رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في خضم الأزمة الأوكرانية الروسية الخطيرة ذات التأثيرات الدولية المباشرة على الأمن والاستقرار الدوليين، تُطرح عدة تساؤلات تفرض نفسها ويصعب تجاهلها؛ فما مدى وجاهة القلق الروسي على أمنه؟. وهل ورط الأوكرانيون أنفسهم ولم يتخذوا ما يجنبهم هذا المآل؟. وما مدى دخول واشنطن في هذه الحرب بشكل مباشر؟. وربما السؤال الأكثر إلحاحا، هل هناك من أفق للحل السلمي؟.
لعل الحقائق الجيبوليتكية تشير إلى امتداد التشابك بين روسيا والولايات المتحدة في معظم أنحاء العالم؛ فمن أوروبا الشرقية إلى جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وصولا إلى إفريقيا، حيث إن تصادم الأطماع والمصالح بين الدولتين ظل قائما على مستويات مختلفة من الحدة ظرفيا ومكانيا، بيد أن الظرف الحالي جعل منطقة أوروبا الشرقية تقفز إلى هرم الأولوية القصوى. وتبدو أوروبا الشرقية امتدادا حيويا لروسيا وفي ذات الوقت هي جزءٌ لا يتجزأ من أوروبا التي تمثل جزءاً مهما من المنظومة الغربية. ولعل روسيا منذ أن كانت تعرف بالاتحاد السوفييتي ما قبل تسعينيات القرن الماضي، قد تعرضت لعملية إنقاص وزن إجبارية من قبل خصومها الغربيين نتيجة الحرب الباردة، فتفكك الاتحاد السوفييتي شذرا مذرا، وأصبح الدب الروسي هزيلا كامرأة زلّاء ضاوية كعود معلقة عليه ثيابها من شدة نحافتها، وأصبحت هذه الثياب التي تفوق حجم ومقاس صاحبها عرضة لتجاذب الطامعين. وقبل أن تنكشف عورة روسيا بالكامل بدأت تستعيد وزنها وتبحث عن ملابسها وترقعها لتناسب الوزن الجديد المكتسب.
يقول رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعيّ الروسيّ، غينادي زيوغانوف، لصحيفة برافدا" الروسية في 14 أكتوبر الماضي، إن أمن روسيا يقتضي استعادة دائرة الأصدقاء والحلفاء. واليوم يعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن من يسيطر على أوكرانيا كاملة غير روسيا من شأنه أن يشكل تهديدا للأمن الروسي، في إشارة للولايات المتحدة وحلف الناتو. ولذلك فإن حرب روسيا والغرب الذي تمثله أوكرانيا ليست حربا بين الديمقراطية والديكتاتورية ولا بين القانون الدولي وشريعة الغاب، وإنما هي حرب نفوذ وتحكم، بين روسيا من جانب وأوروبا الغربية من جانب آخر بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية. بيد أن بوتين على الأقل على المدى القصير والمتوسط، لا يطمع في مواجهة شاملة وتبقى أهدافه الآنية في إطار إبعاد شبح الناتو الذي يمثل التحالف العسكري للمنظومة الغربية، وإعادة تموضع بلاده على مستوى التأثير والفعل الدوليين على أيام الاتحاد السوفييتي.
من ناحية أخرى يبدو أن مصاب أوكرانيا جزءٌ كبير منه بيدي لا بيد عمرو؛ فبمجرد أن عقدت النخبة في أوكرانيا تحالفاً مناهضاً لروسيا مع واشنطن والناتو، فلم يعد لديها فرصة لاستقلال حقيقي، بل مع الاجتياح الروسي الأخير لا يبدو أنها جنت شيئا من ذلك التحالف فالكل يتفرج عليها، بل أن الحلفاء الغربيين دفعوا أوكرانيا إلى إصلاحات ليبرالية لا تتناسب مع طبيعتها وتاريخها، فحرمتها مما تبقى لها من صناعة زراعة وإمكانات علمية. واليوم تجترُّ أوكرانيا علقم الندم وتقول أنها ضحية تقديرات خاطئة لحظة توقيعها على مذكرة بودابست للضمانات الأمنية، في 5 ديسمبر 1994، تلك المذكرة التي جردتها من سلاحها النووي وأمنها في آنٍ واحد. ووفقاً للمذكرة، تنازلت أوكرانيا عن ترسانتها النووية لروسيا، وتعهدت كلا من روسيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة باحترام استقلال أوكرانيا وسيادتها على أراضيها، وحمايتها من العدوان الخارجي.
ومع كل هذه المعطيات هل كانت واشنطن تعد نفسها للحرب منذ فترة؟. البعض نظر إلى عدة مؤشرات أعتبرها دليلا لنية واشنطن خوض الحرب منها، الانسحاب السريع غير المبرر من أفغانستان، والإسراع في تسوية نزاعات وأزمات بعض الحلفاء والأصدقاء، فضلا عن الحرص الأمريكي على إعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران والوصول إلى تسوية معها. في ذات الوقت هناك تحركات تبدو مريبة لحلفاء واشنطن وبإيعاز منها؛ فقد تفاجأ الناس من تخلي سويسرا عن حيادها فقررت تجميد أموال روسيا، وأن فنلندا التي أرسلت رسالة حياد إلى بوتين قبل أسبوع قد تراجعت وقررت الانضمام للناتو وإرسال أسلحة لأوكرانيا، وأن ألمانيا وبعد نحو 8 عقود خرجت قوقعة اشتراطات الحرب العالمية الثانية ودخلت في عسكرة صناعاتها لمستويات وصلت حد ما قبل تلك الحرب، وحتى السويد التي بقيت محايدة من عام 1914 قررت التخلي عن حيادها البحري والانضمام لخطط الناتو.
وأخيرا هل من أفق للحل السلمي؟. مع حقيقة أن الطرفين، الغرب وروسيا، يتصارعان حول النظام العالمي، فمن جهة تريد أمريكا الاستمرار في قيادة العالم. ومن جهة أخرى تتطلع روسيا إلى قيادة ثنائية للعالم واستعادة دورها كما كان؛ فإنه لابد من استعادة توازن القوى العالمي، وربما الأفضل قيام اتحاد يجمع روسيا وبلاروسيا وأوكرانيا، وقد يمثل هذا ضمانة لمجمل الأمن الأوروبي والعالمي. أما بالنسبة للقدرات النووية، فلابد من أن تبقى في إطار الردع المتبادل دون أن تستعملها أي من الدول التي تملكها لأثرها التدميري على طريقة "علي وعلى أعدائي". ويقتضي السلام العالمي أن يجلس الكِبار الفاعلون في هذه الأزمة على طاولة التفاوض، دون التعويل على قرارات منظومة الأمم المتحدة، لأنها ببساطة لن تُحقق أكثر مما حققته تلك القرارات في فلسطين، سيما وأن لدى كلا المتحاربَين حق الفيتو القادر على إبطال أي قرار لا يراه أي طرف أنه يخدم مصلحته.
العالم اليوم يتطلع لنظام عالمي جديد، وبقيادة متعددة الأطراف، يتولى قضايا عالمية عديدة فضلاً عن السياسية والأمنية، منها عولمة الإنترنت، والعملة الدولية، ونظام عمل الأمم المتحدة، ومؤسساتها، ومعضلة التلوث المناخي. ولعل في مقدمة كل ذلك والممهد له، أن تسحب طلب انضمام أوكرانيا إلى الناتو وإنهاء التمدد الشرقي للحلف تجاه حدود روسيا لمنع المواجهة الشاملة.
yasirmahgoub@hotmail.com
yasir_mahgoub@
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
1011
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
819
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1215
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
7899
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3843
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026