 ريالاً صافية تعادل ما سيتم توزيعه من أرباح نقداً، أي عشرة ريالات، إضافة إلى 60 ريالاً تعادل منحة الأسهم المجانية بنسبة %25، مع التسليم بأن الاحتفاظ بسهم وقود أفضل لما يدره من عائد مرتفع سنوياً.
والمفاجأة الرابعة كانت في توزيع الأهلي لما نسبته %60 في صورة أسهم منحة مجانية، وقد رفعت هذه التوزيعات سعر السهم إلى 100 ريال للسهم، ليعود بعد انعقاد الجمعية إلى 63 ريالاً للسهم. والمستفيد الأكبر هو من اشترى السهم قبل عام تقريباً بسعر 60 ريالاً للسهم أو أقل، وحصل على الجائزة التي هي زيادة في عدد أسهمه بنسبة %60، أو من باع قبل التوزيع بسعر يقترب من مائة ريال بربح يصل إلى 40 ريالاً للسهم وبمعدل عائد 67%. أما الذي اشترى السهم بسعر مرتفع يزيد على 80 ريالاً فمكسبه محدود.
والمفاجأة الخامسة: كانت من المواشي التي كان سهمها حتى عام مضى يباع حول 15 ريالاً للسهم، وقد عرضت الحكومة استملاك أسهم الشركة بمثل هذا السعر، ولكن مجلس إدارة الشركة رفض ذلك، وكان أن حدثت ثورة في أداء الشركة في عام 2011، بما أدى إلى زيادة أرباحها بنسب عالية وفرت قاعدة لتوزيعات مرتفعة بلغت ثلاثة ريالات لكل سهم، وهو ما جعل السعر يرتفع قبل التوزيع إلى 40 ريالاً للسهم. ولم تحدد الشركة بعد موعد انعقاد الجمعية العمومية، بما قد يبقي سعر السهم مرتفعاً إلى وقت لاحق. والمستفيد الأكبر في هذه الحال هو من اشترى سعر السهم بأقل من عشرين ريالاً وضاعف أمواله في أقل من سنة.
«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب... اقرأ المزيد
198
| 04 يونيو 2026
مهندسون صنعوا الجمال بصمت.. فأين حقهم الأدبي؟
عندما نقف أمام لوحة فنية تجذب انتباهنا في معرضٍ أو صالة عرض أو بهو فندق، نتأملها بعناية لما... اقرأ المزيد
123
| 04 يونيو 2026
حكاية سوء
حكاية السوء كل من في هذه الحكاية حملة سوء وبغض وحقد واستعلاء وكبر وعلانية في العداوة، حملوا راية... اقرأ المزيد
123
| 04 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5202
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2733
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2352
| 02 يونيو 2026