رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن بعض الخبراء والكتاب والصحفيين الأجانب الذين تناولوا موضوع بقاء نظام الأسد، أو نجاح الأسد في البقاء على رأس السلطة حتى الآن لم يسبروا غور الأحداث التي عصفت بسوريا منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة وذلك إما لأن بحثهم في مجريات المشهد إنما يعتمد حصراً على المدارسة لا على الممارسة ولذلك تكون تحليلاتهم أقرب إلى السطحية دون تعمق، أو لأنهم يتناغمون مع مواقف دولهم من القضية السورية وهم في ذلك مجاملون من جانب أو عارفون حقائق الأمور مثل دولهم، ولكنهم لا يصرحون بحقائق هذه الأمور التي تدعمها وثائق وقرائن منشورة أصلاً، ولكن يبدو أن معظم هؤلاء المعلقين لم يصلوا إلى لب المعضلة عن سوريا، ولذا يبدو أن المحلل السوري المنصف هو أصدق قيلاً منهم وأعرف بالذي يجري وما الأسباب والتداعيات وما الحل المطلوب لتطويق هذه المعضلة العجيبة الفريدة والتي اعتبرت من المطلعين مأساة القرن الحاضر دون ريب في ذلك، وأهل مكة أدرى بشعابها. وتوضيحاً موجزاً للموضوع فإن بعض الباحثين كان يرى أن مسألة سقوط الأسد لا تتعدى الأشهر، ولكنهم غيروا رأيهم بعد ذلك وقالوا: إن الأسد يحرز انتصارات ويصمد، ثم يتحدثون عن أسباب صموده، ويرى "سيستيان سونس" الخبير في الشؤون السورية في المعهد الألماني للدراسات الشرقية أن مقاتلي المعارضة دحروا في عدد من المناطق الإستراتيجية، كالقلمون مثلا، ويعزو أندريه بانك الخبير في الشؤون السورية من معهد "جيجاء الألماني لدراسات الشرق الأوسط" هذا التقدم لنجاح الأسد في وقف عمليات الانشقاق في صفوف الجيش السوري، فالعقوبات ضد من يفعل ذلك تصل إلى حد الإعدام، ثم يذكر "بانك" سبب الدعم المالي الإيراني لتغطية رواتب الجيش السوري، ولكن يضيف أن قوة الأسد إنما هي مستمدة من ضعف المعارضة التي لم تتحد والبعض منها يقاتل بعضهم البعض، كما يحدث بين الجيش الحر وداعش وبين جبهة النصرة وداعش، ثم يقول "بانك": إنه على الصعيد الدولي قد تحسن موقف الأسد بعد الاتفاق على تدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية وبهذا أصبح شريكاً في المفاوضات مع المجتمع الدولي ولكن يستطيع أن يقاوم بأسلحته التقليدية. ومن جهة أخرى فقد كان الكاتب الصحفي الأمريكي "توني كارون" كتب مقالاً نشرته مجلة "التايم" الأمريكية في 30 أغسطس عام 2012 تطرق فيه إلى صمود الأسد أمام أمواج المعارضة العاتية من مختلف أطيافها ولكن رأى أن ثمة خمسة أسباب وراء بقاء نظام الأسد، أولها: كبر حجم القوات الأسدية في خضم الصراع الطائفي وأنه كلما تعاظم هجوم السنة تفاقمت شراسة النظام والمؤيدين له من الأقلية العلوية وبعض المسيحيين والدروز والأكراد.
ثانيها: تصدير النظام للأزمة السورية، حيث يصعد الضغط على جيرانه في لبنان بأنصاره العلويين هناك، بهدف إشعال حرب أهلية كالتي كانت عام 1992، ومن ناحية أخرى أوقع تركيا التي تناهض التمرد الكردي في مشكلة، حيث تدفق أكثر من مليون لاجئ سوري إليها.
ثالثها: انقسام المعارضة وافتقارها إلى إستراتيجية واحدة، وحتى التماسك بين العسكريين أصبح محدوداً، وأصبح قسم من المدنيين لا يؤيدونها!
رابعها: تعزيز المنافسات الإقليمية والدولية الإستراتيجية لحالة الجمود، فلا تفاهم دوليا حول القضية السورية، فموقف أمريكا لدى الكاتب يختلف عن موقف روسيا والصين اللتين لا تريدان الإطاحة بأي حكم خارج عن مدار أمريكا الإستراتيجي، ثم إنهما تريدان إشراك إيران في أي حل سلمي، في حين أن أمريكا تعارض ذلك.
خامسها: تشابك خيوط نهاية الصراع، أي حتى لو سقط الأسد فكيف ستتم المرحلة بعده، فهذه مهمة ليست سهلة، والمعنى أن الأسد يعمل على ألا تقع.
هذا وللأمانة فقد ذكر بعضهم أن مما أدى إلى صمود الأسد مقاتلة بعض المؤيدين من غير العلويين كحزب الله اللبناني الشيعي وميليشيات أبي الفضل العباس العراقية الشيعية، وكذلك بعض حرس الثورة الإيرانية وبمعونة خبراء إيرانيين.
وإن هذا هو أهم ما كتبه هؤلاء في تحليلهم لبقاء الأسد وبالتالي انتخابه لمرحلة ثالثة بغض النظر عن تقويم الانتخابات وهل هو رئيس لسوريا أم لمن انتخبوه فقط؟!
ولكننا نؤكد ومعنا الأدلة النظرية والواقعية، أن مربط الفرس في إبقائه في السلطة إنما هي إسرائيل بالدرجة الأولى، حيث يجب ألا ننسى سيل التصريحات التي أدلى بها نتنياهو ومسؤولو الأمن القومي وغيرهم أن في بقائه مصلحة إسرائيلية وإن الواقع ليدل تماماً على ذلك، حيث منعت إسرائيل حلفاءها من مهاجمة النظام السوري وذهب وزير دفاعها مرتين إلى أوباما ليثنيه عن تزويد المعارضة المعتدلة بأسلحة نوعية وما ذلك إلا لأن اليهود يعتبرون أن الجولان أرض توراتية وأنه يجب أن تبقى هادئة وهو ما فعله حافظ الأسد بعد اتفاق فض الاشتباك وما فعله حافظ الأسد بعد اتفاق فض الاشتباك وما فعله بشار حتى الآن حماية لأمن إسرائيل المتفق عليه معها ومع أمريكا التي باركت لبشار وأن السلطة انتقلت انتقالاً سلساً من الأب إلى الابن، كما قال بيل كلينتون ووزيرة خارجيته أولبرايت وهذا السبب المهم في وجود إسرائيل الحافظة لعروش الحكام العرب الموالين وهو ما لم يتطرق إليه أحد ممن ذكرناهم من الباحثين وغيرهم كثير. ثم لم يذكر أمثال هؤلاء حقيقة الدور الأمريكي وأن أمريكا لا تريد إسقاط الأسد، مع أن أوباما صرح منذ بداية الثورة أنه فقد شرعيته، لأن سفيره في دمشق، روبرت فورد، صرح أننا نريد إضعاف النظام لا إسقاطه، وظهرت خزعبلاته، حيث ذهب إلى مدينة حماة ليبارك الثورة وقدم له الثوار غصن الزيتون وعندما افتعل المعلم وزير الخارجية السوري أنه غاضب من روبرت وظهرت الحقيقة غير ذلك، كما أنهم لم يتعرضوا لحقيقة الدور الإيراني، خصوصا بعد الترتيبات الأخيرة حول الملف النووي وتصريح الرئيس روحاني أننا لن نتنازل عن شيء من التخصيب إلا مقابل أن تعطى إيران نفوذا في الشرق الأوسط وهو يقصد تمتين الهلال الشيعي والأهم فيه سوريا، كما صرح خامنئي والآيات الدينية. كما لم يتطرق الباحثون إلى حقيقة حزب الله وأنه لبناني شكلاً، إيراني حقيقةً، وهو الدور نفسه لإيران في سوريا، كما أنهم لم يتطرقوا لحقيقة موقف عراق المالكي الذي صرح أن النصيرية قسم من الشيعة وأننا سندافع عن الأسد ولن يسقطوا نظامه ولماذا يسقط وكل ذلك بعد أن جاءته الأوامر من الولي الفقيه. وحتى روسيا يجب ألا ننسى تصريحاتها على لسان وزير خارجيتها لافروف: إنهم يخشون من ذهاب العلويين وقدوم السنة إلى الحكم في سوريا، ظناً منهم أن مصالحهم سيقضى عليها هناك، ثم إنهم الذين يتحدثون من الباحثين عن صنف المعارضة وعدم اتحادها لا يراعون أبداً أن هذه المعارضة لم تلتق ببعضها إلا بعد أكثر من أربعين سنة من ظلم الاستبداد وإن كان هذا لا يبرر ولكن ليس هذا هو السبب أيضاً، لأن ثمة معارضة في إسرائيل ومعظم البلاد المتقدمة ولم تتوحد، لكن يتخذونها ذريعة لكيلا يقدم المجتمع الدولي حلاً بدعم حقيقي للثورة، لأنهم في الحقيقة ضد الثورة وأي حكم ديمقراطي في بلادنا، فالديمقراطية لا يقيمونها إلا لبلادهم، أما عندنا فتفوت فيها مصالحهم، والنقيضان لا يجتمعان، ثم لا ننسى الفيتو الذي استخدمته روسيا والصين دوماً حتى لإدانة النظام السوري. زد على ذلك مما لم يتطرق له الباحثون دعم بعض الدول العربية للانظام القاتل بحجة القومية والممانعة وهم يعرفون أنه بريء منها وأين هذه الممانعة وحرب غزة ما زالت قائمة ولم يحركوا ساكناً تجاهها. والحقيقة أن المجتمع الدولي لو أراد إسقاط الأسد ولم يعمل على إنتاجه من جديد، لأنه الوحيد الحافظ لمصالحهم، لأسقطوا اللانظام ببرهة وجيزة ولذلك كانوا يحذرون الشعب السوري ويقولون باتت أيامه معدودة، ذراً للرماد في العيون، وما شاهدناه من نسف الأسد لمؤتمر جنيف وعمله على الإلهاء وإشغال المعارضة يدل على أنه يعمل بتوجيهات المجتمع الدولي وليس ضده للأهداف نفسها. زد على ذلك وجود داعش وكيف اتفق النظام معها أنه لا يضربها ولا تضربه وحقاً لم يسقط برميل متفجر واحد على الرقة لأكثر من أربعة أشهر وهكذا بقي الجيش الحر يقاتل داعش من جهة واللانظام من جهة أخرى، فماذا سيكون هذا الجيش الحر مع منعه من أي سلاح نوعي ضد الطائرات أو الدبابات وسكوت المجتمع الدولي عن دعم الأسد من روسيا وإيران والصين وآخرين، لماذا؟ لأنهم لا يريدون إلا إخماد الثورة وأن يبقى الأسد رغم أنهار الدماء، فهي لا تهمهم ولكن مع كل ذلك وجدنا أن الثوار أصبحوا يعتمدون على أنفسهم ويصنعون الأسلحة ويحاربون بإمكاناتهم ولم يستسلموا، بل أحرزوا انتصارات جديرة يشهد لها العالم ولهذا قال الباحث الألماني سونس إن قول الأسد إنه سينتصر ليس إلا مجرد بروباجندا، فهو بعيد كل البعد عن الانتصار العسكري وهو رأي بانك أيضاً الذي قال إن سيطرة النظام على جميع سوريا أمر غير واقعي.
أقول: فهل عرفنا الحقائق بعد ذلك، وأنها في إطار المشروع العقدي الأيديولوجي الإيراني الشيعي، وأن إسرائيل صانعته لهم وأمريكا ألعوبتها معهم، خصوصا بعد متابعة الملف النووي، فأين الواعون؟
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
471
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
574
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
381
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4281
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2157
| 23 أغسطس 2026
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
2088
| 25 أغسطس 2026