رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فجأة تحولت روسيا إلى رقم شديد الأهمية، في المعادلة السورية، لاسيَّما على الصعيد العسكري، بعد أن قام سلاحها الجوي بشن سلسلة من الغارات العنيفة على مواقع للمعارضة السورية وليس تنظيم داعش فحسب، وفق ما أعلن من قِبَل موسكو، الأمر الذي وضع الأزمة السورية على سكة مغايرة تماما، لما كان سائدا خلال السنوات الأربع المنصرمة منذ اندلاعها في مارس 2011، على نحو سيقود إلى إعادة بناء مفردات المشهد السوري، وتفاعلاته الداخلية وتحالفاته الإقليمية والدولية، فضلا عن دفعها إلى المزيد من التعقيد وربما خلط الأوراق، وإن كان الهدف الرئيسي منها هو حسم الصراع لصالح الإبقاء على نظام بشار الأسد.
ولا ريب أن الحضور الروسي، عسكريا وسياسيا، في سوريا، أسهم – ضمن عوامل أخرى داخلية وإقليمية - في تعميق التناقضات القائمة بين موسكو من ناحية وواشنطن من ناحية أخرى، والتي تسببت خلال السنوات الخمس الماضية في ديمومة النزاع في سوريا بصورته الدموية، مما أسفر عن مقتل أكثر 300 ألف مواطن سوري، فضلا عن جرح وإصابة، وفقدان مئات الألوف ولجوء ونزوح أكثر من 13 مليون سوري، تفاقمت معضلة هجرتهم إلى الخارج في ظل حالة التسول بالمنافي البعيدة في الآونة الأخيرة، على نحو خلق معضلة على المستوى الدولي.
وتمكن في هذا السياق الإشارة إلى عدد من الملاحظات:
أولا: ليست هذه المرة الأولى التي تقدم فيها موسكو دعماً عسكرياً لدمشق، ولكنها المرة الأولى التي يحمل فيها هذا الدعم سمة "التدخل العسكري" المباشر.
ثانيا: إن ما جرى مؤخرا من إرسال قوات جوية، فضلا عن إرسال وحدات عسكرية برية - وفقا لتقارير استخباراتية أمريكية- يشير إلى أن الموقف الروسي تجاه التطورات في سوريا بات أكثر قوة ووضوحاً، من خلال الاعتماد على منهجية التدخل العسكري المباشر، كخيار أخير، دفاعاً عن الحليف الإستراتيجي، وهذا يتفق مع التحليلات القائلة إن الدفاع عن دمشق هو دفاع عن موسكو، فدمشق هي آخر منطقة نفوذ روسي في الشرق الأوسط، وحصارها أو إسقاط نظامها يعني حصار أو إضعاف الحليف الآخر الإيراني، وبالتالي فحصار طهران يعني تهديداً لموسكو.
ثالثا: يعكس التشبث الروسي بسوريا ومن خلالها بالبحر الأبيض المتوسط، حقيقة يتعين وضعها في الحسبان، تكمن في ألا شيء في هذه اللحظة يفوق أهمية المتوسط في حسابات روسيا الجيوسياسة، فهذا البحر هو بوابة أوروبا والبحر الأسود، واستتباعا روسيا ذاتها، إنه الخاصرة الرخوة للأمنين الأوروبي والروسي على حد سواء، وهنا يلفت الخبراء إلى أن الصراع الدولي على البحر الأبيض المتوسط يُمثل أحد عوامل التمسك الروسي بسوريا منذ العهد السوفيتي وحتى يومنا هذا، لأهميته الإستراتيجية للقوى العظمى، وكانت مجموعة من القطع البحرية الروسية موجودة بصفة مستمرة في البحر المتوسط إبان الحقبة السوفيتية، وتحديدا منذ عام 1967، وفي حسابات التاريخ والحاضر معا، لا يُمكن فصل حالة الأمن في البحر الأسود عن الوضع السائد في البحر المتوسط، وبمنظور القوى الكبرى، فإن من يخسر في أي من البحرين يكون قد خسر بالضرورة في البحر الآخر، ومن يتقدم في أحدهما يتقدم في الآخر، بالضرورة أيضا، وهذه معادلة تدركها روسيا والقوى الغربية على حد سواء.
وهنا، يبدو من المفيد التذكير بأن البيئة الجيوسياسية للبحر الأسود قد تغيّرت على نحو جوهري، قياسا بما كانت عليه حتى الأمس القريب، ذلك أن بلغاريا ورومانيا أصبحتا عضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما أصبحت أوكرانيا وجورجيا دولتين مستقلتين، ومن ثم فقد بات البحر الأسود منطقة نفوذ أطلسية، تضررت فيها مكانة روسيا ودورها التاريخي، وكان هذا أحد العوامل الدافعة باتجاه تعزيز موقع البحر المتوسط واستتباعا موقع سوريا في السياسة الروسية الراهنة.
رابعا: ثمة من يلفت الانتباه إلى أن هذا الانخراط الروسي المباشر في ملفات الأزمة السورية قد يكون ينطوي على هدف مستتر يتجسد في توفير معادلة جديدة على الأرض لصالح النظام القائم في دمشق على نحو يدفعه بعد شعوره بالاطمئنان إلى الدخول في عملية المفاوضات حسب الخطة التي اقترحها مؤخرا ستيفان دي ميستورا المبعوث الأممي الخاص لسوريا للتوصل إلى حل سياسي وهو مدعوم إقليميا ودوليا، وتجلى ذلك في اتساع نطاق الاتصالات والمباحثات واللقاءات التي جرت مؤخرا بشأن الأزمة السورية، التي هيمنت على الأجندة الدولية مع افتتاح الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وإن بدا بوضوح وجود انقسام حاد حول كيفية معالجة هذه الأزمة، ورغم ظهور ما يشبه الإجماع العالمي على تبني الحل السياسي، إلا أن الخلافات تعمقت بشكل واضح حول مصير رأس النظام بشار الأسد وبقائه في السلطة، والأهم من ذلك أنها أظهرت غياب الدور والفعل والتأثير العربي وتركت القضية مفتوحة للتفاوض بين الغرب والشرق، ولاشك أن مقدمات هذا الانقسام كانت موجودة وقائمة بالفعل على مدار السنوات الماضية، ولكنها لم تصبح مقلقة، إلا بعد الدخول الروسي بقوة على خط الصراع، واللافت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توجه إلى الأمم المتحدة، - وهو أمر نادر بالنسبة إلى القادة الروس وقبلهم السوفييت - متسلحاً بإجراءات على الأرض من بينها إرسال طائرات حديثة وأسلحة نوعية ومتطورة إلى سوريا، ومبدياً استعداده لمحاربة الإرهاب، وإصراره على التمسك ببقاء بشار الأسد في السلطة، وعلى أن محاربة الإرهاب لا تتم دون إشراك الجيش السوري النظامي، وهي كلها رسائل تؤكد عزم الكرملين على كسر أحادية القيادة الأمريكية للعالم، وتمهد لإدخال الأزمة السورية إلى مسار الحل السياسي، ولو كان ذلك بالنار.
خامسا: في الوقت نفسه ثمة من يرى أن هذا التدخل الروسي العسكري المباشر، قد يفضي إلى إطالة أمد الصراع في سوريا، في ضوء ما هو متوقع من قيام الولايات المتحدة ودول الغرب بتزويد حلفائهم من المعارضة السورية، بأسلحة هجومية فتاكة كانت ممنوعة عليهم في السنوات الماضية، مما يمنحها القدرة على الاستمرار في المواجهة مع قوات الجيش الحكومي، وفي الوقت نفسه قد توسع من دائرة التطرف والأصولية في سوريا ردا عليها من قبل التنظيمات المتطرفة والإرهابية العاملة على أراضيها، خاصة أن الخطوة الروسية قوبلت بمعارضة شديدة من قبل أطراف إقليمية ودولية، لها ارتباطاتها مع قوى المعارضة، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا والسعودية وقطر، والتي أصدرت بيانا مشتركا الأسبوع الماضي في نيويورك عبر عن قلقها الشديد من الغارات الروسية، التي أوقعت ضحايا مدنيين ولم تستهدف تنظيم داعش.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
102
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
90
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
63
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2772
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2046
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
726
| 25 يناير 2026