رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما الحكاية التى يجب أن تروى فى مهرجان الغوص البحري؟ فى البداية يتجاهلونك ثم يسخرون منك ثم يحاربونك وفى النهاية تنتصر لقد تم القضاء على حقبة الغوص وجاء الدور على النفط!
هل نصب اللعنات على اليابانيين أم نطلب لهم الرحمة (الرحمة بالتأكيد خاصة فى هذه الظروف العصيبة التى يواجهونها مع اثار الزلزال وتسونامى وانتشار المواد المشعة من محطة فوكوشيما النووية)! رغم أنهم كانوا السبب فى نهاية حقبة زمنية ميزت دول الخليج عن الدول العربية الأخرى! كانت هذه المعضلة أشبه بلعنة تطارد المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما كان الخليج قبلة العالم لمن أراد أن يقتنى اللؤلؤ الطبيعى قبل أن ينجح صياد يابانى بسيط وهو "كويتشي" (MikimotoK?kichi)، فى انجاح تقنية زراعة اللؤلؤ بعد محاولات وتجارب مريرة وفاشلة، ومن العيش على السلف والقروض، استمرت الى أكثر من 15 عاما حتى عام (1920)، وقد اتهمه الناس بالجنون لأنه كان مثل ذاك الذى يتخبطه الشيطان من المس، لكن ما هى تعريف العبقرية ان لم تكن مسا من الجنون، لقد امتنعوا حتى من شراء الأرز منه وهو دخله الوحيد. لكن فى وسط المعمعة والجنون كان ايمان زوجته وامه دافعا له ان يستمر ولا يتوقف. وفى ذاك اليوم المشهود ذهبت زوجته سرا الى الشاطئ ويقول انها سمعت صوتا فى منامها يناديها من هناك، ولما فتحت القوقعة صرخت (يالهى انه اللؤلؤ)، كما صرخ امبراطور اليابان قبلها، عندما فعلها مواطن يابانى آخر ونجح فى صناعة أول محرك ماكينة يابانية، قائلا (هذا اجمل لحن موسيقى سمعته فى حياتي).
فى اليابان نهاية عام (2010)، أتيحت لى الفرصة ان ازور مزرعة لؤلؤ وأشاهد صورة (ميكيموتو) يمسك حبات اللؤلؤ ويفركها بيديه كمصباح علاء الدين، وساعتها احسست براحة داخلية فلم يعد ذاك الشعور بالهزيمة يستحوذ على تفكيري؟! وطلبت الرحمة لروح صاحبه ذوى العيون اليابانية الصغيرة. وايقنت بعظمة الافكار عندما تتحول الى وقائع تمشى على الارض مرحا، تخرق الارض، وتبلغ الجبال طولا، بعد ان تبدى بحلم، الكل ينظر اليه انه غير قابل للتحقيق ويسخرون من صاحبه؟! وكما قال غاندى فى كلماته المشهورة (فى البداية يتجاهلونك ثم يسخرون منك ثم يحاربونك وفى النهاية تنتصر).
على ضفاف الخليج فى اوطاننا لم ينهار اقتصاد أقدم المهن المعروفة فى المنطقة فقط (كان يجلب ما تقدر قيمته بـ40 مليون دولار سنويا لدول الخليج فى أوائل القرن العشرين)، بل النظام بأكمله (وهو من المأمول أن تقوم الثورات العربية الجديدة فى العالم العربي) وحل محله نظام اخر بعد حقبة اكتشاف النفط والمتغيرات التى صاحبته التى بدورها جلبت مئات المليارات من الدولارات (الحاضرة الغائبة بدورها). واليوم تدور قصص وحكايات ذاك الماضى على السنة الاباء والاجداد ونراها فى المناسبات الوطنية والاحتفالية وقد شهدنا بعضا منها فى احتفالية مهرجان الغوص البحرى فى قطر، والبحرين والكويت وعمان والسعودية والامارات، وفى دبى هناك مشروع لاحياء تجارة اللؤلؤ من خلال تأسيس بورصة للاتجار به ومشروع «لآلىء دبي» الذى سيكون بمثابة مجمع متكامل يضم مزرعة لؤلؤ وأكاديمية تعليمية وسوقا لبيع اللؤلؤ. ويضم المركز أيضا متحفا حول الأساطير والحكايات التى تتعلق باللؤلؤ وبالرحلات البحرية بالمنطقة. لكن المعضلة الأخرى التى تواجهنا فى منطقة الخليج اليوم فى استمرار التوتر والصراعات والحروب (حرب الخليج الأولى مع ايران والثانية مع العراق وربما الثالثة فى الطريق) وهى تركت بصماتها البشعة على ضفاف الخليج، وتسببت آثارها السلبية على البيئية البرية وبالأخص البحرية عن توقف مياه الخليج عن ولادة أى لؤلؤ منذ فترة، ونتيجة ذلك أصبح أهم منتجى اللؤلؤ والأصداف فى العالم هى: اليابان واستراليا واندونيسيا والهند وسيريلانكا وماليزيا وتايلاند والمكسيك والفلبين والصين وتايوان وغدونا خارج القائمة؟!
ولكن شهادة للتاريخ الذى يبدو أنه مغمور ومتجاهل عمدا، فحقبة الغوص للبحث عن اللؤلؤ لم تكن جلها زمنا جميلا كما يحاول ان يوهمنا البعض بذلك، فالبحوث والتقارير والكتابات التى تناولت هذه الحقبة تدل على تحديات ومصاعب حقيقية واجهتها وعصفت بها. (ريتشارد لو بارون) الذى زار منطقة الخليج فى النصف الأول من القرن الماضي، قدم أوصافا دقيقة لنوعية الحياة الموجودة فى تلك الفترة والمعاناة التى عاشها أصحاب الأرض فهو يقول «بعد نهاية موسم الغوص يكون الغطاس قد تحمّل المستحيل، فهو على الأرجح أكمل أكثر من 3000 غطسة فى عمق يتراوح ما بين 30 و50 قدما تحت الماء، مما يعنى أنه مكث تحت مياه الخليج من دون هواء مدة تتجاوز الأربعين ساعة فى الأسبوع الواحد. ليس من المستغرب أن يكون هناك مكان شاغر فى كل سفينة، فهذا المكان الشاغر تم حجزه لجثة غواص أعياه التعب قبل أن يفارق الحياة».
لقد بلغ شح استخراج اللؤلؤ الطبيعى أشده منتصف القرن الماضي، وصل الحد الى اخراج 300 ألف صدفة للحصول على لؤلؤة واحدة. ولقد أشار (آلانفيليير) فى كتاب"أبناء السندباد"، ان «مهنة الغوص واستخراج اللؤلؤ لم تكن سوى تجارة قائمة على الديون». ويشير الباحث فهد المطيرى الى انه كانت هناك محكمة تعقد جلساتها سنويا للنظر فى المنازعات المتعلقة بشؤون الغوص، وكانت أغلب تلك المنازعات تتعلق بمشكلات الدائن والمدين فى ذلك «الزمن الجميل»! أعضاء المحكمة معينون من قبل الأمير، وهم عبارة عن أشخاص يمثلون شريحتى التجار و"النواخذة"، أما شريحة البحّارة البسطاء فلم يكن لهم تمثيل ضمن طاقم أعضاء المحكمة. وفى تاريخ الغوص يذكر الباحث على لسان سيف مرزوق الشملان، اذا مات البحّار وهو لا يملك غير بيت سكناه وله أولاد صغار وثبت أن البيت داخل عليه من دراهم الغوص فعلى "النوخذة" أن يصبر حتى يبلغ الأولاد رشدهم وحينئذ يخيرون بين دفع الطلب للنوخذة أو اذا ثبت أن البيت داخل عليهم من غير دراهم الغوص فبعد بلوغ الأولاد سن الرشد يخيرون بين بيع البيت ودفع قيمته لجميع الدائنين أو يبقى البيت لهم وهم يتعهدون بدفع جميع ما على والدهم من الدين. ويلاحظ الباحث أن مهنة الغوص أسفرت عن نظام تمويلى يمسك بزمامه ويحدد قوانينه طبقة واحدة فقط، وهى طبقة التجار، فالنواخذة لم يكونوا فى الأغلب قادرين على تمويل بناء سفنهم، فضلا عن تمويل الرحلة بأكملها. ولقد أدّى هذا النظام التمويلى الى تراكم الثروة فى أيدى مجموعة قليلة من أبناء البلد، وتراكم الثروة يعنى تراكما فى السلطة السياسية والاجتماعية وحتى الدينية. الغوص حكاية من حكايات كثيرة من الضرورى أن تروى عن تلك الحقبة الزمنية التى لا يزال البعض يتمنى عودتها حتى يتعلم الجيل الجديد أن الحياة لم تكن وردية خيالية كقصص ألف ليلة وليلة العربية؟!
كما فعل اليابانيون مع اللؤلؤ الابيض ما زالوا يحاولون انجاح التجارب مع اللؤلؤ الاسود؟. وهم على مسافة قريبة من تحقيق ذلك؟. فهل سنحكى قصص زمن النفط اليوم لأولادنا كماض جميل ام ماض حمل الكثير من الهموم والقضايا مشابهة لحقبة الغوص مع بعض التعديلات الحديثة تناسب القرن الحادى والعشرين؟!.
اخر الكلمات
ايه يا بحر، حكايانا كثيرة
مَلَّها الليل ومجَّتها الظهيره
كدّنى الغوص، وما زلت أسيره
ها همُ قد خلفوني...
كالبقايا... من نفايات حقيرة.
(على عبدالله خليفة)
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
المونديالي عبدالرحمن الجاسم
يواصل التحكيم القطري ترسيخ مكانته على الساحة الدولية من خلال الكفاءات الوطنية التي أثبتت جدارتها في أكبر البطولات،... اقرأ المزيد
864
| 26 يونيو 2026
الدبلوماسية الخليجية ودعم مسار التهدئة الإقليمية
تعكس مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في... اقرأ المزيد
120
| 26 يونيو 2026
غاب جواز السفر وبقي الوطن
لم يكن جواز السفر يوماً مجرد أوراق تنتظر ختماً غامضاً أو موعداً مجهولاً للعودة، بل كان حلماً مطوياً... اقرأ المزيد
63
| 26 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31806
| 20 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4539
| 21 يونيو 2026
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
3933
| 23 يونيو 2026