رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بفارق سنة تقريباً على تغيير المشهد الميداني والعسكري والإنساني في مدينة حلب السورية بالحديد والنار، ورسم النهاية بتلك الباصات الخضراء، التي ستحفظها الذاكرة، وهي تنقل في وحل الشتاء القاسي، الوافدين إلى المدينة والراغبين في المغادرة علي السواء، تسير الغوطة الشرقية في هذه الأيام الصعبة على نفس المسار، ومقدماته على الأقل، ولم تكن منذ أحداث حلب سوى ملف مرحّل إلى حين، وها قد آن أوان فتحه بكل الأهوال التي على الأهالي أن يكابدوها، وكأنها قدر محتوم.
فهل ستفيد تجربة المأساة الأولى في عاصمة الصناعة وقسوة آلاتها، في جعل سيناريو الغوطة الشرقية ذات البساط الطبيعي الأخضر أقل قسوة على سكانها الذين بلغوا الرمق الأخير من الصبر والتمسك بتلابيب الحياة؟
لئن أسمعَ الإعلام العربي والعالمي صوت أهالي المدينة المكتوم خلف جدران الملاجئ والأقبية، ونجح في نقل نداء استغاثتهم إلى العالم، فقد اصطدم بجدار مؤسسات المجتمع الدولي المنقسم على أجنداته بشكل صارخ لا يحتاج لشرح وتحليل، ولم تكن تصريحات عدد من زعماء العالم صادمة، بقدر ما هي واقعية، عندما وضعوا مجلس الأمن أمام تحدٍ تاريخي لقدرته على فرض قرار إنساني قبل أن يكون سياسياً: "إذا فشل المجلس في إنهاء مأساة الغوطة، فإنه يرسم نهايته أيضا"، بمثل هذه الكلمات تقريباً عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن خطورة اللحظة أمام الضحية ومن يفترض أن يكون المنقذ، وعكسَ بهذا التصريح النادر ما يختلج في نفوس الملايين ممن باتوا يشككون في جدوى مؤسسات المجتمع الدولي التي أنشئت لتحفظ توازنه وتضمن الحد الأدنى من الأمن لمن يتهددهم الخطر حول العالم، وما أكثرهم. لقد كان امتحاناً عسيراً، ومصيرياً أمام المندوبين الدائمين وغير الدائمين في المحفل الدولي، ومنهم من تمنوا سراً وجهراً لو لم يكونوا مجبرين على خوضه لحسابات لم تعد تخفى على أحد، فيما الصور الحية للفظاعات التي تشهدها الغوطة تنتقل بسرعة البرق بين وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، تختصرها مساحة لا تتجاوز الـ ١١٠ كيلومترات تهز أركانها طائرات حربية، تقصفها بمعدل ١٠٠ غارة يومياً... نسق جنوني قابله نسق "متأنٍ"، يحسب الخطوات ونقاط الربح والخسارة داخل أروقة مجلس الأمن، عندما أُجبر تحت ضغط الدماء على أن ينعقد ليصدر قراراً يلزم بوقف إطلاق النار ويطلب هدنة إنسانية تمنح الضحايا المحاصرين من الأحياء وقتاً مستقطعاً لالتقاط الأنفاس.
وكما في الأعمال الدرامية، ذات الإيقاع المثير للـ "تشويق"، بل للأعصاب، تابع العالم نهاية الأسبوع الماضي، تلك الساعات والدقائق المربكة الصاخبة في صمتها، حين كان مندوبو الدول الأعضاء في المجلس يتداولون بشأن صيغة القرار المنتظر، وشروطه و"ضماناته"، مدركين، عن قناعة أو رغماً عنهم أن كل لحظة تساوى روحاً تزهق أو تكتب لها حياة جديدة، ولو في غوطة منكوبة، كانت العيون على روسيا والزاوية الضيقة التي وجدت نفسها فيها، بين حساباتها الإستراتيجية والعسكرية والسياسية وميدان فاضَ بالمآسي، يختبر ما بقي من حس إنساني لدى الأقوياء، سيشكل تجاهله ضربة أخلاقية يصعب النهوض منها. وبين كل هذه المحاذير، تحركت روسيا بحذر شديد وبقدر أقل من التصريحات القابلة لشتى التأويلات والأحكام في تلك اللحظات الحاسمة، ولعبت جيداً على عنصر الوقت، لتطالعنا وسائل الإعلام بخبر عاجل يفيد بـ "إرجاء التصويت على قرار وقف إطلاق النار، إلى اليوم الموالي، بسبب خلافات بين الدول الأعضاء"، ولأن روسيا طالبت بتعديلات على مشروع القرار لجعله منطقياً وواقعيا، بل طالبت بضمانات لجعله ملزماً "لكل الأطراف".
وحمل اليوم الموالي، خبر الاتفاق بالإجماع على مشروع القرار المنتظر على أحر من الجمر، وأظهر العالم المصغرَ تحت سقف مجلس الأمن الدولي، متوافقاً، بإكراهات، حول ما لا يمكن الاختلاف حوله مهما بلغ هذا العالم من فظاظة وأنانية، وتجنبت روسيا تصنيفاً يترصدها بانعدام الإنسانية، والتنظير دون التطبيق، لمعاني السلم والتعاون بين الدول والشعوب، ولم ترتكب خطيئة "الفيتو" هذه المرة، في السياق الخطأ. كان واضحا، أن الأولوية القصوى كانت لإصدار القرار بالإجماع، ومنح المحفل الدولي من خلاله، زخماً وقوة، في مرحلة بدا فيها وكأنه يترنح تحت إيقاع الخلافات العاصفة بين أعضائه وتشكيك متزايد في قدرته الفعلية على أداء المهام التي أسس من أجلها، وخصوصاً أن يكون صدى لنداءات ملايين المستضعفين العاجزين عن حماية أنفسهم.
صدر القرار، وكانت تلك مرحلةً، أعقبتها مرحلة التأويلات، والتحفظات والشروط: من هي الأطراف المعنية بوقف إطلاق النار، وما المدى الزمني للهدنة، ومصير المدنيين العالقين بين الأطراف المتقاتلة على الأرض وفي الجو... وما هو القدر المسموح به، أو المطلوب من غارات لن تتوقف حتماً؟، ولن تمتلك قدرة خارقة بين عشية وضحاها لتميز بين الأهداف البشرية، من مسلحين ومدنيين، بينما ما كان مدينة، سُوي بالأرض، فبقي سطحها مكشوفاً تماماً أو الملاجئ المكتظة الخانقة.
قد يكون سرد هذه التفاصيل مفيداً في تبيان مدى تشابه مشاهد الحرب، في مدن مختلفة في البلد الواحد، وكيف أن سلوك المتحاربين لا يتغير كثيراً إلا فيما يخدم صورتهم ويحفظ مكاسبهم، وكيف أن الفاصل الزمني بين حلب والغوطة، كان مجرد فسحة لمداولات سياسية ومؤتمرات تعقد في مدن بعيدة، جميلة مستقرة، يسعى أغلب منظميها إلى تكريس مواقعهم، وإبقاء السكان في مناطق الحرب، والمقاتلين "المطلوبة رؤوسهم" رهائن" حتى تتموقع القوى المتصارعة جيداً، و كأن لا شيء يستعجل الحل في تلك المنطقة التي كانت من أوائل معاقل الثورة. ويتبين أيضا كيف أن الزمن يكتسب معاني مختلفة ويسير بوتيرتيْن أو أكثر، بين من يستغيث بالعالم لإخراجه من تحت الركام، ومن يترجم تلك الاستغاثة، في تلك اللحظات، بمنطق الربح والخسارة، ويتعاطى مع الوقت المخصص لإنهاء المعاناة الجماعية التي يشاهدها العالم، بما يضمن له قدرا أكبر من الربح وأقل قدر ممكن من الخسارة، ثم يطلون، على الشاشات ويتحدثون بلهجة المنقذين الذين قدموا التنازلات، ولكن قسمات الوجوه تنطق بغير ذلك.
ستدخل الغوطة الشرقية، بعد هذا الماراثون الدبلوماسي، فصلاً جديداً، لن يختلف كثيراً، عن فصل حلب، إلا في بعض التفاصيل الموضوعية، أو مفاجآت غير متوقعة، إذ إن اللاعبين هم أنفسهم، مع عودة قوية للاعب الأمريكي، لن تجعل طريق تسوية مأساة الغوطة، سالكة لروسيا كما في حلب، وسيُعلَن عن ممرات آمنة، وعن ساعات محددة يتوقف فيها القتال، قد تتطور إلى أيام، لتبلغ الثلاثين يوماً المنشودة، وسنسمع عن خروقات واتهامات متبادلة بمن ارتكلها، وعن استثناءات لكيانات دون غيرها من الهدنة، وعن مساعدات إنسانية تنتظر الدخول، وستحاول القوى التي اكتسبت تجربة في المضمار أن تمسك بزمام الوضع في الغوطة، التي تبدو وكأنها اختبار جديد لحقيقة تحكمها في مجمل الوضع السوري.. وستكون الأعصاب مشدودة منذرة بما قد يكون أسوأ في حرب سورية بدأت ثورة، ثم أزمة، ثم حرباً أهلية فحرباً كونية مصغرة، وهي توشك على اتمام عامها السابع... ويقيناً لن يكون عام الخلاص.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11616
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8577
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026