رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تمرّ على الأمّةِ العربية، في عصورِها المختلفة، مَرحلةٌ، مثل هذه المرحلة الاتصالية الإلكترونية، والتي عبَثت بتُراث هذه اللغة، وحوّلتها إلى " مَسخ" في كثير من الظروف!؟ فما نقرأهُ عبر وسائل التواصل، هذه الأيام، ينعكسُ على أجوبة الامتحانات في الكليات والجامعات؛ لذلك نجدُ العديدَ من الطلبة والطالبات ينفرون من الأسئلة المقالية، أو التكليفات الكتابية والتقارير، ويُفضّلون أسئلة ( صح/ خطأ)، ذلك أنهم لم يتأسَّسوا تأسيساً سليماً ما قبل مرحلة الجامعة، وقد يكون هؤلاء الطلبة، والطالبات غيرَ مسؤولين عن هذا الخلل !؟
إن القرآن الكريم، هو الحافظ للغةِ العربية، وهو اللسانُ العربي الفصيح، وهو المرجعيةُ الأولى في ضَبط النحو والصرف، فإذا لم يُتقن المرءُ العربيُ المُسلمُ اللسانَ العربي، فكيف سيقرأ سورَ القرآن الكريم؟! نعم قد يحفظها عن ظَهر قلب، من كثرة الترديد في الصلاة، لكنه سيواجه مشكلةً عندما يكتب تلك السور!؟ فمثلاً، كيف سيقرأ هذا الإنسان، " ولم يكُن جبّاراً عصيًا" (مريم، 14)، أو " والذين يقولون ربّنا اصرِف عنّا عذابَ جَهَنّمَّ إن عذابَها كان غراما"، (الفرقان، 65). فلئن ذهبنا إلى مدرسة " المُحَورين" في اللغة سوف نكتب (جبّارا) هكذا (جبّارن)، وكذلك الحالُ مع كلمة (غراماً)، هكذا(غرامن)!؟
وهنالك العديد من الوقفات مع آيات القرآن الكريم، والتي كثيراً ما تَتشوهُ عند كتابتها من بعض الذين لا يُتقنون اللغة العربية.
ولعلَّ سائلاً يأتي ليقول: وما الحل؟؟
وهذا سؤال مشروع وحيّوي! إن مسؤوليتنا جميعاً أن نحمي لغتنا العربية، ونحن نعلم، أن بعضَ الشعوب التي تلاشت واضمحلَّ تُراثُها وحضارتُها كان بسبب إهمالها للغتِها الأصلية!؟ لأن اللغة هي الحاضنة لجميع أشكال تراثِ أية أمَة، والوعاء الذي تتشكَّلُ فيه ملامحُ الحضارة، والعلوم، والآداب، والفنون الماديّة وغير الماديّة. لذا، فإن الحفاظ على اللغة العربية من الأولويات التي يجب أن تحافظ عليها الأسرةُ في المقام الأول. وخاصة الأم، التي تترك أطفالَها لساعاتٍ طويلة مع الشغالة غير الناطقة باللغة العربية، خصوصاً في مرحلة تشُكل الوعي اللفظي لدى الطفل. فإذا ما أضفنا عددَ ساعات الروضة أو المدرسة، إلى ما يقضيه الطفل مع الشغالة في المنزل لوجدنا الآتي ( 6 +3 مساء+ 2 صباحاً = 11 ساعة يقضيها الطفل مع الشغالة !؟ ماذا بقي من الـ 24 ساعة، إذا افترضنا أن الطفلَ ينام 9 ساعات يومياً؟ 11+9 = 20 ساعة، وإذا ما خصَّصنا ساعاتٍ لمراجعة الطفل لدروسه، ولعبه في حوالي 3 ساعات!؟ لكان الباقي ساعة واحدة، وهذه (حسبة) بسيطة وتلقائية، بالطبع قد تقوم الأمُّ بمراجعة الدروس مع الطفل، ولكن هنالك فرقاً شاسعاً بين مدة بقاء الطفل مع الشغالة، وبين بقائه مع الأم !
إذن، فالمسألة تقعُ على عاتق الأسرة، ولا بد أن تُخصِّص الأمُّ أو الأمُّ والأبُ معاً، وقتاً، يومياً، للبقاء مع أبنائهما، كي يتعلّموا السلوكَ القويم، والعادات والتقاليد، ويقومان بترجمة الكلمات الإنجليزية التي يتحدث بها هؤلاء الأطفال، وأن يتعرَّف الطفلُ، عبر الصور، على الملامح الوطنية المحلية، وتلك المتعلقة بالأمة العربية والإسلامية.
وهذا أفضل من قضاء الأب خارج المنزل في عمله أو في مجالسَ مع أصدقائه، وبقاء الأم خارج المنزل في زيارات عائلية أو المرور على المولات. إن تناول وجبة الإفطار مع الطفل أفضل بكثير من تناولها في مطاعم المولات!؟ ونحن ندرك أن الأم ( مدرسة)!! وهذا يختصر كلاماً كثيراً عن التربية الأسرية!؟ فالطفل الذي يقوم بتصرفات غير لائقة، أو تالفة لمكونات المنزل، أو تُعرّضهُ للخطر، لا بد وأن يُلفت نظره، حتى لا يكبر وهو يُكرر نفسَ الأخطاء.
الأمر الثاني في شيوع هذه الأخطاء العديدة في اللغة العربية، هو عدم إكمال الشاب / الرجل، لدراسته، أو أنه أكملَ الثانوية (بالدّز)، أي كان نجاحهُ مُتعثِّراً. وقد يكون ذاكَرَ المادة كي يحصل على الدرجة، دون أن يحفلَ بأن تترسَّخَ المادةُ أو المعلومةُ في عقله، ويزيد في هذا، عدمُ قراءة هذا الشاب / الرجل للكتب أو المقالات أو القصص، التي يُمكن أن تدعَم جودةَ الإملاء لديه. فما بالكم إن جاء شخصٌ (من هذه النوعية) وطبع كتاباً، وهو لا يعرف النحو والصرف، بل ولا يفرِّق بين المثنى والجمع، أو جمع المؤنث أو المثنى المؤنث، أو الممنوع من الصرف !؟
الأمر الثالث هو هيئات التعليم، ولقد مرَّ التعليمُ – لدينا – بمُنعرجاتٍ عدّة، لا نودّ الخوض فيها في هذا المقام. ولكن ما تتطلبه المرحلة الحالية، في ظلِّ ضعفِ اللغة لدى كثيرين، خصوصاً طلّابنا وطالباتنا، أن تعود حصَصُ الإملاء والإنشاء والخطِّ في مناهجنا!؟ صَدّقوني، هذه ليست دعوة " نكوصية" إلى الوراء، بقدر ما هي وسيلة لإنقاذ الجيل من هذا الوهن الظاهر في اللغة العربية. نعم، إن جيل السبعينيات، لم يتعلّم اللغة إلا عَبر مواد الإملاء والإنشاء والخط، لأن تكرارَ الكلمة، وتصحيحَ الأستاذ للخطأ، أمام الطالب، سوف يُرسّخ الكلمة في ذهن الطالب، ولا بأس من أن يطلب المدرسُ من الطالب، كتابة الكلمة الخطأ (مائة مرة) في المنزل. قد تكون المراحل السابقة أهملت توظيفَ المُدرسين الأكفاء لتعليم اللغة العربية، إذ أن عملية توصيل المادة، عبر الاتصال الجيد، ولغة الجَسد الناجحة، من الأمور المُهمَّة في تعليم اللغة، حتى وإن كان المُدرس يحمل مؤهلاً في التربية. كما أن الوعيد والتهديد من قِبل المُدرس للطالب، يجعل هذا الأخير ينفرُ من المادة ؛ بعضُنا لم يتعلم اللغةَ كلَّها في الفصل، بل خارج الفصل، في نقاشاتِ الأصدقاء، وأحياناً عبر مُدرسٍ مُتخصِّص، ليست عليه أعباءٌ وواجباتٌ مُنهِكةٌ في اليوم.
وفي المرحلة الجامعية، بكلية الآداب/ جامعة بيروت العربية، أذكرُ كُنا نتناقش – ونحن ثلاثة من قسم اللغة العربية – حتى ساعات الصباح الأولى، نُحلِّلُ، ونُفسّرُ، ونُثبت الحجةَ في مسألة النحو والصرف. وكان ذاك النقاشُ يُرسّخ المادةَ في عقولنا، ويجعلنا نستحضرُها في الامتحان. وهنا يُمكن أن نقترحَ أن يكون هنالك نادٍ للغة العربية في كلِّ مدرسةٍ وكلِّ كليةٍ وكل جامعة، وأن تُقام في النادي دوراتٌ وورشُ عملٍ، بهدف ترسيخ اللغة العربية، وتجنُب الأخطاء في كتابتها. ويُمكنُ أن يتمَّ تحويلُ كتاب اللغة (النحو والصرف والإملاء) إلى شكلٍ بصري ( فيديو وشرائح)، لأن العين، في هذه الأيام، التي يعتمدُ أهلُها على الشكل البصري، تكون أقوى في ترسيخ الكلمة الصحيحة في ذهن الطالب.
الأمر الرابع في هذه القضية هو القراءة !؟ إن القراءة عاملٌ مهمٌّ في إتقان اللغة. ونحن نعلم، من التجارب القريبة، أن هنالك نسبة لا تجاوز 5% من طلابنا يقرَؤون كتباً خارج المنهج، وتلك إشكالية كبرى، تتشارك الأسرة ُفي حلّها مع هيئاتِ التعليم، والمراكز الشبابية والنوادي.
و" شكرن "، أقصد شكراً!؟
الكتابة الإبداعية!!
في كتابه الموسوم ( مبادئ الكتابة الإبداعية للقصة القصيرة والرواية) يوضّح الصديق الروائي الكويتي ( طالب الرفاعي) أن... اقرأ المزيد
5245
| 22 أكتوبر 2019
رُبَّ ضارةٍ نافعة
من المؤسف أن يحدث هذا الاختراق الواضح في قناة (بي إن سبورت)، ويقوم موظفون لهم مواقعُ مهمّة بالتآمر... اقرأ المزيد
5841
| 02 أكتوبر 2019
ترجمة الرواية.. فن وثقافة
انتهيت من قراءة رواية (الرجل الذي كان ينظرُ إلى الليل) للروائي المصري/ الفرنسي (جِلبر سِينُوِيه) الصادرة عن المجلس... اقرأ المزيد
3166
| 21 سبتمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10386
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3216
| 10 سبتمبر 2026