رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ تنظيم الحركة الصهيونية تنظيماً عملياً أواخر النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، سعت الدعاية الصهيونية إلى أن ترسيخ ثلاث أكاذيب أصبحت كالمسلمات التي تحرك الفكر الاستراتيجي الصهيوني على مختلف مساراته: السياسية، الاقتصادية، للاجتماعية، التربوية، والإعلامية.
وتتمثل تلك الأكاذيب في:-
1- فلسطين هي أرض الميعاد.
2- اليهود هم شعب الله المختار.
3- العرق اليهودي أسمى من بقية الأعراق البشرية.
وهذه الأكاذيب ليست قديمة قدم الديانة اليهودية، لكنها ولدت ونمت خلال القرن التاسع عشر على أيدي نفر من الصهاينة الأوائل الذين ابتدعوا مفهوم (الصهيونية) وحوّلوه إلى أيديولوجية تجتمع حولها طوائف اليهود المشتتين - آنذاك – في أنحاء العالم كافة. ومنهم: موسى هس، والحاخام إلكالاي، والحاخام زفاي هيشر، ثم المؤسس الحقيقي لحركة تسييس الصهيونية ثيودور هرتزل. واستمر الترويج لتلك الأكاذيب عالمياً بتنظيم وإتقان من 1812- 1897م حين انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا.
ويحسن بنا قبل أن نفند هذه الأكاذيب الثلاث أن نوضح فروقاً ضمتها قائمة التعبيرات الصهيونية التي تم ضبطها تبعاً لمعجم (المفردات الصهيونية) لبربارا ويل وتم تحديثها بواسطة دكتور جودي روزين. وهذه القائمة متاحة لمن يريد الاطلاع عليها على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) في موقع:
http: 11 w.w.w.jajz-ed. Org.il11001gloss/index. Htm1
وهذه الفروق – المتضمنة في قواميسهم – توضح لنا تركيز اليهود على التفرقة الدقيقة بين المصطلحات الصهيونية فهناك:-
* الصهيونية الثقافية Cultural Zionism
التي تؤمن – كما يقول قاموسهم – بأن الاستيطان الناجح وإعادة إسكان أرض إسرائيل (فلسطين) يستند إلى الحاجة لإعادة إحياء الثقافة اليهودية، واللغة العبرية، وبالتالي يمكن أن تصبح أرض إسرائيل (فلسطين) مركزاً ثقافياً وروحياً مهماً لليهود. بمعنى أنها تجتذب اليهود إلى ما تسميه الصهيونية (أرض الميعاد). وهذه الصهيونية الثقافية قامت أساساً على أفكار الحاخام (آهاد).
* الصهيونية الواقعية: Practical Zionism
وهي من المظاهر المبكرة للحركة الصهيونية الحديثة. وهي تنادي بعودة اليهود إلى أرض إسرائيل (فلسطين) والاستيطان بها دون حاجة إلى اتفاق سياسي مع أي طرف آخر.
* الصهيونية الدينية: Religious Zionism
وهي تؤمن بأن القومية اليهودية ليست مجرد هدف سياسي، بل هي هدف ديني يجب تحقيقه في شكل " وطن " لليهود في أرض فلسطين، وطن يقوم على الربط بين التوراة (الدين) والعمل الواقعي.
* الصهيونية التركيبية: Synthetic Zionism
مصطلح صاغه تشايم وايزمان Chaim Weizmann وهو ينادي بمزج الأهداف السياسية للوطن اليهودي مع الأهداف الواقعية للاستيطان والعمل والثقافة اليهودية في أرض إسرائيل (فلسطين).
مناقشة موضوعية:
وقد أثبتنا هذه الفروق حرفياً كما هي منشورة على موقعهم الذي ذكرناه على شبكة المعلومات الدولية حتى لا يُقال إن ما سيأتي من مناقشتنا لأكاذيبهم يستند إلى أوهام أو إلى افتراءات عربية. فهم بأنفسهم يعترفون بأن لديهم أربعة ألوان من الصهيونية هي في حقيقتها أربع وسائل لهدف واحد هو: سلب أرض الفلسطينيين واعتبارها وطناً لليهود.
1- أكذوبة أرض الميعاد:
يستند اليهود في ترويج هذه الأكذوبة إلى نص العهد القديم (التوراة) يقول فيه الرب مخاطباً إبراهيم الخليل ((لنسلك - أي لذريتك – أعطي هذه الأرض: أرض كنعان)). والمعروف من تراث اليهود أن لهم إلهاً يسمونه (يهوه) غير إله إبراهيم عليه السلام. فإله إبراهيم – عليه السلام – هو الله سبحانه وتعالى خالق السماء والأرض وأي إله يا ترى صاحب هذا الوعد؟ إن كان هذا الوعد من إله إبراهيم فهذا كذب على الله تعالى. فقد صرَّح القرآن الكريم بقطع الصلة بين إبراهيم وبين من جادلوا فيه بعد عصره من اليهود والنصارى. فقال سبحانه وتعالى:
" يأهل الكتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ في إبراهيمَ وَمَا أُنْزِلَت التَّوراةُ والإنْجيِلُ إلاَّ مِنْ بَعْدِه. أفلا تعقلون؟! " [ آل عمران / 65 ]
ومن المعروف أن تدوين التوراة تم بعد عهد نبي الله إبراهيم بنحو ألف وثلاثمائة سنة، وبعد عصر نبي الله موسى بنحو سبعمائة سنة، وعلماء الآثار يفصلون بين عصر إبراهيم ويعقوب وإسحق ويسمونه (عصر الآباء الجوالين) من جهة. وبين عصر موسى من جهة أخرى. وهذا ما أكده القرآن الكريم حين نفى أن يكون إبراهيم يهودياً أو نصرانياً. وعلى هذا، يستحيل أن يكون الوعد " المزعوم " صادراً عن رب إبراهيم سبحانه وتعالى.
وإذا كان الوعد صادراً عن الله سبحانه وتعالى لنسل إبراهيم، فما الذي حصر نسل إبراهيم في اليهود وحدهم؟ أليس إسماعيل أبو العرب أخا إسحق أبي يعقوب؟ فما الذي يمنع – إن صدق الوعد – أن تكون الأرض لعرب فلسطين؟
إن علم التاريخ وعلوم الآثار تدل على أن إبراهيم – عليه السلام – من الجزيرة العربية وكانت موطن آبائه وأجداده الأصليين قبل أن يهاجروا إلى بلاد دجلة والفرات. وهم ممن يُطلق عليهم " العرب البائدة " في تلك الكتب ولما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء بيته الحرام في مكة كان ذلك إيذاناً ببدء نشر دعوة التوحيد (الحنيفية السمحاء) التي كان يتعبد بها إبراهيم عليه السلام قال تعالى:
" ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا، والله ولي المؤمنين " [ آل عمران / 68،67 ]
فالرابطة الحقيقية بين عصر إبراهيم – عليه السلام – والعصور اللاحقة له، هي رابطة الإيمان الخالص الذي لا تشوبه شائبة من غرض أو هوى. ومن ثم فإن أقرب الناس صلةً بإبراهيم هم أولئك الذين آمنوا بنبوته في عصره. ثم محمد – صلى الله عليه وسلم – والذين آمنوا بنبوته. هذا هو بيان القرآن الواضح في دعوى أرض الميعاد المزعومة ومحاولة الالتصاق بإبراهيم عليه السلام.
2- أكذوبة " شعب الله المختار ":
من الحيل اللاشعورية المعروفة لدى علماء الصحة النفسية ما يسمى عندهم بـ " الإسقاط " ومعناه أن يُسقط الإنسان ما بداخله من نقائص أو عيوب على غيره – في محاولة لا شعورية منه للتكيف الاجتماعي – بحيث يمكن بسهولة أن نستدل على حقيقة الإنسان وخفايا نفسيته من خلال مراقبة الاتهامات التي يوجهها للآخرين.
هذا هو ما فعله اليهود تماماً، فهم يعلمون عن أنفسهم أنهم أحط البشر وأنهم أكثر البشر عدواناً على حقوق الله سبحانه وتعالى، فقد كفروا به وقتلوا الأنبياء، وفعلوا ما لم تفعله غيرهم من الأمم من المعاصي والخطايا وكانوا – في جميع العصور – مضرب المثل في التهاون بتعاليم الله وأوامره ونواهيه.
وبدلاً من أن يستغفروا ويتوبوا ويلتزموا جادّة الطريق، تمادوا في غيِّهم وزعموا أنهم أقرب الناس إلى الله – تعالى- وأنهم آمنون من غضبه وسخطه. وهكذا زادوا غيَّاً على غيِّهم. وظلماً على ظلمهم. وبلغت بهم درجة الوقاحة والادعاء بأنهم " أحباب الله ". اختارهم من بين عباده ليكونوا صفوته من خلقه. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
إن هذا الاتهام الباطل والتطاول البشع على ذاته – سبحانه – ليس الوحيد من بني إسرائيل فقد اتهموه – جل شأنه – بما هو أبشع مما يعف عنه اللسان والقلم. ولا نجد ضرورة لإثباته هنا لما فيه من بذاءة وتطاول. ولأننا هنا معنيون – فقط – بتناول ما له صلة بدعوى (التفوق العرقي) التي يروج لها اليهود.
إن الله تعالى عادل، ولا يجوز في حقه – سبحانه – أن يُقال إنه منحاز إلى هذا الفريق أو ذاك من عباده. قال تعالى:
" وَقَالتِ اليهودُ والنَّصارى: نَحنُ أبناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُه قُلْ: فَلَمَ يُعذِّبكُمْ بِذُنُوبِكمْ؟ بل أنتم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ!! يَغفِرُ لمنْ يَشَاءَ ويُعذِّبُ مَنْ يَشَاءُ.....". [ المائدة / 18 ]
لا دليل لهم:
واليهود في دعواهم هذه بأنهم شعب الله المختار، لا يقدمون دليلاً علمياً أو تاريخياً أو دينياً. وإنما هو محض " وهم " اختلقه ساستهم وسادتهم وصدقوه. وفي مقرراتهم الدراسية كتاب مأخوذ عن مؤلف وضعه الحاخام [يهودا هاليفي] تحت عنوان (كتاب الكزوي) خلاصته أن أول مخلوق خلقه الله – سبحانه وتعالى – هو آدم وكان يتسم بالكمال المطلق – في زعمهم – وأنجب آدم عدداً من الأنبياء كان أكملهم شيث الذي أنجب بدوره عدداً من الأنبياء كان أكملهم " أنوش "... وهكذا ينتقلون بالأفضلية والأكملية من نوح إلى سام إلى أرفكشاد إلى شالح ثم إبراهيم فإسحق فيعقوب ثم يقولون ".. وكان أبناء يعقوب كلهم جيدين!! فلم يعد هناك حاجة إلى استمرار الاصطفاء!! ".
ما الدليل على صحة هذه الأكذوبة؟. لقد فعل بنو إسرائيل (= أبناء يعقوب) ما لم يفعله غيرهم من سفك الدماء وارتكاب المعاصي، واتهام الأديان الأخرى – كالمسيحية والإسلام – بأبشع الصفات. فهل هذه هي صفات الشعب الذي يختاره الله – سبحانه-؟
3- أكذوبة نقاء العِرقْ اليهودي:
تتصل هذه الأكذوبة – إلى حدٍّ ما – بسابقتها، فاليهود يزعمون أنهم وحدهم – دون سائر البشر – ينتسبون إلى سام بن نوح. وقد كان أول من نشر مفهوم " الساميَّة " العالم النمساوي " سلوتزر " عام 1781م وكان يقصد بها تلك الشعوب التي تزعم أنها من نسل سام بن نوح. وتبنى علماء الغرب وكتَّابه هذه الخرافة التي لا يدل عليها أي دليل علمي تاريخي قاطع. كما تفتقر إلى أي أساس لغوي أو لهجي يمكن اعتماده دليلاً على صدقها. بل إن العكس هو الصحيح. فالكنعانيون – سكان فلسطين الأوائل – هم الساميون العرب الخُلَّص. فقد ورد اسم [ العرب ] في الكتابات البابلية والآشورية. كما أطلقه الفرس واليونان على سكان الجزيرة العربية منذ ألف سنة قبل ميلاد المسيح.
Mostafaragab2@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
10263
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
2937
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2823
| 16 أغسطس 2026