رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أسماء الجرموزي

مساحة إعلانية

مقالات

165

أسماء الجرموزي

القوة ليست كلمة تُقال وإنما فعلٌ يُصنع

04 سبتمبر 2026 , 02:00ص

في زمنٍ باتت فيه الكلمات تُقال بسهولة، وتُرفع فيه الشعارات في كل محفل، تبقى القوة من أعظم الحقائق التي لا تُختزل بحروفٍ تُنطق، ولا بمظاهر تُرى، لأنها ليست كلمةً تُقال، وإنما فعلٌ يُصنع. إنها تلك الرحلة الطويلة التي يخوضها الإنسان مع نفسه قبل أن يراها العالم من حوله، وهي ذلك النور الذي يولد من رحم العتمة، وذلك الثبات الذي يُصقل تحت وطأة الابتلاء.

فالقوة ليست أن تقف يومًا على قمة النجاح، بل أن تمتلك القدرة على الوقوف ألف مرة بعد ألف سقوط. ليست في أن تُخفي ضعفك عن الآخرين، وإنما في أن تواجهه بشجاعة، وتُدرك أن الإنسان لا يُولد قويًا، بل تصنعه الأيام، وتُهذّبه التجارب، وتُعلّمه الحياة أن لكل ألمٍ رسالة، ولكل محنةٍ بابًا يُفضي إلى منحة.

لقد علّمتنا الحياة أن أكثر الناس قوةً ليسوا أولئك الذين لم يعرفوا طعم الخسارة، بل الذين ذاقوها ثم رفضوا أن تكون نهاية الحكاية. هم الذين حوّلوا جراحهم إلى حكمة، وخوفهم إلى شجاعة، وعثراتهم إلى درجاتٍ ارتقوا بها نحو ما كانوا يظنونه يومًا بعيد المنال. فالقوة لا تُقاس بما نملكه من قدرةٍ على حمل الأثقال، وإنما بما نملكه من قدرةٍ على حمل أنفسنا حين تُثقلها الحياة.

ولعل أجمل ما في القوة أنها لا تصرخ لتُثبت وجودها؛ فهي تسكن في صبر أمٍ أنهكتها الأيام وما زالت تبتسم، وفي دعاء أبٍ أخفى قلقه ليزرع الطمأنينة في قلوب أبنائه، وفي إنسانٍ أنهكته الحياة لكنه ما زال يُحسن الظن بالله، ويبدأ كل صباحٍ بقلبٍ لم يتعلّم اليأس. فهناك بطولاتٌ لا تُكتبها الصحف، لكنها محفورةٌ في صفحات السماء، لا يعلم بها إلا الله ومن عاش تفاصيلها.

إن القوة الحقيقية هي أن تبقى إنسانًا مهما قست عليك الحياة، وأن تحافظ على أخلاقك حين تُستفز، وعلى مبادئك حين تُغرى، وعلى إيمانك حين تشتد عليك المحن. فليس أعظم من قوةٍ تُهذّبها الرحمة، ولا أسمى من عزيمةٍ يقودها الإيمان، ولا أبقى من أثرٍ يتركه إنسانٌ جعل من قوته وسيلةً للبناء لا للهدم، وللعطاء لا للأخذ.

ولأن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد الأقوياء، فإن القوة التي نحتاجها اليوم ليست قوة الكلمة العابرة، بل قوة الفعل الصادق؛ قوة العلم الذي يُنير العقول، والعمل الذي يُثمر الإنجازات، والإرادة التي لا تعرف المستحيل. فكل إنجازٍ عظيم بدأ بخطوةٍ صغيرة آمن صاحبها بأنه قادرٌ على صناعة الفرق، وأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.

وأخيرًا، تذكّر أن الحياة لا تسألنا كم مرة سقطنا، بل كم مرة نهضنا. وأن القوة ليست لقبًا يُمنح، ولا وسامًا يُعلّق على الصدور، وإنما موقفٌ يُختبر في كل يوم، وإرادةٌ تُولد من رحم المعاناة، وأثرٌ طيبٌ يبقى بعد أن تمضي بنا الأيام.

فالقوة ليست كلمةً تُقال، وإنما فعلٌ يُصنع، ويشهد عليه الصبر، ويُخلّده العمل، ويُباركه الإيمان.

مساحة إعلانية