رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يختلف علماء التربية في رد الموهبة إلى أصل مادتها اللغوية ممثلة في المصدر الثلاثي (هبة)، كما لا يختلفون في أن الهبة مرجعها إلى الله الوهاب سبحانه وتعالى.
ولكنهم يختلفون فيما يلابس هذا اللفظ من مفردات تشاركه الدلالة على التفرد وروعة الإنجاز. فيذكرون التميز Distention ويذكرون الذيوع أو الاشتهار Eminence ، ويذكرون الموهبة Giftedness أو العطاء Talent أو الإبداع Creativity أو العبقرية Genius ، وكل هاتيك المفردات تصب في خانة واحدة هي تمكن عقل المرء من تقديم الجديد المبهر في أي مجال من مجالات العمل، فالتفوق العقلي Mental Superiority هو القاسم المشترك الأعظم بين تلك المفردات المتناطحة حيناً، أو المتآلفة في أكثر الأحيان.
وقد يلحظ قارئ البحوث التربوية الحديثة أن الإنجليزية المعاصرة – وبخاصة في كتابات الأمريكيين- تجافت عن كثير من المفردات السابقة، ولم تعد تستعملها، واكتفت بلفظ واحد منها هو التفوق العقلي أو الموهبة.
وقد يلحظ قارئ البحوث التربوية العربية أن باحثينا العرب يستنزفون كثيراً من أحبارهم وأوراقهم وجهودهم وأوقات قرائهم في الرجوع إلى المعاجم العربية القديمة التي ترد بعض هاتيك المفردات إلى قوى غيبية كالجن أو الشياطين. فيتحدثون عن "وادي عبقر" الذي تسكنه الجن، وتصيب من يلم به بشيء من المس يجعله "عبقرياً" فذا لا يقاس به أقرانه. ويتحدثون عن أولئك الشياطين الذين يشاطرون الشعراء أرواحهم –وربما أجسادهم !!- فيلهمونهم ما يقولون من شعر تتجلى فيه أرقى صور الإبداع، كما قال قائلهم:
إني، وكل شاعر من البشر شيطانه أنثى، وشيطاني ذَكَرْ!!
غير أننا لن نخوض في تلك السفسطة اللغوية التي لا طائل من ورائها ولنقل –ببساطة- إن العبقرية والنبوغ والإبداع والتفوق والابتكار والموهبة ألفاظ متقاربة الدلالة. فكأنهم بشرٌ بنو عمومة أو أبناء عَلاَّت!! ونكتفي بلفظ (النبوغ) ليتحدث باسم أبناء عمومته أو بني علاته جميعاً، وهنا نسألأ : من أين يأتي النبوغ؟ وكيف ملحظه؟
منابع النبوغ:
تنمو قدرات الطفل، وتظهر مواهبه في سن مبكرة، وهناك دراسات حديثة تشير إلى أن هناك بيئات أسرية توفر للأطفال الجو المناسب للتميز والإبداع، وتتميز تلك البيئات بأنها "مشاتل" – بلغة الزراعيين- تنمو فيها الموهبة وتترعرع. كما أثبتت دراسات أخرى أن المدارس، ولاسيما الأولية منها، تساعد الموهوبين من الأطفال على إبراز تفوقهم إذا أحسنت تربيتهم، وقد تتسبب – إذا لم تع رسالتها حق الوعي- في كمون مواهبهم، أو تشردهم أو إخفاقهم الدراسي.
على أنه يجب الانتباه إلى أن التفوق الدراسي، وارتفاع معدل التحصيل ليس مؤشراً دائماً على النبوغ والعبقرية، فقد يكون مجرد نتيجة لجهد مبذول في الحفظ وإتقان مهارات الإجابة.
أما المنابع الحقيقية للنبوغ فيمكننا إجمالها فيما يلي:
1- الأسرة الصالحة:
ونعني بها الأسرة التي توفر لأطفالها قدراً كبيراً من التشجيع لكي يظهروا قدراتهم، وتلبي حاجاتهم النفسية للظهور والشعور بالأمان والثقة بالنفس، وهنا يجب أن ننبه إلى بعض المزالق التي تقع فيها بعض الأسر فتعوق إبداع أبنائها، وتلقي بهم في مهاوي الانزواء والانطواء والنكد، فتتوقف قدراتهم العقلية عن النمو، وتنكسر أجنحة طموحهم، فيمكثون حيث هم. ومن هذه المزالق أو الخطايا التربوية:
أ- ارتفاع مستوى طموح الوالدين كثيراً عن مستوى قدرات أطفالهم العقلية. فهذا الأب يصر على أن يلتحق ابنه بكلية الطب أو الهندسة، والابن لا يحب الرياضيات أو العلوم التطبيقية، بل يميل –بفطرته- إلى الآداب والفنون مثلاً، فينشأ عن هذا التعارض في الرغبات، شعور بالعجز لدى الطفل عن تلبية رغبة والده، فتتحطم نفسيته وقد يفشل تماماً في حياته.
ب- التذبذب في معاملة الأطفال. بالرضا المبالغ فيه حيناً، والسخط الشديد حيناً آخر.
ت- التفرقة بين الأبناء.
ث- المبالغة في العقاب عند وقوع الخطأ من الطفل.
فعلى الأسرة التي تريد أن تكون (محضناً) للموهبة، ومنبعاً من منابع النبوغ، أن تتفادى الوقوع في الخطايا التربوية السابقة، لما سيكون لها من أثر نفسي مدمِّر لمعنويات الطفل وطموحه.
2- الثقة بالنفس:
إن أعظم عائق يعوق النبوغ هي الخنوع والانكسار والشعور بالعجز والضعة، فهذه الأحاسيس –الناجمة غالباً عن قهر نفسي أو اجتماعي- محبطة بل ومدمرة. والفرد الذي يعاني أياً من تلك الأحاسيس السلبية، يتعذر عليه أن يبدع أو يبتكر، فالنفس المثقلة بمشاعر الإحباط لن تتمكن من إظهار مواهبها.
وعلى العكس من ذلك، فإن الفرد الذي يثق بنفسه، يستطيع في كل مواقف حياته أن يعبر عما يجيش بصدره، ونراه دائماًَ سبّاقاً إلى التنافس، مبادراً، متحكماً في انفعالاته، مبدعاً، مجدداً في أفعاله، ابتكارياً في ردود أفعاله، شديد الذكاء في تعبيره عن نفسه وعن أفكاره، يتمتع بقدرة عالية على تجاوز المخاطر وامتصاص صدمات الحياة ومفاجآتها.
ومن هنا قلنا إن الثقة بالنفس منبع أصيل من منابع النبوغ والعبقرية. وحتى تتوفر للفرد ثقة كبيرة بنفسه، يجب أن يحرص – طول الوقت- على صفاء الذهن، ويجب التخلص من ركام المعاناة النفسية التي قد تصادف مسيرته أو تهدد طموحه. ويمكن للأسرة غرس الثقة بالنفس في شخصيات الأبناء بتعويدهم على التصرف في المواقف المختلفة بحرية، وتكليفهم القيام بمهام تتناسب مع نموهم وقدراتهم من حين لآخر حتى يتعودوا تحمل المسؤولية فتزداد ثقتهم بأنفسهم.
3- الدافعية للإنجاز:
محدودو الطموح يستحيل أن يكونوا من الموهوبين النابغين، فالموهبة والنبوغ لا ينبعان إلا من نفسية طموحة، وقلب جسور، وهمة عالية، وقديماً قال المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم
وقال أبو العلاء المعري:
وإني- وإن كنت الأخير زمانه- لآتٍ بما لم يستطعْهُ الأوائلُ
والمعنى أن الإنسان يجب عليه دائماً أن يتغيا أشرف الغايات وأسماها، وأن يتطلع إلى أعلى الأهداف، فهذا من شأنه أن يحفزه نحو المزيد من العمل والاجتهاد فتظهر مواهبه، وتتجلى قدراته، وتُشحذ همته، فيبدع ويتألق.
4- تعلم القراءة مبكراً:
بالرغم من تزايد منافسات القراءة من وسائل المعرفة التقنية، فما يزال الكتاب أو المجلة أو الصحيفة مصدراً أفضل من مصادر المعرفة. وكلما بدأ الفرد مبكراً في تعلم القراءة، ازدادت فرصته في النبوغ والتفوق، لأن القراءة مهارة تتضمن مهارات، وعملية تحفل بعمليات عقلية مركبة، وإذا تأملنا تاريخ كثير من علمائنا في القديم والحديث، وجدنا أكثر النابغين تعلموا في مكاتب تحفيظ القرآن الكريم، حين كان الأطفال يلتحقون بها بدءاً من السنة الرابعة من العمر، فيتعلم الطفل حروف الهجاء أولاً، ثم الكتابة، ثم يبدأ في حفظ القرآن الكريم، وقد يقطع فيه شوطاً قليلاً أو كثيراً –حسب قدراته- قبل السادسة.
ومن تراث علم النفس المعاصر تلك التجارب التي أجراها عالم النفس (ثيرمان) على مجموعة من النابغين عايشهم خمساًَ وثلاثين سنة مراقباً لسلوكياتهم ومتابعاً لنمو مواهبهم. فقد توصل (ثيرمان) إلى أن 2% من مجموع هؤلاء النابغين وعددهم (1528) ثمانية وعشرون وخمسمائة وألف موهوب، تعلموا القراءة قبل السنة الثالثة من أعمارهم، وأن ستة بالمائة 6% منهم تعلموا القراءة قبل السنة الرابعة، وأن عشرين بالمائة 20% تعلموا القراءة قبل سن الخامسة، وأن ثلاثة وأربعين بالمائة 43% تعلموا القراءة قبل سن السادسة. وإلى مثل نتائجه أو قريباً منها توصل غيره من علماء النفس المعاصرين. مما يدل دلالة قاطعة على أن التميز والنبوغ مرتبط بالتعلم المبكر للقراءة. ولا عجب في هذا فالقراءة منبع ثري من منابع المعرفة، وبالمعرفة تتفتق الأذهان، وتستثار الدافعية للإنجاز، ويتحفز الفرد لتنمية ذاته، وتحقيق السبق على أقرانه.
هذه هي أهم منابع العبقرية والنبوغ، أو بتعبير آخر : هي البيئات التي تتعلق فيها بذرة النبوغ وتتفتح، ويكون الباقي هو التعهد والرعاية حتى تنمو وتترعرع وتؤتي أكلها بإذن ربها بعد ذلك برعاية من الفرد نفسه لنفسه، ومن الأسرة ومن المدرسة.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف تلاحظ الأسرة أو المدرسة أنها أمام "مشروع" عبقرية؟ أو أنها أمام إنسان يمكن أن يكون في يوم من الأيام من مشاهير النوابغ؟ وهذا ما ستجيب عليه الفقرة التالية:
سمات المبدعين والنوابغ:
لكل عبقرية مقدمات، ولكل نبوغ شواهد، ولكل تميز مؤشرات، ومهمة الوالدين والمعلمين مراقبة أطفالهم. فإذا آنسوا في الطفل شيئاً من ذلك، كان عليهم أن يعاملوه معاملة خاصة، ولكنها معتدلة، فلا يصح أن تدفعهم فرحة العثور على مؤشر من مؤشرات التميز، أو علامة من علامات النبوغ، إلى الإفراط في تدليل هذا الطفل، أو إغراقه بالحنان أو تفضيله على إخوته بصورة ملحوظة. بل إن الواجب عليهم أن يحققوا له قدراً أكبر من الحرية، والشعور بالمسؤولية، لتزداد ثقته بنفسه، ثم إن عليهم أن يوفروا له مطالبه جهد طاقتهم. فالشاعر القديم يقول في هذا المعنى:
وإذا رأيت من الهلال نموّه أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً
ومن علامات العبقرية:
1- النضج الاجتماعي:
يبدأ النمو الاجتماعي مع الطفل بعد نحو ستة أشهر من مولده، حين تبدأ عينا الوليد التركيز فيمن يحيطون به من الوالدْين والإخوة والأجداد، وينمو الطفل اجتماعياً عاماً بعد عام، فيبدأ سلوكه الفردي في التطور حتى يكتمل نضجه الاجتماعي مع اكتمال عامه الثامن عشر، ويكون بذلك قد اكتسب – بفعل التنشئة الاجتماعية- قواعد السلوك المقبول اجتماعياً، فأصبح يمارس حياته بوعي كامل، فيتفادى ما لا يقبله الآخرون، ويقبل على ما يحببه إلى مخالطيه.
ويتفوق بعض الأطفال على بعض في النضج الاجتماعي، فهناك من يتميز بالكياسة واللباقة فيكتسب محبة الآخرين وتقديرهم بسهولة وسرعة، وهناك من يغلب عليه الجموح، والعنف، وسوء التصرف، فتتكون إزاءه اتجاهات سلبية من مخالطيه من الأهل والزملاء والصحاب.
والنجاح في إدارة الحياة بمهارة وكفاءة دليل على قوة النضج الاجتماعي وسلامته من العيوب، ومن ثم فهو مؤشر من مؤشرات العبقرية والنبوغ، فقد أثبتت دراسات نفسية متعددة في الشرق والغرب أن من حققوا نبوغاً ملحوظاً، تبين من دراسة تواريخ حياتهم أنهم كانوا ناضجين اجتماعياً بصورة واضحة.
2- قوة الذاكرة:
تعد قوة الذاكرة مؤشراً واضحاً من مؤشرات النبوغ والعبقرية، فإذا لاحظت الأسرة أن أحد أبنائها قوي الذاكرة، سريع الحفظ، فيجب عليها –وكذلك المدرسة- أن تدرك أنها أمام موهبة جديرة بالرعاية.
ويروى أن أبا العلاء المعري كان يحفظ من كلمات العربية أضعاف ما في معجم (لسان العرب) على ضخامته. . ويروى عنه طرائف كثيرة في مجال قوة الذاكرة، فقد فقالوا إنه سمع شاعراً شاباً في الشام حيث كان يعيش، وسأله الشاعر الشاب عن رأيه في شعره الذي سمعه، فقال له أبو العلاء:"أنت أشعر مّنْ بالشام". وبعد عشر سنوات كان أبو العلاء في رحلة إلى بغداد – مقر الخلافة العباسية- وكان ذلك الشاعر قد ذاع صيته، وانتقل إلى البلاط العباسي، فلما سمعه أبو العلاء، وانتهى الشاعر من إنشاد قصيدته سأل أبا العلاء عن رأيه فيما سمع، فقال أبو العلاء" . . ومَنْ بالعراق!!" أي أنك : أشعر من بالشام ومن بالعراق!! ، فاستخدم " واو" العطف ليعطف به جملة حالية على جملة قالها قبل عشر سنوات!!
3- حب الاستطلاع :
ومن علائم النبوغ أيضاً: حب الاستطلاع، فإنه سمة أثبتت الدراسات العلمية توفرها في المبدعين والنوابغ، فحب الاستطلاع يدل على رغبة الفرد في اكتشاف أسرار ما حوله، والتنقيب عن كل كبيرة وصغيرة، وفي هذا تنشيط لقدرات العقل لكل تعمل وتربط الأسباب
بمسبباتها، والحركات بدوافعها.
4- الميول العلمية:
والميول العلمية أيضاً من مؤشرات العبقرية وتظهر في سلوكيات الطفل، حين تلحظ الأسرة، أو المدرسة، ميله إلى الفك والتركيب، وممارسة العمل اليدوي، والعبث في الأجهزة والأدوات بشغف ومحاولة للفهم والإدراك. وفي هذا السياق تشير الدراسات إلى أن من المهم ترك الأطفال على سجيتهم حين يقومون بهذه الممارسات مع مراقبتهم من بعيد خشية أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة وهم لا يشعرون.
ففي الحالات الأربع السابقة يجب على الأسرة والمدرسة أن تدرك أنها أمام حالات من النبوغ تحتاج إلى فرص الإظهار والتشجيع حتى تؤتي ثمارها.
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1322
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7877
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4197
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7266
| 11 أغسطس 2026
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
3066
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2181
| 16 أغسطس 2026