رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإخوان المسلمون في مصر كانوا وعدوا عقب سقوط النظام المصري السابق بعدم تقديم مرشح منهم لموقع رئيس الجمهورية .. ولكنهم عادوا فدفعوا بفلذة كبدهم ونائب مرشدهم – خيرت الشاطر – لذلك المنصب .. فهل هذا تراجع منهم عما سبق وتعهدوا به؟ وماذا بقي لهم من الصورة الأخلاقية والقيمية التي هي بالنسبة لهم أعلى وأهم من أي تكتيك ومن أي مصلحة حزبية وانتخابية ؟ وهل هذا دليل على ما يشاع عنهم من أنهم يلجؤون لمسالك الديموقراطية ثم سرعان ينقلبون عليها ؟ وهل هم لا يأبهون بالصورة الذهنية والتاريخية التي ستتركب لهم في وجدان الرأي العام إلى هذا الحد ؟ ذلك كله يقوله خصومهم في سياق نقد قرارهم .. أم أن هذا كله ليس في واردهم كما يقول الإخوان وأن الأمور تجري في سياقات أخرى ؟ وأقول :
لفهم قرار الجماعة وموقفها وما يجري في مصر الآن ثم للحكم عليه ؛ لا بد من استحضار ما حدث بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي فازت فيها حماس وشكلت بموجبها الحكومة العاشرة ثم الحادية عشرة .. وليس أحد يصدق أن وجود محمود عباس – رئيس السلطة – في أروقة المجلس العسكري وفي اجتماعات متواصلة مع المشير طنطاوي ورئيس المخابرات مراد موافي هو أصلا من أجل بحث مسائل المصالحة الفلسطينية ..
الأمر أبعد من ذلك ويؤشر على العلاقة الوثيقة بين ما جرى في السلطة وانتهى بالصراع مع حماس ثم إلى الانقسام والحصار .. والحالان حال واحد .. والجهتان اللتان تتصارعان هما ذاتهما هنا وهناك .. ولنتذكر يوم فازت حماس بالتشريعي الفلسطيني وكيف بادرت حركة فتح لتطويق هذا الفوز ثم لإفراغه من مضمونه ( فجمعت التشريعي يوم 13 / 2 / 2006 ليتخذ قرارات تقلل سلطته الرقابية والتشريعية ، ثم لينقل معظم صلاحيات الحكومة للرئيس ، ولنتذكر أنهم سلموا الوزارات لحماس فارغة من الموظفين ومن الملفات ومن المعلومات ومن الميزانيات .. وأن منظمة فتح "دلقت " النقابات التي تسيطر عليها في المشاغبات والمماحكات السياسية في المظاهرات والإضرابات والاعتصامات ، وأنها حركت عناصرها التنظيمية وميليشياتها للاعتداء على المجلس التشريعي وإفلات الأمن، وحرضت الأجهزة الأمنية التي كانت تحت إمرة المشهراوي وأبو شباك على عدم الانصياع لأوامر وتكليفات الحكومة الجديدة .. انتهاء بتشكيل فرق الموت مع الجنرال دايتون الأمريكي وهو ما فضحته " مجلة فانتي فير " وصولا أخيرا إلى الانقسام ثم الحصار .. ) .
السيناريو ذاته يسعى فيه عسكري مصر ومخابراتها كنوع من الانقلاب على الثورة وعلى فوز الإخوان المسلمون .. العسكري لم يتعامل مع الإخوان بحسن نية ولم يقدر رغبتهم في عدم الصدام بالتقدير ولا بالاحترام .. وتهيأ له أن الإخوان إنما ابتعدوا عن الرئاسة إما لأن طموحهم - في هذه الدورة الانتخابية على الأقل – لا يتعدى تحصيل شرعية العمل الرسمي ، أو أنهم يخافون المغامرة ولا يريدون أن يكونوا سببا لحصار مصر .. هذا الفهم هو الذي جعل العسكر يحاصرهم ويحاول تهميش وتهشيم البرلمان الذي فازوا بأغلبية مريحة فيه .. وجعله – أي العسكري - يقوم بتعيين حكومة الجنزوري دون مشاورتهم كقوة كبيرة ودون اعتمادها بعد انتخابهم وتشكيل البرلمان الجديد .. فصارت كما حكومة سلام فياض فوق مساءلة البرلمان وغير منحكمة له ولا تطلب شرعية منه .. أما افتعال الأزمات والانفلات الأمني فهو ذاته يحصل .. ( أزمة في الوقود ، وأزمة في الغاز ، وأزمة في النقل ، ومجزرة في بور سعيد ، ومحاولة اغتيال لمرشح رئاسة ، وانفلات أمني ومزيد من التهلهل الاقتصادي .. وصولا لتهديد الإخوان بسحقهم وإيقاع مجزرة سياسية وأمنية بهم كالتي تعرضوا لها على يد عبد الناصر والمشير عامر في ال54 وال56 وال66 من القرن الماضي ) ..
فإذا كان الإخوان بعد أكثر من عام من الرصد والخبرة بهذا المجلس ومن تصريحاته ومواقفه وقراراته وممارساته لم يفهموا اللعبة حتى الآن وإلى أين تسير الأمور فمتى يفهمون ؟ وإذا كان الإخوان بعد كل هذا الصبر والمناورة لن يتحركوا الآن وهم يرون المجلس العسكري يستعيد النظام السابق في شخص عمر سليمان أو عمرو موسى فهل سيتحركون بعد أن تقع الفأس بالرأس وهل سينتظرون أربع سنوات أخرى وربما ثماني ليبحثوا عن موقع الرئاسة ؟ وهل على الإخوان أن يتركوا الأحداث تأكل من لحمهم وعظمهم وأعصابهم وربما تصادر كل مشروعهم من أجل أن لا يقال إنهم أخلفوا وعودهم ونقضوا عهودهم ؟ وهل هذا المنطق مقبول على مستوى العلاقات الفردية والمصالح العادية إذا كان الطرف الآخر يتنكر لأبسط مفاهيم الوفاء والمجاملة ؟ وهل هكذا تقرر السياسة وترسم مصائر الأمم ويكتب التاريخ وتنجز التحولات الكبيرة ؟ وهل على الإخوان أن يظلوا منتظرين أن يتلطف وأن يتعطف عليهم مرشح رئاسي مغامر ليقف بوجه العسكر وليردهم إلى حيث يجب أن يكونوا داخل المعسكرات ومن فوقهم وزير حرب فوقه رئيس وزراء فوقه برلمان وفوق البرلمان رئيس جمهورية وفوقه دستور محترم؟
الإخوان لم يريدوا سلطة خالصة لهم من دون الناس وقد أشبعوا وسائل الإعلام تصريحات بهذا المعنى وأتبعوا تصريحاتهم مواقف عملية ليس أولها تشكيلة تأسيسية الدستور – وإن قال خصومهم غير ذلك – ولقد قاموا بالتواصل مع أكثر من شخصية عامة مناسبة للترشح في هذه المرحلة الهامة والفاصلة في تاريخ الوطن ولكنهم جميعا – وكما جاء في بيان الإخوان الأخير - رفضوا وأبدوا اعتذارهم ) .. وإذن ؛ أليس حصول الإخوان على هذا الموقع هو الضمانة للسلم الوطني وللحيلولة دون تغول المؤسسة العسكرية على مؤسسات الشعب الشرعية ؟ أليس خير ألف مرة أن يرشحوا رئيسا من أن تقع فتن تقلب كل المعادلات لا قدر الله ؟ ثم أليس تخليهم عن ذلك هو تقصير بل هو الخيانة عينها لمصر التاريخ والدور والثورة والحاضر والمستقبل وللإسلام الذي يأمرهم بتقديم درء المفاسد وإزالة الضرر عن الأمة .. أليست هذه صفحة بيضاء وتضحية باهرة تسجل لهم ؟
أما أن حكم الإخوان سيجلب على مصر الحصار والفقر .. فهذا ليس صحيحا أو بالأحرى ليس بالضرورة أن يحدث .. ومصر ليست غزة ، لا سياسيا ولا قانونيا ولا جيوسياسيا ولا عسكريا ولا جغرافيا ولا اقتصاديا ، وهي ليست أقل من سوريا التي يخشاها الغرب كما نرى .. ومصر – الحديثة – سبق أن خاضت حروبا شاملة ومع دول عظمى ولم تنحن لها لمجرد أنها دول عظمى ، ثم إن مصر الإسلام والعروبة والثورة إن خاضت حروبا على أساس هويتها واستقلالها فإنها ستدب بدبيبها وستخطو بخطوها الأمة كلها .. ،
وأقول : في أي مذهب وبأي منطق يحرم الإخوان من حق الترشيح لموقع الرئاسة ؟ هذا إذا كنا نتكلم بلغة دستورية ولغة الثورة ولغة الحق وبمنطق القيم الوطنية والأخلاق .. وليس بلغة الإقصاء ومنطق الساقط حسني مبارك والعمالة للأجنبي والهزيمة أمام الأمريكان والصهاينة ، وإذا كنا لا نتكلم على طريقة فرعون الأول الذي قال ( ما أريكم إلا ما أرى ) وقال ( ذروني أقتل موسى وليدع ربه ) ؟ وإذا لم يكن من حق الإخوان أن يقدموا مرشحا للرئاسة وهم الأغلبية ؛ فهل من حق الأقلية أن تفعل ذلك ؟ وهل الحرية التي جاءت بها الثورة هي فقط أن تقول الجرائد كلاما جميلا يطير أدراج الرياح ؟ وهل العدالة التي ينشدها الشعب المصري وننشدها له هي فقط أن تصل المعارضة لبرلمان هزيل جامد مفرغ من كل معاني السيادة على نفسه ؟ وإذا كانت مصر على شفا أن تعود لحكم العسكر ولحكم عمر سليمان وصنائع أمريكا " وإسرائيل " وجماعة كوبنهاجن ؛ فهل على الإخوان أن يدسوا رؤوسهم في الرمال وأن يعموا عن الحقيقة وأن يتركوا الثورة تذبح وأن يتنقلوا بين الحفر؟
آخر القول: على كل من يتكلم في الشأن المصري من مصريين أو غيرهم - أن يضعوا في اعتبارهم دائما أن الإخوان المسلمون في مصر وفي غيرها هم جزء من الواقع ومن الثورات وليس أحد أولى منهم في رسم حاضر بلادهم ومستقبلها، وكل دعوى تنتقص من هذه الحقيقة هي دعوى ليس لها قوائم حقيقية.. وليس على الأكثرية لكي يقال إنها عادلة ومتفهمة أن تتخلى عن حقوقها لأقلية ستوجد دائما ولو في عشرة أشخاص أو مائة..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
670
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
976
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
612
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9405
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026