رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتجه الاقتصاد القطري نحو تثبيت الأهمية النسبية للقطاعات غير النفطية من جهة ومكانة القطاع الخاص من جهة أخرى لأسباب تشمل الاستثمارات المرتبطة بفعاليات كأس العالم لكرة القدم في العام 2022. بل يأتي هذا التطور المرحب به تزامنا مع التوجه الرسمي لإعادة هندسة القطاع النفطي.
ومن شأن تأييد الأنشطة الحيوية في القطاعات غير النفطية تعويض الاقتصاد القطري عن قرار تجميد تنفيذ المزيد من التطور للقطاع النفطي، خصوصا الغاز لفترة زمنية. وكانت السلطات القطرية قد قررت عدم تنفيذ مشاريع نفطية جديدة حتى العام 2015 بغية تقييم جدوى استمرار تعزيز الإنتاج، فضلا عن دراسة الاستخدام للغاز الطبيعي المستخرج من حقل الشمال.
ويمكن تفهم هذا التوجه كوننا نعيش في عصر متغير بدليل ما يحدث في عالم التقنية. كما هناك حديث حول دخول موردين جدد في مجال تصدير الغاز الطبيعي المسال مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وهي من الدول المستوردة لهذه السلعة الإستراتيجية من قطر.
يشار إلى أن قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم في الوقت الحاضر. تبلغ الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال في قطر في الوقت الحاضر 77 مليون طن سنويا.
وكمثال على نجاح سياسة توسيع قاعدة الزبائن، فقد انضمت ماليزيا حديثا إلى قائمة الدول المستوردة للغاز الطبيعي المسال في منطقة جنوب شرق آسيا، منضمة بذلك إلى كل من سنغافورة وتايلند.
عودة لموضوع المقال، فقد شكلت القطاعات غير النفطية قرابة 58 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي القطري في العام 2012 ما يعد دليلا ماديا على نجاح سياسات التنوع الاقتصادي بعيدا عن القطاع النفطي. فحتى الماضي القريب، كان القطاع النفطي هو المسيطر على مكونات الناتج المحلي الإجمالي بلا منازع وذلك في خضم مستوى مرتفع للأسعار والإنتاج.
بل يتوقع تحسن الأهمية النسبية للقطاعات غير النفطية على خلفية الاستثمارات الضخمة المرتبطة بشكل رئيسي باستضافة كأس العالم لكرة القدم في 2022. حقيقة القول: تعتبر الأرقام المتعلقة بالاستثمارات ضخمة بالمقاييس الدولية فضلا عن المحلية.
فحسب أحدث التقارير، يدور كلام حول استثمار قرابة 200 مليار دولار في غضون 10 سنوات على مشاريع حيوية في مجال البنية التحتية بما في ذلك تشييد مطار عصري، فضلا عن إنشاء مترو الدوحة إضافة إلى تطوير شبكة الطرق. وعليه، يتوقع حصول تغييرات جوهرية في خارطة الدوحة في السنوات القليلة القادمة مع اقتراب موعد كأس العالم.
وللتدليل على وجود جدية في تنفيذ مشروع مترو الدوحة، ففي شهر يونيو الماضي تم منح كونسورتيوم يضم شركات إيطالية وكورية وقطرية على عقد تفوق قيمته 8 مليارات دولار لتنفيذ جانب من الخط الأحمر والذي سوف يربط بعدد من الإستادات الرياضية لكأس العالم.
وتضاف لذلك النزعة الاستثمارية لدى القطاع الخاص القطري عبر الاستفادة من الفرص المتاحة في الاقتصاد المحلي. وربما تستفيد الشركات العاملة في قطر من ظاهرة عدم تعرضها لضغوط فعلية لتوظيف العمالة المحلية نظرا لغياب مشكلة البطالة في أوساط المواطنين ما يعد إنجازا.
تزيد قيمة الاستثمارات المتوقعة من القطاعين الخاص والعام خارج القطاع النفطي على حاجز 100 مليار دولار في الفترة موضع الدراسة، أي حتى العام 2022. تشمل توجهات مستثمري القطاع الخاص ضخ أموال في العديد من القطاعات الحيوية بما في ذلك الضيافة.
وقد تضاعف حجم الناتج المحلي الإجمالي القطري تقريبا في غضون السنوات الأربع الماضية على خلفية التطورات المتلاحقة في القطاع النفطي على وجه الخصوص. وربما حان الوقت لممارسة القطاعات غير النفطية دورها الطبيعي عبر الحفاظ على النمو والتميز الاقتصادي من خلال تنفيذ مشاريع متنوعة.
وفي هذا الصدد يعتقد صندوق النقد الدولي وهو محق في ذلك بأن الاستثمارات المركزة في البنية التحتية سوف تحقق أهدافا تشمل تأصيل التنوع الاقتصادي ورفع مستوى مساهمة القطاع الخاص في الحياة التجارية. كما يرى الصندوق أن الفوائد تتعدى الشأن الاقتصادي المحلي إلى الصعيد الدولي من خلال تحويلات العمالة الأجنبية.
فمشروع مترو الدوحة لوحده سوف يوفر 20 ألف فرصة عمل لحين الانتهاء منه في العام 2019. ومؤكدا، سوف تذهب غالبية فرص العمل هذه للعمالة الأجنبية.
ولا غرابة، يتوقع حفاظ قطر على نسبة النمو المرتفعة للسكان لفترة زمنية على أقل تقدير. فاستنادا إلى مؤسسة ستاندارد أند بور المتخصصة في التقييم الائتماني والتي تتابع تطورات الاقتصاد القطري من خلال منحه الدرجات الائتمانية، سوف يبلغ النمو السكاني في حدود 6 في المائة سنويا لحين العام 2016.
وطالما الحديث عن العمالة الأجنبية، يتميز الاقتصاد القطري بتوفير فرص العمل لعدد كبير من العمالة الوافدة من عشرات البلدان من العالم، خصوصا قارة آسيا مثل الهند.
وتؤكد الإحصاءات المتوافرة، بأن العمالة الوافدة تمثل نحو 93 في المائة من حجم القوى العاملة في البلاد. ويمكن تفهم عمل نسبة كبيرة من العمالة المحلية في الدوائر الرسمية والمؤسسات التابعة للدولة.
يعتقد بأن الأجانب يشكلون 87 في المائة على أقل تقدير من مجموع السكان الأمر الذي يضيف للتميز القطري من خلال الانفتاح على العالم. فضلا عن الجانب الاقتصادي والوظيفي، يضيف الأجانب لموضوع التنوع الثقافي. وربما لا يشعر الكثير من الأجانب العاملين في قطر بأنهم يعيشون في غربة نظرا لتوافر الأمور الثقافية المرتبطة بأوطانهم مثل المطاعم.
من جملة الأمور، يؤكد مستوى النمو السكاني بأن الاقتصاد القطري سوف يبقى مدعوما من متغير الاستهلاك وليس فقط الاستثمار.
وفي المحصلة، يتوقع أن تساهم الأنشطة المرتبطة بكأس العالم في تحقيق تنوع في الاقتصاد المحلي، فضلا عن تعزيز دور القطاع الخاص وهي كلها من الأهداف الاقتصادية النبيلة.
دور تركيا في أمن الخليج
يمثل اتفاق الدفاع الذي وُقّع أمس في منطقة الخليج تطوراً مهماً بالنسبة إلى الدور الذي يمكن أن تضطلع... اقرأ المزيد
33
| 08 أغسطس 2026
هل ندرك الخطر؟
الخليج يعيش أصعب مراحله السياسية والاقتصادية نظراً للظروف التي فُرضت عليه من قِبَل أمريكا والكيان الصهيوني المحتل، هذا... اقرأ المزيد
30
| 08 أغسطس 2026
اتفاقية مكة.. هل تشكل نظاماً أمنياً رادعاً؟
نضجت "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بعد عام من المفاوضات بمزج قدرات وإمكانيات ثلاث قدرات قوى مؤثرة في العالم... اقرأ المزيد
33
| 08 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8352
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4791
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2376
| 01 أغسطس 2026