رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد موفق زيدان

@ahmadmuaffaq

مساحة إعلانية

مقالات

1179

د. أحمد موفق زيدان

كيف غيّر فتح دمشق المشرق العربي؟

04 مارس 2025 , 02:00ص

أحدث فتح دمشق، وتطهير سوريا من عصابات أسدية، حكمت سوريا لأزيد من نصف قرن، فدمرت نسيجها المجتمعي، ودمرت معه علاقاتها مع محيطها العربي، فضلاً عن دورها السلبي المشين في إلحاق الأذى بمعظم الدول العربية، وحتى الدول الأوروبية. انعكس ذلك بتعبير الدول العربية عن فرحها برحيل العهد البائد، وعودة سوريا إلى أهلها، الذين ضحوا على مدار نصف قرن بالكثير من أرواحهم وممتلكاتهم، فكان أن قدمت خلال 13 عاماً مليون شهيد و15 مليون مشرد، وتدمير أكثر من نصف مدنها وقراها، من أجل نيل حريتها واستقلالها.

لقد أحدث فتح دمشق زلزالاً ليس على المستوى السوري، وإنما على المستوى العربي والتركي، وحتى الأوروبي، فبعملية حسابية بسيطة يظهر لنا أن أكثر من نصف مشاكل الأردن قد تم حله، بإسقاط حكم العصابة، فبدأت الشاحنات الأردنية على الفور والتي كانت متوقفة في العهد الأخير من الحكم البائد بالتدفق على سوريا، ويقدر أن يصل العدد خلال فترة قصيرة إلى 6 آلاف شاحنة يومياً، مما سينعكس إيجابياً على الاقتصاد الأردني، كما سيختفي انتشار اكثر من 60 ألفا من قوات الأمن الأردنية، والتي كانت مكلفة بحماية الحدود من عصابات الإرهاب وتهريب الكبتاغون عبر الحدود السورية - الأردنية، فضلاً عن العمق الأردني الذي حصل برحيل نظام كان محل توتر، وقد ترجم هذا كله بزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الأردن واستقبال الملك الأردني عبد الله شخصياً له في مطار ماركا، وسط إجراءات استقبال استثنائية مما أكد على دعم الأردن للعهد الجديد.

ولعل التشابكات والتطورات المتلاحقة في المنطقة وعلى رأسها سياسات اليمين المتطرف الإسرائيلي المدمرة للمنطقة، والمستهدفة للأردن من جديد، يحتم على الأخير تزنير نفسه بقوى إقليمية وازنة مثل سوريا وتركيا لمواجهة تلك التحديات المتصاعدة، في المقابل هناك الدور الأردني الوازن الذي يحتاجه العهد السوري الجديد في التأثير على السويداء ودرعا بدعمه ومناصرته، لمنع حصول أي قلاقل قد تنال من الوحدة الوطنية السورية، وهو استراتيجية تسعى الدولة العبرية اليوم للنيل من سوريا، وظهر ذلك بوضوح من خلال تهديدات رئيس الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في حماية دروز جرمانا، لكن العقلاء في الأخيرة وعقلاء الدولة السورية، ومعهم موقف وليد جنبلاط كانوا جميعاً بالمرصاد لكل المتربصين، فأحبطوا هذا المخطط عبر اتفاق تم من خلاله نزع فتيل الحقد الدفين المستهدف للعهد السوري الجديد.

في تركيا رأينا غياب الجدل الذي احتدم في الداخل التركي فيما يتعلق بوجود اللاجئين السوريين، بعد رحيل النظام السوري البائد، وبدأت قوافل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، مما سينعكس إيجاباً على الداخل التركي، الذي ظل محتقناً خلال الفترة الماضية، وهو ما لعب دوراً في مزاج الناخب التركي، وتزامن هذا مع الخطر الذي كان يهدد تركيا عبر تهريب سموم الكبتاغون مستهدفاً الشباب التركي، فيجعل من البلاد معبر ترانزيت إلى أوروبا، فضلاً عن الضعف الذي انتاب مليشيات سوريا الديمقراطية ( قسد) والتي غدت محاصرة من قبل دول كانت بالأمس مؤيدة لها مثل أوروبا التي رأت أن من مصلحتها اليوم إجراء حسابات واصطفافات جديدة، مع التغير الكبير في السياسة الأمريكية بوصول دونالد ترمب إلى السلطة وعلاقاته مع بوتين، وتخليه التدريجي عن الحرب في أوكرانيا، مما يجعل أوروبا منكشفة تماماً أمام روسيا، مثل هذا الواقع دفع أوروبا إلى تحصين جبهتها الشرقية على المتوسط، وهي المهددة بتدفق اللاجئين والعصابات الإجرامية، فضلاً عن خطر الكبتاغون، ولذا فإن تثبيت السلم والاستقرار في المنطقة يهم أوروبا بشكل كبير، ويهمها طرد الروس من سوريا، ومثل هذا لا يتأتى إلاّ بوجود نظام طبيعي منسجم مع الهوية المجتمعية السورية، ومنسجم أيضاً مع محيطه العربي والتركي، ومثل هذا النظام بالتأكيد لن يكون نظام الأسد البائد.

على صعيد الخليج العربي الذي دفع أثماناً باهظة نتيجة الوجود الإيراني في سوريا، ففرض عليه الالتفات إلى الغرب من أجل مواجهة هذا الوجود، استفاق يوم الثامن من ديسمبر على غياب هذا الخطر الذي كلّفه الكثير، وقد تزايد الخطر بعد عمْد النظام البائد إلى استهداف الخليج بتهريب الكبتاغون، والنشاطات الإرهابية، فضلاً عن الابتزازات التي برع فيها النظام السوري طوال نصف قرن من حكمه.

صحيح أن الأنظمة والمتحكمين في القرار العراقي واللبناني قد خسروا من رحيل حليف لهم، ولكنه حليف أضرّ ببلدانهما استراتيجياً أكثر من أي طرف آخر، ويبقى شعبا العراق ولبنان هما المستفيدان الأول والأخير من وراء هذا التغيير، فالوضع الطبيعي أن يرحل الاستبداد والطغيان، ويرحل من دمر بلده ومعها دمر المنطقة وكبّلها، وأفقدها مواطن قوتها، والوضع الطبيعي أن يلتفت العقلاء في المنطقة إلى مصالح الشعوب على المدى البعيد، وليس لمصالح فئوية وحزبية وشخصية.

المشرق العربي لم يعد هو ذاته، ونحن اليوم أمام مشرق عربي جديد وطبيعي، لا ابتزاز فيه، ولا اختراقات أجنبية عبر سوريا، ولا كبتاغون أو مليشيات إرهابية مدعومة من قبل الدولة السورية، ولذا فإن تمتين الجبهة السورية مسؤولية عربية أولاً وأخيراً وأوروبية وعالمية، بالحفاظ على الهوية السورية، لأنه بالحفاظ على هذه الهوية، حفاظ على أمن وسلامة الدول العربية والمجاورة، فقد ثبت أن مرض سوريا، مرض الجميع، وصحتها صحة للجميع.

مساحة إعلانية