رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد أخذت الغارة الإسرائيلية الأربعاء الماضي 30/1/2013 على مجمع البحوث العسكري في منطقة جامرايا بريف دمشق حيزا واسعا في الأخبار العالمية وكان وراءها تقارير وتحليلات وتفسيرات عديدة وكانت إسرائيل قد التزمت الصمت حيال هذا الحدث المفاجئ منذ سنتين من اندلاع الثورة السورية، إلا أنها وعلى لسان باراك وزير دفاعها أكدت ضمنيا ومباشرة أنها قصفت أربعة مواقع قرب دمشق وليس هذا المركز العلمي العسكري وحده مما يدعو للتساؤل بكل بداهة، هل بدأ التدخل الخارجي في المشهد السوري فعلا من جهة؟، وإذا كان كذلك فأين الرادارات السورية التي لا ترى تلك الطائرات كما أنها لم ترها أبداً في عدة هجومات سابقة حين اخترقت الأجواء السورية بغارتها الساحقة خريف 2007 وبلغت أهدافا حيوية في العمق بالمنطقة الشرقية الشمالية من بادية دير الزور إلى تخوم المثلث السوري العراقي التركي مرورا بمطارين عسكريين وعادت سالمة مطمئنة، وكذلك كيف تم الإنزال الأمريكي في البوكمال وكيف حلقت القاذفات الصهيونية فوق الاستراحة الرئاسية في اللاذقية؟ وكذلك كيف قصف معسكر حي الصاحب غرب دمشق إلى غير ذلك من الانتهاكات الإسرائيلية وهي في الحقيقة اختراقات مدروسة مسبقا، ولذلك كان الرد الدائم من القيادة السورية، سنحتفظ بالرد في الوقت المناسب، لذا فإننا نقول: ليس مستغربا في لعبة الدول ومصالح المافيات الحاكمة من المحتلين لفلسطين والمستبدين بحق الشعب السوري المغتصبين لدمشق والذين جاءوا بانقلابات عسكرية وتغلب انتخابي مزور فرضوه على الجماهير بالحديد والنار وعدلوا عمر بشار في سويعة ليفصلوا الرئاسة على مقاسه وهو ما ينقض بيعتهم على ما أكده الإمام مالك رحمه الله حين قال: إن مغتصبي السلطة لا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على خوف، حيث ظهر لنا في عهد حافظ الأسد وابنه أن المحتل هو الذي نصبهم وأنهم كمستبدين عملوا ويعملون لحسابه وسيبقون على ذلك ليثبتوا الولاء المطلق له حفاظا على كراسيهم واستمرائهم قهر الشعب وإذلاله ونهب خيراته وتكديس المليارات دون أن يهمهم شأن الوطن بتاتا، وإلا فبماذا نفسر عدم الرد السابق على هجومات مدروسة يتخذها اللانظام تكأة لنفسه وأنه مستهدف ومقاوم وممانع وهو حينها وفي هذه الغارة الحالية لم يملك أي حراك ليقاوم به المحتل في حين تسرح قاذفاته وحواماته وتمرح في ربوع سوريا قصفا وحرقا وتدميرا كل ساعة دون كلل ولا ملل حتى ليصح فيه قول الشاعر:
أسد علي وفي الحروب نعامة
ربداء تنفر من صفير الصافر
فأين المقاومة والممانعة منذ أربعين عاما؟، وأي عار وشنار أسوأ مما نراه في وقت يقصف فيه الصهاينة بلادنا وهو بكل وقاحة يشتد ويحتد في قصف شعبه وتدمير الشام وفي اليوم نفسه، أتدرون لماذا؟ لاشك أن المطلوب هو التدليل بقوة أنه ضد الشعب الذي تخافه الصهيونية، خصوصا بعد سقوط المستبد الذي كان ولا يزال أمينا في أداء المهمة ولابد له في النهاية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أن يطمئن من ولاه أنه يدافع عنه وعن أمريكا التي تدعمه، ولا غرو، فأمريكا هي أيضا التي وافقت وأعطت الضوء الأخضر لربيبتها في العقاب الأولي لأنه وعلى مدى عامين لم يستطع أن يخمد ثورة الأحرار وهي والصهيونية ومن لف لفها ما زال لسان حالهم ومقالهم يؤكد له: أخمد الثورة فإن فعلت فأنت باق في السلطة على رقاب المقهورين وإن لم تستطع فلك الملاذ الآمن دون أن ينبس أحد منهم ببنت شفة طالبا محاسبته بقوة وإدانته في مجلس الأمن وعبر محكمة الجنايات الدولية وإن ما قد نراه من مواقف بهلوانية في عدائه ما هي إلا لذر الرماد في العيون، ألم يقل أوباما أمس إن مساعدتنا ببعض الملايين إنما هي للشأن الإنساني فقط ولن نعمل على تسليح المعارضة حتى رد عليه السناتور ماكين هازئا، أبعد أكثر من ستين ألف قتيل لم يظهر أي موقف من الرئيس لإيقاف المذابح في سوريا، صحيح أننا نعتبر أن ثمة تقاسما للأدوار بين الساسة والتاريخ خير شاهد ولكن ذلك لا يمنع أن نرى بين الأعداء من يتأثر أحيانا لفداحة المصاب إنسانيا، فقد تجاوزت مأساة الشعب السوري كل توقع وأنا شخصيا قد رأيت بعيني امرأة عجوزا إنجليزية مثقفة خبيرة وهي تبكي إثر عرض مشاهد المذابح عبر القنوات، فقد يحدث هذا والتاريخ أيضا يدل على ذلك، فيكون فرد أو مجموعة أو دولة تعدل في بعض الشؤون حتى لو لم يكونوا مسلمين، وفي هذا يقول الفقهاء: كن مع الحق وإن كان صاحبه بعيدا بغيضا ومع هذا ينبري الموقف الإيراني على ألسنة ساسته الثعالب ليستنكر الغارة الإسرائيلية، فأين موقفكم حين صرحتم الأسبوع الماضي أن بشار الأسد خط أحمر وأن الاعتداء على سوريا هو حرب على إيران، فأين قوتكم وممانعة بشار؟ وهل يصبح الأحمر لونا أخضر إذا اختطته الصهيونية كما يقول صبحي الحديدي إن خرافة هذه الممانعة والمقاومة باتت نغمة ممجوجة لم يعد يصدقها حتى الصغار،
إن أي غول يجب أن يقضى عليه لتستريح الدنيا منه وقد قال شكسبير: إن الضمير الحي عين الله في الأرض، ولا ريب أن ما يسوق المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا من التذرع المخيف باستعمال الأسد السلاح الكيماوي إنما هو للتهرب من التدخل الحقيقي لإنقاذ السوريين الذين يضربهم وليس الصهاينة بهذا المحرم دوليا، في حين تتدخل إيران وروسيا وحزب الله علنا بالمال والرجال والسلاح، لكأن هذا المشهد هو الذي فرض على أهل الشام أن يبقوا عصاميين حتى في تصنيع السلاح الذي كانت له نتائج طيبة والحمد لله، ليس لدينا أي شك أن إسرائيل تريد الحفاظ على الأسد حتى آخر رمق وإن عزمها الآن إنشاء منطقة عازلة بعشرة أميال داخل الأراضي السورية انتهاكا لها، إنما هو دليل لخوفها من الجيش الحر المسيطر وليس من حبيبها وأبيه قبله، حيث تهنأت في عهدهما الطويل، يريد الأسد أن يدمر العالم إذا نحاه عن السلطة وهو اليوم جريح خطير يتلقى الضربات واللطمات دون أن يكون باستطاعته أن يفعل شيئا، فمسلسله قد انتهى وصلاحيته قد نفدت ولابد له أن يسقط، كان مع إسرائيل أو كانت معه، فمن سل سيف البغي قتل به بعد ذلك، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وستبقى سوريا لأبنائها البررة ولو حاول المخطط الإيراني والأسدي أن يقول: لا سوريا بعد الأسد. خسئوا وخابوا.
السياسة حين تُربك البوصلة
كما قال نيقولا مكيافيلي: احذر ممن لا يلعب علناً ولا يُظهر نفسه، لكنه يتحكم في النتيجة. هذه العبارة... اقرأ المزيد
96
| 07 مايو 2026
الإنسانية العابرة للخوف والمخاطر!
تؤكد موسوعة "بيرز" البريطانية (Pears' Cyclopaedia)، أن "احترام الإنسان لأخيه الإنسان - بغض النظر عن الطبقة، أو العرق،... اقرأ المزيد
54
| 07 مايو 2026
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة،... اقرأ المزيد
174
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2997
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2808
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1050
| 05 مايو 2026