رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأشواق الربانية تُشدي، والأشواك الأرضية ُتشجي، الأشواق الربانية ُترضي، والأشواك الأرضية تُردي، الأشواق إلى الله تُبكي من فرط الحب والهدي، والأشواك الأرضية تُدمي من فيض الألم والنوى، الأشواق الربانية تجعل النوم غمضا، والطعام قوتا، والنطق ذكرا، والصمت فكرا، والنظر عبرا، والأشواك الأرضية تُحيل النوم فَرَقا، والنطق شكوى، والصمت ضجرا، الأشواق الربانية تنير الليل تبتلا ورقا، والأشواك الأرضية تظلم الليل سهرا وأرقا، الأشواق الربانية تسخي اليد عطاء وبذلا، والأشواك الأرضية تجعل اليد مغلولة قبضا وبسطا، الأشواق الربانية تجعل المسافات نزهة وطربا، والأشواك الأرضية تجعل السير إدبارا وهربا، الأشواق الربانية جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم للموت ويستعذب سكراته؛ لأنه مَعبر إلى الرفيق الأعلى، والأشواك الأرضية سحبت الفرعون إلى السحيق الأدنى، الأشواق الربانية جعلت بلالا يشدو عند الموت: "عجلوني عجلوني غدا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه"، والأشواك الرضية تجعل صاحبها ينعى: "أخروني أخروني.. لا تعجلوا بي إلى أبي جهل وحزبه"، الأشواق الربانية جعلت حنظلة غسيل الملائكة ينزع نفسه ليلة عرسه من زوجته وحبة قلبه ليجاهد إرضاء لربه، والأشواك الأرضية عطلت ابن سلول أن يسعى نحو عزه ومجده وارتد على عقبه، الأشواق الربانية جعلت زيد بن الدثنة يفرح لمَّا طعن غدرا ويقول: "فزت ورب الكعبة"، والأشواك الأرضية جعلت أبا لهب يهرب من القتال في بدر خشية أن يقتل بيد فارس، فقتل في مكة بيد امرأة من قومه، الأشواق الربانية تجعل أرواح المحبين في عناق وتلاق، والأشواك الأرضية تحيل حياة المتنابذين إلى شقاق وطلاق، الأشواق الربانية تحرك نحو المعالي، والأشواك الأرضية تحرِّق كل نفيس وغال.
الأشواق في الدنيا لا تخلو من أشواك "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ" (البلد:4)، والأشواق في الجنة بلا أشواك؛ "بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ" (آل عمران:169- 170) فطوبى لمن آثر الآجلة على العاجلة، ويا بؤس من عاش في أشواك الدنيا والآخرة "خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" (الحج:11)، ويا نِعم من قادته أشواقه إلى المعالي، ويا بؤس من حاطته أشواكه بالمعاصي.
الأشواق الربانية نغم يشبع النفس أمنا: (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، والأشواك ألم يملأ النفس حزنا، الأشواق مشاعر تضيء المشاعل، والأشواك متاعب تضاعف المشاغل، الأشواق أنوار في القلب تهيجه نحو المكارم، الأشواك ظلمات في القلب تجره نحو المغارم، الأشواق إلى الله تحوِّل الصلاة خشوعا، والصوم احتسابا، والصدقة إحسانا، والذكر طوعا، والعفو طبعا، والخير وفيرا، والقليل كثيرا، والرضا بما قسمه الله أصيلا، والسخط دخيلا، والأشواك في الطريق إلى الله تقطع الصلاة بالشواغل، والصيام بالغيبة والنميمة، والحج بالرفث والفسوق والجدال، وتجعل الزكاة مغرما، والذكر نادرا، والعفو مستحيلا، والكثير قليلا، الأشواق إلى رسول الله تجعلنا ندرِّس سيرته، ونعرف مناقبه، ونتأسى بسنته، ونكثر من الصلاة عليه، ونسارع إلى حماية دينه وحمل رسالته، وتبليغ دعوته والتمكين لملته، والتضرع لله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى في جنته، والأشواك في طريقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعلنا ننسى سيرته، وننكر مناقبه، ونتأسى بأعدائه، ونلهث وراء كل ناعق، ونزحف وراء كل فاجر، الأشواق إلى الأحباب في الله تدفع إلى التزاور والتجاور، والتحاور والتشاور، والتناصح والتذاكر، والبذل والعطاء، والإيثار والإحسان، والعفو والصفح، والإحساس بهم في الأفراح والأتراح، كما قال الشاعر:
أخي إن بَسِمت فمن مبْسَمي وإن أنت نُحْتَ فمن أضلعي
لغة المتحابين في الله الشعور بالغنى والقوة والحماية والعناية من خلال كلمة "نحن"، وسمتهم رحماء بينهم، أذلة على بعضهم، لا يكاد يعرف قائدهم من جنودهم، يتسابقون إلى المغارم ويقلون عند المغانم، والأشواك في طريق الإخاء تحاسد وتحاقد، وتباغض وتباعد، وشقاق ونفاق، وتنافس على عرض زائل، وتسابق إلى منصب زائف، تعلو معها الأنانية، وتزداد الكراهية، حوارهم عتاب، ووجوههم أنياب، وقلوبهم سراب وأفئدتهم هواء، لغتهم "أنا أو الطوفان"، وسمتهم أشبه بغابة يأكل فيها القوي الضعيف، ويمكر الضعيف بالقوي، يكثرون عند الطمع، ويقلون عند الفزع، الأشواق تدفع صاحبها إلى بذل الفرض قبل الفضل، ويستفرغ غاية وسعه للوصول إلى رضا الحبيب، والأشواك تجعل صاحبها مغلول اليدين، ضعيف الحيلة، خبيث النفس كسلان، الأشواق نعمة، والأشواك نقمة، الأشواق رحمة، والأشواك قسوة، الأشواق ترفع صاحبها إلى أعلى الدرجات، والأشواك تنزل بصاحبها إلى أسفل الدركات، عنوان الأشواق: (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) (التوبة:59)، وعنوان الأشواك: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (المؤمنون:37).
يا قوم هيِّجوا الأشواق إلى الله ثم إلى رسول الله ثم إلى الصالحين من عباد الله ثم إلى فعل الخير ونفع الغير، وكفكفوا الأشواك التي تُظلم الصدور، وتُقسِّي القلوب، وتُحجّر العقول، وتُغلُّ اليدين، وتعمي العينين أن تبصر الطريق إلى الرفيق الأعلى.
يا قوم رددوا معي أنشودة الأشواق إلى رب العباد:
تكون معي فيزداد اشتياقي وتنساب السكينة في سكوني
فإلى معية دائمة مع الله تعلو فيها الأشواق، لا معية دائبة مع الشيطان تتقاصفنا فيها الأشواك!
واشوقاه للقاء ربي، واشوكاه مما ألقى في طريقي ودربي، واشوقاه إلى صحبة نبيي، واشوكاه من آلام ذنبي، واشوقاه إلى خلوة أناجي فيها ربي، وجولة مع أحبابي في دربي إلى مرضاة ربي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2550
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2334
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1098
| 14 أكتوبر 2026