رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل يعني شيئاً القول إنه "لا جامعة عربية من دون سوريا"، أو أن الجامعة تلتقي بمبادرتها مع "المخططات غير العربية الهادفة إلى تدمير سوريا"؟.. فبمثل هذه الاعتبارات حوّل المندوب السوري في الأمم المتحدة الأمر إلى سجال عربي-عربي، واستغل المناسبة لمهاجمة قطر وكل الدول التي "كانت" صديقة لسوريا من دون أن يأخذ في اعتباره أن الأصدقاء رفضوا ويرفضون ممارسات نظام دمشق، وبالأخص منها قتل أبناء الشعب السوري، ولم يخرج بشار الجعفري عن إطار خطابات رئيسه بل كررها جميعا وزاد عليها التذكير بالدعم السوري في ستينيات القرن الماضي لدول الخليج في سعيها إلى التحرر من الاستعمار البريطاني، وكأن حزب البعث هو الذي حرر تلك الدول من دون أن تدري.
في أي حال، لا أحد يستطيع المجادلة الآن بأن سوريا الستينيات، سوريا التي يعرفعها العرب ويحبونها ويقدرون شعبها، هي سوريا هذا النظام، لذلك لا داعي لإثارة التاريخ لأن هذا النظام لا علاقة له به، وقبل أن يدعي كونه امتداداً لتاريخ سوريا عليه أولاً أن يكون معترفا بالواقع الراهن وغير منفصل عنه، لقد ذهب بعيداً في لوثة الإجرام والوحشية، وهذا ما أفقده الشرعية والأهلية ليكون جزءاً من حل الأزمة، إلى حد أنه حتى حليفه الروسي هو الذي اقترح أولاً نقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه، وقد استوحاها من الحل الذي اقترحته المبادرة الخليجية لمعالجة الأزمة اليمنية.
لا يزال هذا النظام يظن أنه سيتمكن من تجاوز مأزقه بشيء من التذاكي وليس بمبادرة يبرهن فيها حقاً أنه يعي المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه حيال شعبه وأمام جميع الشعوب العربية.
كانت جلسة مجلس الأمن مسرحاً لعملية "تشبيح" شنيعة بلغت حد مصادرة نزار قباني واعتقاله والتنكيل به هو الآخر، بل إهانته في أعز ما تركه من تراث شعري. لم يكن نزار طوال حياته "ذا جنسية محددة"، كان عربياً عروبياً عاش معظم حياته بعيداً عن سوريا التي عشقها وكان الاضطرار لهجرها من أكبر الحسرات في وجدانه، ولا أحد يجهل انه كان يمقت هذا النظام الذي كان السبب في اختياره العيش في المهجر، ولا شك أنه تململ في ضريحه الدمشقي وهو يسمع سفير بلده يستخدم أحد أبياته في خطاب انتهازي، يقول نزار في ذلك البيت:
دمشق يا كنز أحلامي ومروحتي
أشكو العروبة أم أشكو لك العربا
وأياً تكن التأويلات فإن دمشق التي يعنيها ليست دمشق "الشبيحة"، وإنما دمشق التي في خاطر جميع العرب.
التئام المجتمع الدولي في تلك الأمسية ليناقش ما يمكن فعله لوقف إراقة الدماء في سوريا، لكن سفيرها لم يجد سوى التشكي من العرب لأنهم جاؤوا إلى مجلس الأمن ليعرضوا مشكلة بلاده التي هي أيضاً بلادهم ومعنيون بها وبسلامة شعبها. لكن بالنسبة إليه، وإلى قادة نظامه، لا توجد مشكلة في سوريا، فطالما أن قتلة النظام لا يزالون قادرين على استرخاص أرواح السوريين وطالما أنهم يقصفون المدن والبلدات ولا يأبهون بالدمار والضحايا فلا مشكلة البتة في سوريا، لم تعرف دمشق النظام لماذا لم يكتف الوزراء العرب بتقرير رئيس بعثة المراقبين، فحتى روسيا استحسنته واعتبرته جيداً وواقعياً. لماذا؟ لأنه يؤيد الرواية التي قدمها النظام منذ اليوم الأول للانتفاضة الشعبية قبل ما يقرب من أحد عشر شهراً، وبالتالي فما دام يقول إن ثمة عنفاً يأتي من جانب مسلحين غير نظاميين فهذا في حد ذاته يعطي النظام مسوغات العنف المفرط بل الإجرام المفرط، لكن التقرير يقول بوضوح إن النظام لم يلتزم بما تعهده من وقف للعنف وسحب للآليات العسكرية وإطلاق للمعتقلين وإقلاع عن التنكيل بهم وتعذيبهم ورميهم جثثاً في الشوارع، لكن قتلة النظام وسفراءه لا يهتمون بهذا الجانب من التقرير الذي حرصوا على مناكفة العرب به، وليقولوا أيضا إن أحمد الدابي، رئيس بعثة المراقبين، أصبح نصيراً لهم.
لم يعترف النظام السوري بالتحولات التي يشهدها العالم العربي، ولابد أن تنعكس على الجامعة العربية، فهذه الجامعة التي تمثل "النظام العربي الرسمي" لن تبقى كما كانت، وهي باشرت عملية تطوير نفسها بالتكيف مع الأحداث وبادراك أهمية الإصلاح والاستماع إلى الشعوب، نعم لديها ميثاق لا تزال تحاول العمل بموجبه، لكنها تواجه تحديات لم يعد الميثاق قادراً على مواجهتها، فهل تقعد الجامعة وتنتظر جولات الدم في سوريا أو في سواها لتعود الأوضاع إلى السوية الملائمة لملاقاتها بميثاق بال ينتمي إلى عصر غابر.
لا، لابد لها أن تتحرك وأن تجدد وتتحمل المسؤولية، وليس مهماً أن يقول بشار الأسد، وأن يرد سفيره من بعده، أن لا جامعة عربية من دون سوريا، فهذا شعار أجوف، ليس معروفاً إلى من يوجهه البشاران، خصوصاً أن السوريين والعرب يمرون بأصعب مراحل الازدراء لهذا النظام، فلا سوريا هي هذا النظام، كما أن مصر وتونس وليبيا واليمن ولا العراق قبلها كانت تختصر بأنظمتها أو بالحكام الذين باتوا من نماذج الاستبداد في العالم.
عندما يتردد شعار "سوريا قلب العروبة النابض"، ويقوله العرب بلا جدل أو تردد فإنهم لا يعنون بالتأكيد أن هذا النظام هو من يرمز إلى العروبة، وبالنسبة إلى كثيرين من العرب، في سوريا نفسها وفي لبنان وفلسطين والعراق خصوصا، وفي أقطار أخرى أيضا، كان هذا النظام عاراً على العروبة وعلى سوريا، وها هو سفيرها في الأمم المتحدة يعلن أن الجامعة العربية باتت جزءاً من المؤامرة التي تخيلها النظام واعتبر نفسه في حرب ضدها، بل قال إن سوريا ستواجه أعداءها، لكنه نسي توضيح ما إذا كان آلاف شهداء الثورة هم هؤلاء الأعداء، نسي حمزة الخطيب وسائر الأطفال الـ"384" الذين وثق قتلهم بأيدي "شبيحة" النظام، ونسي ذبح "بلبل الثورة" إبراهيم قاشوش واقتلاع حنجرته، ونسي غياث مطر الذي كان يوزع الورود على الجنود ثم عذب حتى الموت، ونسي تصفية الجرحى في المستشفيات.. كل هذه أدلة على عروبة النظام، ولم تعد الجامعة لتأنس بمثل هذه العروبة أو تتشرف بها.
يبقى أن الحليف الروسي سيضطر عاجلاً أم آجلاً إلى مغادرة عزلته الدولية ليقبل بمعالجة عربية-دولية للأزمة السورية، فهل ستنضم موسكو بدورها إلى "المؤامرة"، فأي معالجة حقيقية للأزمة ستضع النظام على سكة الرحيل، وروسيا تعرف ذلك.
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص... اقرأ المزيد
183
| 07 يونيو 2026
امتحانات الثانوية.. صناعة أجيال تبني الوطن
مع انطلاق اختبارات نهاية الفصل الدراسي الثاني للشهادة الثانوية للعام الأكاديمي 2025-2026، تبدأ مرحلة مفصلية في حياة آلاف... اقرأ المزيد
162
| 07 يونيو 2026
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة عمرية، بل تتحول إلى سؤال كبير يطرق ضمير الإنسانية: كيف... اقرأ المزيد
141
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3384
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2607
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2283
| 02 يونيو 2026