رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أدركَ الفلسطينيون في السَّنوات الأخيرة أنَّ عليهم أنْ يتحرَّكوا شمالاً وغرباً؛ بحثاً عن الدَّعم لقضيَّتهم العادلة.. أدْرَكوا ذلك بَعْد أنْ شعروا بأن إخوانَهم العَرَب انشغلوا عن "قضيَّتهم المركزيَّة" بحُروب داخليَّة مَفْروضة عليهم من وَرَاء البحار، يخُوْضونها بهمَّة وعُنفوان رغم عبثيَّة تلك الحروب، واستنزافها لمواردهم في غَيْر طائل، ودُون جدوى.
... تجرَّع الفلسطينيون الحقيقة المرَّة؛ وهي: أنَّ أشقاءهم العرب في حالة من التشرْذُم، ومُنهكون جرَّاء الاقتتال الدَّاخلي، والانزلاق إلى دوَّامة الخسران والتيه في صَحَراء العُنف الطَّائفي، والمذهبي، والإثني.
وهُم في هَذَا الوَضْع المُزري أضعف من إنقاذ أنفسهم، ناهيك عن إغاثة فلسطين، أو التجاوب مع صَرْخة الأقصى "الجريح" التي يتردَّد صَداها في الأفق مع كلِّ اعتداء إسرائيلي جديد: "واعرباه!!".
تركوا المحتلَّ يعيثُ فساداً في أرض فلسطين، وأخلوا الساحة للعدو ليتمدَّد كَيْفما شاء؛ يتوسَّع في بناء المُستوطنات، ويدنس باحةَ الأقصى المقدَّس، دُوْن خوف أو وَجَل؛ لعلمه أنَّ العرب مُنشغلون عنه بصراعاتهم الداخليَّة، وفي تصفية حساباتهم فيما بينهم.
وكذلك أدرك الفلسطينيون أنَّ انتظارهم سيطول فيما لو جَلَسوا على قارعة رصيف الأحداث، في انتظار "جودو" العربي؛ لذا بادروا بالتحرُّك تارة صَوْب الأمم المتحدة والمنظَّمات الدوليَّة، وتارات أُخَر نحو الشمال والغرب، يُخاطبون الضَّمائر الحيَّة بلغة عَدَالة القضيَّة التي لا تقبل التشكيك، ولا تحتملُ الجَدَل، بل واضحة وُضُوح الشَّمس في رابعة النهار.
وقبل أيامٍ، جاء اعترافُ السويد رسميًّا بالدولة الفلسطينيَّة لتصبح بذلك أول دولة من غرب أوروبا يكون لها قصب السبق في هذا الأمر؛ مما يُشكل نصراً سياسيًّا وقانونيًّا للقضية الفلسطينية العادلة، ويُمثل قوَّة دفع إضافية لمسيرة التحرُّر الفلسطيني.
ويُمكن النظر إلى اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية باعتباره إحدى ثمار التحرُّك الفلسطيني من جهة، ودليلًا على يقظة ضمير أبناء هذه الدولة الإسكندنافية، الذين لم يرضخوا للوعيد الإسرائيلي، ولم تُرهبهم نبرة واشنطن "الاستعلائية"!
لقد ظلَّ الغرب -لأكثر من خمسين عاماً- أسرى عُقدة "الشعور بالذنب" التي تم نسجها كأسطورة مؤسسية؛ وهي: العداء للسامية، وجَرَى تحت تلك الذريعة تخويف أمم، وتخوين أخرى؛ حتى باتت "بُعبع" يقض مضاجع الدول الغربية.
واستغلَّ اللوبي الصهيوني تلك الأسطوانة أبشع استغلال، وجعلها وسيلة للابتزاز الرخيص؛ لدرجة أن أحداً لم يعد يجرؤ على انتقاد الممارسات الوحشية للمحتل؛ خوفا من "إلصاق" التهمة الجاهزة التي يُلفقها الصهاينة بـ"العداء للسامية".
ومن المُفارقات العجيبة أنَّ الفلسطينيين هُم الساميون أنفسهم، بينما الطبقة الحاكمة في إسرائيل هي من يهود غرب أوروبا "الإشكناز"، والذين لا يمتُّون بصلة للسامية إلا من خلال "الأسطورة" والادعاء الأجوف. إذن فضحايا اللاسامية (في الأصل) هم الفلسطينيون وليس الصهاينة.
واستفاد الفلسطينيون من مُعطيات الثورة التكنولوجية في مجال وسائل التواصل والإعلام لإيصال صَوْت قضيتهم إلى الضَّمائر الحيَّة في العالم أجمع، كما ساهمت تلك الوسائل في رَصْد عنجهية واستبداد المحتل، وتعامله الوحشي مع أصحاب الأرض؛ حيث أصبح الجميع يُشاهد جنود الاحتلال وهم يُمارسون أفظع الممارسات ضد شعب أعزل. وأصبح الكل يُتابع ممارساته الغاشمة -والمنفلتة- في بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وتهجير أهالي القدس، وعرقلة مُحادثات السلام.
كلُّ ذلك خلق وعياً جديداً لدى الأوروبيين، أقرب إلى الواقع، وبعيدًا عن التحيز بفعل قوة اللوبي الصهيوني، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا. وهذا الوعي نتاجُ مُشاهدة واقعية للحقائق لجيل جديد مُتحرِّر من "عُقدة الذنب" المتراكمة جراء فظائع الحرب العالمية الثانية، وما ارتُكب خلالها من مذابح بحق اليهود وغيرهم.. جيلٌ جديد يرى بأم عينه الجُندي الإسرائيلي المدجَّج بالسلاح يقتل الطفل مُحمد الدرة في مشهد يتكرَّر كلَّ يوم.
لسنا بصدد إنكار محارق اليهود "الهولوكست"، أو تجاهل فظائع النازية بحق اليهود، ولكن لا يُمكن ابتزاز العالم وممارسة أبشع أنواع التمييز العنصري والاستعمار الاستيطاني باسم الضحايا؛ ليدفع الشعب الفلسطيني الثمن غالياً، على جرائم لم يرتكبها. وإنْ كانتْ الصهيونية العالمية قد تاجرت بذلك، واستفادت من تعويضات "الهولوكست" في بناء الكيان الصهيوني، فارضةً على العالم الغربي غضَّ الطرف عن جرائمها المتكررة خلال الستين عاما الأخيرة، والتي نتج عنها اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، والتنكيل بهم، والقذف بهم إلى دياسبورا المنافي.
أخذ هذا الوعي الجديد -في تشكُّله- بعدالة القضية الفلسطينية، مُعبرًا عن نفسه في شكل تعاطف شعبي مع القضية؛ وهو ما يمكن أن ندلل عليه بتلك المظاهرات الحاشدة التي انطلقتْ من لندن -وغيرها من العواصم الأوروبية- إبان الحرب على غزة، والتي رُفعت فيها شعارات تُدين الكيان الصهيوني الغاصب؛ بعد ممارساته التعسفية ضد الفلسطينيين.
ورغم أنَّ الاعتراف بدولة فلسطين آخذٌ في التنامي -حيث أقرَّت 135 دولة حتى الآن للفلسطينيين أحقية تقرير المصير؛ بينها سبع دول من أوروبا الشرقية، إلى جانب العديد من دول أمريكا اللاتينية- ألا أنَّ اعتراف السويد له طعمٌ آخر؛ باعتبارها أول دولة من أوروبا الغربية تُقدم على تلك الخطوة؛ مما يُنبئ بأن دولا غربية قد تحذو حذوها. وفي الأذهان التصويت الرمزي في مجلس العموم البريطاني قبل أسابيع، والذي اعترف فيه أيضًا بدولة فلسطين.
... اتخذتْ السويد تلك الخطوة الجريئة في وقت تَلبَّد فيه أفق الحلِّ السياسي للقضية الفلسطينية جرَّاء التعنت الإسرائيلي المعهود إزاء كلِّ مبادرة سلمية، وآخرها: مُحاولات جون كيري وزير الخارجية الأمريكي التي وأدها نتنياهو بعنجهيته وشروطه "التعجيزية".
خُطوة السويد ستشجِّع حتمًا الكثيرَ من الدُّول التي تقف في المنطقة الرمادية من الانحياز إلى الحق، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، بعد أنْ قدَّمت أستوكهولم مثالا حيًّا للتحرر من السطوة الصهيو-أمريكية، ومَنْ يدري: فقد تُثبت الأيام القادمات أنَّ اللوبي الصهيوني قد يكون مجرَّد "نمر من ورق..."!
وعمليًّا.. قد لا يُسفر اعتراف السويد عن إقامة الدولة الفلسطينية غداً، ولكن لا يُمكن إغفال أهميته في تحريك رَوَاكد تلك القضية المركزية لنا -عربًا ومُسلمين- فالاعتراف بمثابة وثبة في طريق الألف خُطوة نحو النصر، وإقامة دولة فلسطينية مُستقلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2505
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
864
| 04 مايو 2026