رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دخلت معاناة السوريين مرحلة جديدة من العذاب بعد الإعلان الصريح بدعم نظام بشار الأسد عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا ولوجستيا من جانب النظام الإيراني، وكذلك تراجع الولايات المتحدة الصريح بعدم دعم المعارضة والجيش الحر بالسلاح والمال. فواشنطن ادعت أن التدخل العسكري الأمريكي المباشر في سوريا على غرار النموذج الليبي سيضر الولايات المتحدة وسيزيد من العداء تجاهها بين العرب والمسلمين. وأعتقد أن هذا الكلام محض افتراء، فواشنطن وهي تعترف بأن الكارثة الإنسانية في سوريا واقع لا يمكن إنكاره، وأن نظام بشار الأسد قتل الآلاف من الشعب السوري، لاسيَّما وأنه يقاتل من أجل البقاء.. نراها تحذر من أن الدعوات التي وصفتها بـ"الخاطئة" لإجراء تدخل عسكري أمريكي في سوريا، لن ينتج عنها سوى الكثير من التداعيات. لماذا؟!
فإيران التي استضافت أخيرا قمة عدم الانحياز، أقسمت بأغلظ الأيمان أنها ستدعم سوريا خلال تلك القمة، ورأينا كم كانت طهران تمارس سياسة الانحياز بعينها وليس عدم الانحياز، أي أن القمة جاءت على غير الهدف منها أو مسماها الطبيعي.
الغريب أن سوريا كانت محطة رئيسية ومهمة لمسؤولين إيرانيين عديدين قبيل انعقاد القمة، وخرجت تصريحات من قلب دمشق منحازة تماما للنظام السوري ضد الشعب، فمثلا خرج المدعو علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الأمن القومي بتصريحات غاية في الصفاقة في دمشق وفحواها كلها " أن أمن سوريا من أمن إيران.. وعلى هذا الأساس كنا وسنكون إلى جانب الإخوة السوريين". الإخوة السوريون الذين يقصدهم ويعنيهم بروجردي هو النظام ومن يقف معه من السوريين، وليس بقية الشعب الذي يتألم ويموت ويتعذب ويعيش في الخيام في مراكز الإيواء ومعظمه بات بلا مأوى. ثم يدعي المسؤول الإيراني أن طهران ستطرح مبادرة سياسية للحوار بين السوريين ووقف نزيف الدم.
وبينما كان بروجردي في دمشق يؤكد دعم إيران للأسد، لم تغفل العاصمة طهران عن تسريب أنباء عن تحركات لإنقاذ حليفها السوري، ليعلن حسين طالب رئيس دائرة استخبارات الحرس الثوري الإيراني أنه على بلاده مسؤولية دعم حكومة الأسد وعدم السماح بكسر خط المقاومة والممانعة، على اعتبار أن جيش الأسد يمثل المقاومة وأن المعارضة السورية هي الجهة الظالمة والغاشمة والمعتدية. وهذا ما أكده أيضاً تقرير للأمم المتحدة بأن إيران تدعم نظام بشار الأسد بتقديم أموال وأسلحة لسحق معارضيه. وقد أثبتت تحريات الجيش السوري الحر في وقت سابق أن المواطنين الإيرانيين المختطفين في سوريا هم أعضاء في الحرس الثوري الإيراني، أي مرتزقة ذهبوا إلى دمشق لحماية الأسد.
والأخطر أن مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي أوعز صراحة في شكل تعليمات وأوامر مباشرة إلى الجنرال قاسم سليمان قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري بشن هجمات ضد الغرب وحلفائه في مواجهة مخاطر سقوط نظام الأسد.
أما من ناحية أمريكا.. فواشنطن تدعي على لسان ما ورد في صحيفة واشنطن بوست أن تدخلها عسكريا من شأنه أن يزيد من عدد الخسائر البشرية خاصة من المدنيين.. وترك البيت الأبيض ووزارة الخارجية الصحيفة الأقرب إلى الحكومة لتوجيه الأسئلة والأجوبة حتى تبتعد الإدارة الأمريكية عن الالتزام بما يقال على المستوى الإعلامي. فقد تساءلت الصحيفة: " ما هو حجم عمليات القصف المطلوبة من القوات الجوية الأمريكية حتى يتم تدمير المضادات الجوية التي يمتلكها نظام الأسد؟".. وإذا كان البيت الأبيض هو الذي أوعز للصحيفة بتوجيه السؤال، فطبيعي أنه نفسه الذي يضع الردود والأجوبة التي جاءت على شاكلة أن الحملة العسكرية المطلوبة يجب أن تكون مستمرة وليست لمرة واحدة، وأن تلك الحملة قد تتعرض لمشكلات تتمثل في احتمال أن يخفي نظام الأسد العديد من دفاعاته الجوية في مناطق آهلة بالسكان في البلاد، مما سيسبب المزيد من الخسائر البشرية بين المدنيين.
بمعنى آخر، تذرعت الولايات المتحدة بالسكان والمدنيين، رغم أن طائراتها دون طيار تدك مواقع سكنية في أفغانستان وباكستان، ولا تلقي بالا للسكان في مثل تلك العمليات القذرة، مع اعتراضنا بطبيعة الحال لتعريض المدنيين لأي عمليات عسكرية قد تودي بحياة إنسان واحد.
وأشارت الصحيفة إلى أن التدخل العسكري الأمريكي في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا -بلد مسلم آخر- قد يشكل خطرا كبيرا على الولايات المتحدة حيث سينظر إليها فيما بعد بأنها السبب الرئيسي وراء قتل الآلاف من أبناء الشعب السوري جراء هذا القصف، لذا رأت -الصحيفة- أنه ليس هناك من سبب وجيه لهذا التدخل، وعلى واشنطن مقاومة إجراء أي تدخل ما لم يمكن لها أي مصلحة وطنية هناك.
والأهم أن ما جاء في الصحيفة الأمريكية فضح واشنطن صراحة، نظرا لما أسفرت عنه نتائج الاستخبارات والتحليلات الأمريكية بأن المعارضة السورية عندما تتمكن من الإطاحة بنظام الأسد القمعي، فهي لن تعير الولايات المتحدة اهتماما.. وبالتالي، لماذا تدعم أمريكا تلك المعارضة في الوقت الراهن طالما أنها لن تستفيد منها لاحقا كعادة الأمريكيين الذين يريدون الاستفادة من كافة المواقع وفي أي وقت.
ثم يزعم الأمريكيون أن السبيل الوحيد لدعم المعارضة السورية ليس بالدعم العسكري المباشر وإنما بإمدادهم بالمعلومات المخابراتية بشأن مواقع قوات الأسد وتحركاتها بهدف إنهاء الحرب الأهلية، ولأن مثل هذا الدعم المعلوماتي غير المباشر عسكريا يتفق مع المصالح القومية للولايات المتحدة. والسؤال هنا، إذا كانت أمريكا تتخوف من التدخل عسكريا ليقينها ربما في فشل هذا التدخل والتعرض لفضيحة إذا تعرضت مقاتلاتها أو أسلحتها للانهيار أمام القوة العسكرية للنظام السوري، فكيف يتسنى لجيش يتكون من هواة وبعض المحترفين من هزيمة جيش نظامي عتيق وضخم تموله الدولة نفسها. ثم لماذا تدخلت أمريكا في ليبيا رغم المناطق المأهولة بالسكان ووقوع قصر العزيزية مقر سكن القذافي في قلب العاصمة طرابلس. ولماذا لم يمنعها هذا من قصف القصر ومحيطه السكني بالطائرات العسكرية والصواريخ البحرية عن بعد؟!
المؤكد أن أمريكا ترفض التدخل حتى يتعرض الجيش السوري إلى حالة إنهاك تامة وانهيار حتى لا تقوم له قائمة، وبحيث إن نظاما جديد يأتي لا يستطيع مواجهة إسرائيل أو التفكير في استعادة الجولان، لأن هذا الأمر سيتطلب وقتا كبيرا وأموالا ضخمة واستعدادات قد تطول.
إجمالا.. فقد رأينا إيران تحاول ابتلاع سوريا كآخر خط مواجهة مع أمريكا والغرب وعلى اعتبار أن سقوط سوريا سيقطع عنها خطوط الإمداد المشبوهة لحزب الله. والحال كذلك، فإن الولايات المتحدة تجتهد أيضاً لابتلاع سوريا الضعيفة بعد سقوط الأسد لتقدمها فريسة سهلة للإسرائيليين. وهنا مكمن المعضلة السورية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10416
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3480
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2496
| 08 سبتمبر 2026