رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أحد ينكر دور البحث العلمي في التطور الحديث للعالم في جميع المجالات الحياتية، والتي بدأت آثارها المباشرة بالثورة الصناعية في بريطانيا في القرن الثامن عشر. وبمرور الوقت أولت الدول المتقدمة البحث العلمي اهتماما خاصا ودعمته بنسب تفوق 3% من ناتجها المحلي، وهي بمليارات الدولارات سنوياً، بعد أن تيقنت بأن هموم تفوقها ومشكلاتها لا يمكن حلها أو تقليلها إلا بالبحث وبمنهج علمي متعدد الفكر والأدوات والوسائل، ومنها بالطبع كادرها البشري. فأنشأت الجامعات ودعمتها بكل وسائل الدعم وعلى رأسها الدعم المالي السخي، فكان لها حق التفوق والتقدم والامساك بزمام الأمور، فكان لهم السبق في المجالات كلها. وقد وصل بالعلم الحديث التعرف على تفاصيل مكونات الحياة بتفكيك الذرة وجزئياتها، واتخذوا حقائقها الدقيقة التي خلقها الله سبحانه وتعالى في اكتشافات عظيمة نعيشها اليوم، لصالح البشرية بصورة عامة، ولكنها لم تخل وللأسف من استخدام اسرارها في مضرة الانسان وحياته وبيئته.
والبحث في الأصل في مصطلحه ينطلق من قضية تمثل مشكلة أو استفسارا ذهنيا لدى الباحث لموضوع مؤرق يبحث عن إجابة، باستخدام منهج علمي له أسس البحث التي تدرس ويتدرب طلاب العلم عليه، وبوسائل متعددة وبمناهج متقنة ومدروسة، تتسم بالموضوعية والحيادية، وبمقيدات أخلاقية يجب الالتزام بها، وهي على ثلاثة أنواع على الأقل: إما بحوث علمية أساسية أو تطبيقية أو تجريبية. والبحث العلمي قد يتبنى من باحث منفرد، او مجموعة منهم اتفقوا بشكل شخصي، وهي الأشهر والأكثر موثوقية وتحظى بدعم سخي من المراكز البحثية وخاصة عندما تصب في أولوياتهم.
وفي دول الغرب لم يعد دعم البحوث مقتصرا على الدول وحكوماتها وهي المبادرة في الاصل، بل اتسعت الدائرة لتشمل الشركات الصناعية والتكنولوجية التي استفادت كثيرا من الاستمرار في البحث العلمي لترويج بضاعتها وتجعلها قادرة على المنافسة وتطوير منتجاتها، والبحث العلمي للشركات له ثلاث غايات: الأولى في انتاج منتجات جديدة يحتاجها السوق اليوم أو مستقبلا، أو في تطوير منتج موجود او تقديم منتج موجود بجودة أعلى، أو بمنتج يتنافس في سعره أو أخيرا في منتج يحافظ على البيئة وحمايتها من التلوث، وعلى هذه الغايات تزداد شهوة البحث العلمي والذي يقدم في سبيله مليارات الدولارات سنويا، ولا تبالي.
ولأهمية تبني هذا التوجه ودعم البحث العلمي، سارت دول العالم الأخرى على نفس النهج وحاولت تقليدها ومنها الصين التي آمنت بالبحث العلمي خلال الثلاثين سنة الماضية، فتفوقت على نفسها بدلاً من سياسات الانغلاق. ففي عام 2023 على سبيل المثال، تجاوز انفاقها على البحث العلمي والتطوير مبلغ 450 مليار دولار، وتعاونت مع كبريات المراكز البحثية العالمية لإحداث تطورات تكنولوجية. فباتت بذلك تنافس الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بنشرها أكثر من 400 ألف ورقة علمية خلال السنة الأخيرة، كما حظيت بحوثها بنسبة 27% من أجود 1% من البحوث المنشورة المسجلة عالميا لتحل بالمرتبة الأولى، وعليه أفلا تستحق هذه الدولة التفوق، وإبهار العالم بالتطورات والنجاحات على كافة الأصعدة التي تشهدها.
ومن جانب آخر، تبين التقارير الدولية ازدياد تنافس الدول النامية والتي ما تزال تمثل نسبتها الأقل لأسباب، بدرجة أساسية ضآلة الدعم المالي ولغياب حرية البحث العلمي والفكري وثالثا هجرة الكفاءات منها إلى الدول المتقدمة حيث تجتذب جامعاتها المتفوقين من طلبتها ومفكريها بإغراءات مالية، فكم من العرب والمسلمين على سبيل المثال قد اتخذوا من الولايات المتحدة الامريكية وجامعاتها ومراكزها العلمية ومختبراتها ملجأ لهم، وتأثيراتهم العلمية ملموسة لا يمكن إنكارها.
** وفي دولة قطر، فان رؤيتها الوطنية 2030 وضعت البحث العلمي والتطوير والابتكار من بين أولوياتها، في تحقيق استدامة الرخاء والازدهار للدولة، وترسيخ ثقافة البحث في المجتمع وخاصة الوطني ببناء أجهزته من جامعات ومراكز بحثية بمختبراتها ومعاملها وكادرها البحثي من باحثين متمرسين وطلبة دراسات عليا، إضافة إلى قواعدها القانونية. ففي دراسات مسحية اقصائية بلغ عددها ثلاثة بدأت 2012 حتى عام 2021 اجراها جهاز التخطيط والاحصاء، شملت أكثر من 100 مؤسسة ذات علاقة بالبحث العلمي والتطوير، أظهر الأخير منه تطورات كبيرة حدثت في مجال البحث العلمي والتطوير. بينت الدراسة المسحية لعام 2021 أنه يقوم على البحث العلمي حوالي 6200 باحث، ثلثهم من القطريين، ومن بينهم طلبة الدراسات العليا، بزيادة 100% مقارنة بعام 2012، قاموا ببحوث أساسية وبحوث تطبيقية وبحوث تجريبية، ممولة حكوميا بنسبة 86 %، ومن ثم تأتي الشركات، والتمويل الأجنبي الخارجي وللأسف بأقل من 1%، من بين تمويل اجمالي بلغت قيمته أكثر من 4.5 مليار ريال، تمثل حوالي 0.7 % من اجمالي الناتج المحلي وحوالي 2% من إيرادات الدولة، وتم انجاز حوالي 5200 بحث منشور، معظمها في مجلات عالمية متخصصة، وإصدار حوالي 400 كتاب.
إن مؤسسة قطر على سبيل المثال والمؤسسات العلمية التابعة لها ومنذ تأسيسها، تولي اهتماما بالبحث العلمي بدعمها المالي السخي ورعاية الباحثين من القطريين والعرب المغتربين، وبالتعاون مع علماء من جامعات دول العالم وتبني الطلاب المتفوقين ساهمت في نهضة علمية شاملة. والبحوث في قطر متجهة حاليا الى المجالات الطبية والصحية والطاقة والتكنولوجيا والبيئة حسب الأولويات الوطنية، بعد ان كانت لعقود مع نشأة جامعة قطر مرتكزة على العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولكن الجامعة اليوم تواكب التوجه الجديد، فكان معظم المشاريع الفائزة للصندوق القطري لدعم البحث العلمي من نصيبها.
وفي دراسة صدرت في دولة الامارات العربية المتحدة أكدت بأن دولة قطر تفوقت على دول الخليج الأخرى في هذا المجال، وأن انتاجها العلمي ازداد 77 ضعفا خلال 25 سنة، وتحتل كذلك المرتبة الأولى من حيث جودة البحوث وتأثيراتها.
وختاماً، لا بد من التأكيد بأن المؤشرات الاقتصادية الباهرة التي تحققت في الدولة، استندت الى دراسات البحث العلمي الدقيق لمشاريع قطر للطاقة، كما الحال عند تأسيس شركة ناقلات بعد فترة وجيزة من نجاحها في صناعة الغاز المسال. وكذلك الارتباط مؤكد فيما تحقق في الدولة من تنمية بشرية، ومن أمن غذائي باحتلالها فيهما المركز الأول عربيا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5727
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5256
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1734
| 13 مايو 2026