رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هاج العالم وماج بعد أن أحرق تنظيم الدولة الإسلامية الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً وحوّله في لحظة إلى رماد!.. ولا أريد بهذه البداية أن يظن القارئ أنني أنتقد هذا الاستنكار العالمي للمشاهد المؤلمة لعملية حرق الطيار الأردني، الذي على ما يبدو أن مخرجها قد درس فن الإخراج في هوليوود أو بوليوود لتخرج لنا بهذه الحِرفية التي لم تتبعها داعش في أي لقطات تصوير لمشاهد الإعدام التي تنفذها في ضحايا تختطفهم، وتفشل المفاوضات مع حكوماتهم في إطلاق سراحهم، بل على العكس فربما كنت من أكثر المغردين في تويتر الذين ساءتهم هذه المشاهد التي لم أجرؤ على رؤيتها حية أمامي، وإنما نقلها لي من أثق بحديثه وشهادته وتقديره لما رأى وشاهد، حيث إنني لا أملك ذلك القلب الذي يتحمل رغم قدرته على التحمل، ولكني عجبت من انهيار إنسانية ورحمة العالم أمام مشهد حرق هذا الطيار، الذي أتقدم إلى أهله وعشيرته من منبري هذا بأخلص شعور التعازي لفقدانهم ابنهم بهذه الصورة البشعة، ولم تهتز هذه الإنسانية البشعة أمام مشاهد حرق أهل رابعة والنهضة في مصر، والجثث التي تفحمت على مرأى من كاميرات القنوات العربية والغربية، ومع هذا استطاع إعلام حكومة الانقلاب في مصر أن يضلل العالم بأن ما كان هو دفاع عن أمن البلاد وأمانها!.. عجبت كيف كانت الأصوات بالأمس تتعالى في المنطقة العربية بعد حرق داعش الإرهابية للطيار الذي مازلنا نسبق هذه الصفة له، قبل أن نذكر اسمه في إشارة إلى أنه أيضاً كان مشاركاً في قوات التحالف الدولي، التي تكونت للقضاء على خلايا داعش في سوريا وأن (الورود) التي كان يسقطها من طائرته المقاتلة كانت أيضاً تقتل أبرياء في سوريا من أطفال ونساء وشباب وعجائز، ناهيكم عن أن ما تحمله هذه الطائرات هي أيضاً من مواد حارقة مثل الفوسفور الأبيض، لكن التعتيم الإعلامي العربي يجبرنا اليوم على أن نذكر معاذ الكساسبة على أنه ذهب ضحية بريئة أمام وحشية الدواعش، دون الدخول في عمق ما ينكر عليه هذه الصفة الآن، وقد صار بين يدي الله يشمله برحمته وعفوه بإذنه، ولم نسمع لهذه الأصوات حساً وقواتُ السيسي في مصر تقلب ميداني الرابعة والنهضة، قبل أن يكمل المرابطون فيهما صلاة الفجر، إلى محرقة نازية بشعة تحول فيها المصلون إلى جثث متيبسة سوداء، ومع هذا أنكر من أنكر فكان صوته الصوت الأضعف وسط صيحات التبجيل لإرهابية هذا الفعل، الذي لم يقل وحشية عما تفعله داعش الآن، ومثله ما يجري لأهل سوريا الذين يمارس في حقهم اليوم أكبر عملية تعتيم لحالات القتل التي يموتون فيها؛ ما بين حرق بكيماوي، وقنص برصاص، وتفجير بصاروخ، وموت باختناق تحت الردم، وقتل بجوع، وبرد وتشريد، فأين هذا العالم من المآسي هذه، إن كان ادعى بالأمس إنسانيته، وأفتى بتحريم الحرق لأن من يعذب بالنار هو رب النار وحده، ونحن نوافقهم في هذه الفتوى؟!.. أين كان شيوخ الدين الأجلاء من مظاهر الحرق التي تعرض لها مسلمو مصر وسوريا وبورما ومالي وإفريقيا الوسطى، ليفتوا بما أفتَوا به بالأمس، في قصة معاذ الكساسبة رحمه الله، رغم أني لا أتعمد أن أقارن، ولكن أليس هذا مثل ذاك، وتلك الآلام تشبه أخواتها؟!.. فإن كان الكساسبة طياراً لم تنأَ أرواح أبرياء عزل عن قذائف طائرته في عمق سوريا، فإن أبرياء رابعة والنهضة كانواً سجَّداً رُكّعاً غير مسلحين أيضاً، ومع هذا فقد جرفتهم الآليات السيسية، وأحرقهم رصاص غدر الداخلية والجيش، الذي ترك حدوده ليتشكل فيها العدو الخارجي الوهمي لمصر دخل لعمق البلاد، ليقتل من كانوا في الميادين يحيون ليالي رمضان بالدعاء والقيام وتلاوة القرآن.. فلم هذه الازدواجية في المشاعر وتناقض ردود الأفعال، رغم عظم المصيبة وتشابهها، ولم علت أصوات شيوخ الدين أمس وهي المكتومة المخنوقة منذ أحداث رابعة، وإلى ما يجري ولا يزال في سوريا ولمسلمي العالم؟!.. وأعيد وأكرر أن المسألة ليست مقارنة في أفضلية ردود الفعل على جرائم ترتكب في حق مسلمين وعرب مثلنا، لكننا نأسف أن تخرج فتاوى معلبة بأمر من ولي أمر، هو من يحدد مناسبتها ووقتها والمتحدثون لها للأسف!.. لذا من شعر بالأسف على معاذ مثلي، فليتذكر أن هناك من مات حرقاً في مصر وسوريا ولم يجد من يأسف له.. ببساطة لقي معاذ بواكيَ له، ولم يجد غيره من يبكيهم!.. حتى المشاعر تسيست!
فاصلة أخيرة:
كل ما أراه أن الأردن بات في مأزق كبير بعد حادثة معاذ الكساسبة، وأن إعدام العراقية (ساجدة الريشاوي) بعد ساعات من مقتل معاذ لن يعيد ثقة ضاعت، ولا سيخفف من غضب الرأي العام الذي رأى في مماطلة الحكومة، وسيلة مساعدة صديقة لإنهاء حياة معاذ رحمه الله!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4425
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4095
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1983
| 07 مايو 2026