رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"...وسوف نعلن فى الوقت المناسب عن خطط لاعادة هيكلة الوزارات لتقليل الازدواجية ولكى تكون جميع المجالات العامة تحت مسئولية وزارات واضحة ومحددة" هكذا قال سيدى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثانى أمير البلاد المفدى فى خطابه التاريخى للشعب القطرى بتاريخ 26/6/2013 الذى وضح خلاله التوجه العام للدولة فى الفترة القادمة، الا ان هناك من يختزل كلمات سموه فقط فى موضوع تحويل بعض المجالس العليا والهيئات بالدولة الى وزارات معتقدين ان هذا هو الحل السحرى للقضاء على الازدواجية (مثال: تحويل المجلس الاعلى للتعليم الى وزارة التعليم) وكأن المسميات هى من تخلق الازدواجية وضعف الاداء، ونسوا ان الازدواجية هى التشابه والتداخل فى الاختصاصات بين الجهات المختلفة.
ان الخبراء والمستشارين الاجانب فى المرحلة السابقة حاولوا حل هذه المشكلة ولكن ليس عن طريق اعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات التى يتميز عملها بالتداخل والازدواجية كما هو الحال اليوم، ولكن عن طريق تبنى فكرة جديدة تستند الى انشاء هيئات ومجالس عليا ذات استقلالية مالية وادارية، ورغم أن هذه الفكرة كانت فى مضمونها تعد جيدة الا انها تسببت فى خلق المزيد من الازدواجية فى الفترة الماضية، وكانت بوابة لاهدار المال العام كما انها ادت وفى نفس الوقت الى ازدياد عدد الموظفين القطريين المحالين الى البند المركزي، لأنهم كما رأهم الخبراء والمستشارون الاجانب، هم السبب الرئيسى فى تأخر النمو والتنمية فى الدولة.
ان القضية الجوهرية التى أثارها سمو الأمير المفدى قد حركت المياه الراكدة حول مشكلة الازدواج الادارى والتداخل فى الاختصاصات، وما خلفته من سلبيات خلال الفترة الماضية، حيث مثلت صورة من صور البيروقراطية الادارية التى تستنزف موارد الدولة وتهدر الوقت والجهد والمال وتسمح بتضخم الكادر الادارى بلا مبرر، كما تعنى ايضا تعقيد المعاملات وتصعيبها على المستثمر والمواطن على حد سواء وذلك بسبب تنصل كل جهة من القيام بما هو مطلوب بحجة أنها تقع فى اختصاص جهات أخرى وهو ما لا يحقق المصلحة العامة للدولة، كما انه يزيد من احتمال فكرة أن تكون هنالك ازدواجية فى بعض المجالات، وأن توجد فى الوقت ذاته مجالات مهمة ورئيسية من دون مؤسسات حكومية تغطيها، وهو ما يعتبر من الامور غير المنطقية وغير المقبولة على الاطلاق، لما لها من دور كبير فى تعطيل العمل ومصالح المواطنين ورجال الأعمال، كل هذا ما يبرر استحداث بعض الوزارات الجديدة (مثل وزارة التنمية الادارية) ودمج وزارات وهيئات اخرى فى محاولة للقضاء على مشكلة الازدواجية أو على الأقل التقليل منها.
لقد واجه المراجعون والمتعاملون مع الاجهزة الحكومية المختلفة فى الفترة الماضية الكثير من المشاكل المتعلقة بالازدواجية والبيروقراطية الادارية والتى لا يمكن حصرها فى اسطر هذه المقالة، ولكن ربما يمكن ذكر بعضها هنا وذلك للتوضيح فقط، حيث ان افضل الامثلة على ذلك هو ما حدث فى موسم الحج العام الماضى من صعوبة بالغة فى تحديد الجهة المسؤولة عن بعض التقصير فى العمل وذلك بسبب تبادل الاتهامات النابع من تضارب وتنازع ثلاث جهات مشرفة على الحج وهى ادارة الحج ولجنة الحج وبعثة الحج!! وهو ما الحق الضرر طبعا ببعض الاخوان المقاولين القائمين على الحج، حيث يعد هذا المثال من ابرز الامثلة على الازدواجية التى اهتم بها الرأى العام وتم التطرق اليها كثيرا فى الاعلام العام الماضي، الا ان هناك امثلة اخرى كثيرة على الازدواجية يمكن التنويه اليها ومنها موضوع حقوق الانسان، فلدينا اللجنة الوطنية لحقوق الانسان، وادارة حقوق الانسان — بوزارة الداخلية، ومكتب حقوق الانسان — بوزارة الخارجية، وادارة علاقات العمل والعمال — بوزارة العمل، والمؤسسة القطرية لمكافحة الاتجار بالبشر، وجميعها طبعا تتشابه وتتداخل فى الاختصاصات.
كذلك المشكلة التى يواجهها المتعاملون مع وزارة العمل ووزارة الشؤون الاجتماعية بسبب الانفصال والاندماج المتأرجح وعلى مدار سنوات فى هيكلة الوزارتين، فوزارة العمل عرفت باكثر من مسمى مختلف فبدأت بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية ثم انتقلت تحت مظلة وزارة شؤون الخدمة المدنية والاسكان قبل الغائها لتعود مرة أخرى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ولتمر سنوات قليلة حتى يتم تقسيم الوزارة مرة اخرى الى وزارتين احداهما للعمل والثانية للشؤون الاجتماعية ليكون الشيء الوحيد الثابت فقط هو المقر الذى مازال واحدا فى نفس البرج منذ سنوات، وايضا ما يواجهه المتعاملون مع مؤسسة حمد الطبية والمجلس الاعلى للصحة بسبب تداخل الاختصاصات فيما بينهما، وكذلك ازدواج الاختصاصات بين العديد من ادارات وزارتى البلدية والبيئة مما يجعل المتعامل فى حيرة شديدة.
كل هذه الامثلة تتعلق بتضارب وازدواجية الوزارات والمؤسسات المختلفة دون التطرق الى التضارب والازدواج الادارى بين بعض الادارات فى الوزارة الواحدة الذى يجعل الموضوع بالطبع اكثر تعقيدا، ناهيك عن تعدد الجهات المتقاطعة لانهاء بعض المعاملات والذى يفاقم بلا شك المشاكل البيروقراطية ايضا، فاقامة منشأة صناعية مثلاً يتطلب الذهاب الى عدة جهات للموافقة على المشروع، حيث يتعين على صاحب المنشأة اولا التوجه الى وزارة الطاقة والصناعة للحصول على الترخيص والتى بدورها تقوم بارساله الى وزارة البيئة للكشف على الأرض ودراسة المشروع مثلما فعلت وزارة الصناعة، ثم يتوجه بعد ذلك الى وزارة الأعمال للحصول على السجل التجارى ثم وزارة البلدية للحصول على ترخيص البناء ثم يذهب اخيرا لوزارة الداخلية للحصول على قيد المنشأة.
لا شك أن الدعوة لهيكلة الوزارات ولفك الازدواج الادارى بين الجهات الحكومية سوف يؤدى الى جعل أجهزة الدولة تعمل وفق منظومة موحدة تفادياً للتداخل فى الاختصاصات والصلاحيات، ومنعاً لتشتيت الجهود خاصة فى تلك الجهات التى تتشابه وتتقاطع فى مجال أعمالها الخدمية، حيث ان هنالك مجموعة من المؤسسات قد تتشابه مسمياتها للعوام الا أنها اُنشئت لتلعب أدواراً مختلفة، لذلك فاننى ارى أن عملية اعادة هيكلة الوزارات يجب أن تهدف للوصول الى هياكل تنظيمية واضحة للجميع تغلب عليها البساطة والشفافية، وتوائم مهام الجهات الحكومية مع التخصصات الموجودة بها مع مراعاة حجم مواردها المالية والبشرية، ومدى قدرتها على تنفيذ هذه المهام بكفاءة وفاعلية عاليتين، كما أرجو أيضا أن يصاحب اعادة هيكلة الوزارات الاهتمام بالموظف القطرى الذى هو اساس التنمية، وذلك عن طريق اعادة تدريبه وتأهيله، واكسابه مهارات جديدة، ورفع معدلات الأداء والانتاجية لديه، وتزويده بالامكانات التى تساعده على أداء وظيفته بدلاً مما كان يحدث فى السابق من تحويله الى البند المركزي!!.
وفى النهاية اعود لأؤكد ان توجه سمو الامير المفدى — حفظه الله — نحو العمل على تقليل الازدواجية الادارية لهو خطوة كبيرة جدا على طريق استكمال مسيرة الانجازات والازدهار الذى تعيشه قطر اليوم، المتمثل فى تحقيق رفاهية المواطنين وتخفيف الأعباء عن كاهلهم ومعاناتهم مع الروتين والبيروقراطية والتى تحدث من جراء الازدواجية والتداخل فى الاختصاصات والصلاحيات، والذى نحن بدورنا جميعا ندعم ونقف خلف قيادتنا الرشيدة للمضى قدما فى مثل هذا النوع من التوجه المحمود والاصلاح المطلوب نحو الاتجاه الصحيح.
خير خلف لخير سلف
إنها فعلا لحظة تاريخية علينا جميعا كشعب قطري أن نودع صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة... اقرأ المزيد
2074
| 28 يونيو 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34632
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10248
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8268
| 03 سبتمبر 2026