رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كتب الصديق المبدع الأستاذ جابر الحرمي في إحدى تغريداته ما معناه: إن أحدا لم يكتب عن "الإرهاب اليهودي". للأمانة الصحفية.. أذكر أنني كتبت عن الموضوع منذ فترة طويلة.. لكني حينها لم أكن أستخدم الإنترنت أو هو لم يكن موجودا! كنت أكتب مقالاتي بالطريقة البدائية (بالحبر) وأرسلها بطريقة أكثر بدائية, بالفاكس! منذ بدأت الكتابة أخذت عهداً على نفسي في أن أكشف ما استطعت حقيقة عدو أمتنا لقارئنا العربي.. العدو الصهيوني الذي لا تعايش معه سوى اجتثاثه من أرضنا, فقد آن لغاصبي فلسطيننا من النهر إلى البحر وأرضنا العربية, أن ينصرفوا.. عن أرضنا..عن ملحنا.. عن جرحنا.. بعد أن أخذوا حصتهم من دمنا... فقد آن لهم الأوان أن ينصرفوا.
أيضاً كنت سأعتبر نفسي مقصراً وبدرجة أكبر من الكبيرة لو أنني لم أكتب عن هذا الموضوع تحديداً. بُعيد انهيار الاتحاد السوفياتي, حاولت الولايات المتحدة والحركة الصهيونية وإسرائيل والبعض من الدول الغربية التصوير: بأن العدو القادم للبشرية هو"الإسلام" وبدأوا في اختراع تعبير "الأصولية الإسلامية" وابتدأوا التخطيط لتجنيد الجماعات الأصولية المتطرفة التي تقوم بتشويه الإسلام , وجرى التركيز كثيراً على هذا الشعار. للأسف لم يتم توجيه أية اتهامات للتطرف والأصولية في الدين اليهودي وعند اليهود ولا لليهودية ولا حتى للمسيحية! في اليهودية, فإن ظاهرة التطرف هي الأشّد خطراً في التاريخ, منذ التآمر على نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى المسلمين منذ ولادة دينهم الحنيف وصولا إلى اللحظة الراهنة, فالتعاليم المحرّفة للتوراة والتي صاغها الحاخامات اليهود وفقاً لمصالحهم، تنطلق من الذاتية و"الأنا" المطلقة, والعدوان على كل الآخرين, واحتقارهم.
في سفر إشعيا تقرأ: "ليمت جميع الناس ويحيي إسرائيل وحده"، "يرفعك الله فوق جميع شعوب الأرض، ويجعلك الشعب المختار"، و "يقف الأجانب يرعون أغنامكم، أما أنتم – بني إسرائيل- فتدعون كهنة الرب تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتآمرون".
لم تقتصر الأصولية اليهودية التاريخية السابقة على تحريف التوراة والتلمود على أيدي زعماء الطائفة من الحاخامات, الذين أنكروا على اليهود الحق في كل أنواع التعليم (باستثناء التلمود والصوفية اليهودية), فدراسة جميع اللغات الأخرى كانت محرمة بصرامة عليهم , وكذلك دراسة الرياضيات والعلوم والجغرافية والتاريخ، بل جاء الحاخامات المعاصرون "الحاليون" ليترجموا هذه العقائد إلى سياسات ممارسة بعد إنشاء دولة إسرائيل، "فيجوز قتل العرب حتى نسائهم وشيوخهم وأطفالهم"، و"العربي الجيد هو العربي الميت"، و "العرب ليسوا أكثر من أفاع وصراصير", "يجوز قتل الطفل العربي حتى لو كان رضيعا", "يجوز قتل النساء العربيات, حتى لو كنّ حوامل, من أجل منع إنجاب أطفال يلحقون الأذى ببني إسرائيل" ! ووصل الأمر بحاخام اليهود الشرقيين عوفوديا يوسف, أن أفتى بـ "أن المشي بين النساء العربيات كالمشي بين الحمير"!
دعوني أذكّركم بما نشرته صحيفة 'فولكسكرانت' الهولندية في 26 نوفمبر 2010، في مقابلة لها مع المخرج الهولندي جورج سلويتسر، وتناقلته في ما بعد وكالات الأنباء, من أنه (شاهد بأم عينيه أرييل شارون وهو يقتل بمسدسه طفلين فلسطينيين, على مدخل مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1982).. كذلك تصريحات نتنياهو وأيليت شيكيد وزيرة "العدل" الحالية, حين دعت أثناء العدوان على غزة 2014 إلى قتل الأطفال الفلسطينين (لأننا نعتبرهم ثعابين صغيرة" ودعت إلى تدمير البيوت فوق رؤوس الفلسطينيين وتهديم بنيتهم التحتية!, بالتالي ليس جديداً على الكيان اقتراف الجرائم ضد أطفال شعبنا، بل يوضح بما لا يقبل مجالاً للشك، الطبيعة النازية لهؤلاء المجرمين الفاشيين الصهاينة, حكومة وشارعا ومستوطنين, وممارسة التطهير العرقي بحق شعبنا وأمتنا. عداء اليهودي لا يقتصر على العرب والفلسطينيين والمسلمين جميعاً بل يتعداهم إلى السود جميعاً، ففي تعليقه على كارثة نيواورلينز (العاصفة ومن ثم الفيضانات التي اجتاحتها في نوفمبر عام 2010) حيث كانت أغلبية القتلى من السود، قال الحاخام الصهيوني لليهود الغربيين حينها, يونا متسجر( وُجهت إليه تهم التحرش الجنسي وتبييض الأموال والفساد): (هيا لنأتي بتسونامي ونغرقهم فهم لم يتعلموا قراءة التوراة). وعوفوديا يوسف (حاخام اليهود الشرقيين) هو على نفس الشاكلة!.
هذه الفتاوى للحاخامات تخرج وتندرج على ألسنتهم في العصر الحالي (القرن الواحد والعشرين), فـ "قتل اليهودي جريمة كبرى وواحدة من أسوا ثلاث خطايا", وحين يكون الضحية غير يهودي يختلف الوضع كلياً, فـ "اليهودي الذي يقتل غير يهودي فيجب أن لا تعاقبه أية محكمة"، "أما التسبب بموت غير اليهودي, فليس خطيئة على الإطلاق".
(من يريد الاستزادة في دعوة هؤلاء إلى قتل غير اليهود فليقرأ كتاب المؤرخ المتوفي إسرائيل شاحاك بعنوان"الديانة اليهودية، التاريخ اليهودي، وطأة ثلاثة آلاف سنة"، وكتب معينة.. لـ أرنولد توينبي, ايتيل مينون, إيلان بابيه, روجيه غارودي, آرثر كوستلر, نورمان فلينكشتاين وغيرهم كثيرون).
لكل ذلك رأينا الرقص الإسرائيلي على المأساة الفلسطينية في الحادثة المتعمدة بـ دهس 8 أطفال فلسطينيين وجرح العشرات (منهم كثيرون استشهدوا فيما بعد) في حادثة سير, والاصطدام المتعمد بالباص الذي يقلهم من قبل شاحنة إسرائيلية. على أثره امتلأت المواقع الإلكترونية الإسرائيلية بتعليقات الابتهاج والفرح الشديد من نمط "الحمد للرب على هذا القتل" و"الشكر للرب لأنهم فلسطينيون"، و"لماذا لم يموتوا كلهم"،و"في المرة التالية فلتتأكدوا تماماً من موتهم"، وعلى هذه الشاكلة الكثير الكثير من التعليقات. لكل ذلك نرى مذابح اليهود للفلسطينيين والعرب والمسلمين بدءا من مجزرة دير ياسين عام 1947 مرورا بـ مجازر: كفر قاسم, الطنطورة, السموع, قلقيلية, الحرم الإبراهيمي, بحر البقر, دفن الجنود المصريين أحياء في سيناء عام 1967, قانا الأولى, قانا الثانية, مجزرة الصنايع في بيروت عام 1982, وغيرها وصولا إلى المجازر بـ ,قتل الشهيد صبحي أبو جامع وابن عمه وهما حيين, قتل الفلسطينية الشهيدة دلال المغربي حيّة, حرق الطفل محمد أبو خضير حيا, وحرق الطفل الملاك والبدر علي الدوابشة وجرح والدته ووالده وشقيقه ابن الرابعة وإصابتهم بحروق من الدرجة الثالثة (أي قاتلة)!. قتل محمد الدرة في حضن والده وغير ذلك الكثير!.
كافة استطلاعات الرأي تبين بما لا يقبل مجالاً للشك: الامتداد الديني الأصولي اليهودي المتطرف في الشارع الإسرائيلي، وأحد استطلاعات الرأي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" تتوقع: أن حجم المتطرفين الإسرائيليين في عام 2025 في إسرائيل, سيبلغ 62% من سكانها اليهود. في المسيحية يوجد التيار الواسع الذي يُطلق عليه "الصهيو- مسيحية" أو "اليهو- مسيحية", وهو تيار منتشر في الغرب وعلى الأخص في الولايات المتحدة. هذا التيار يعتقد بوجوب دعم دولة إسرائيل والدفاع عن بقائها لأنه اشتراط إلهي من أجل أسباب دينية، ولذلك فإن هذا التيار الواسع كثيراً في أمريكا, يقدّم المعونات بكافة أشكالها ووسائلها لإسرائيل, بصورة أكبر مما تقدمه لها الحركة الصهيونية, فهو يملك آلاف الجمعيات والكنائس والفضائيات والإذاعات والصحف وكافة الوسائل الأخرى, من أجل دعم إسرائيل التي وإن اختلفت معه للأسباب الدينية البحتة، فإنها تسانده وتغذيه وتنتبه إليه, وتملك وتقيم أفضل الصلات مع زعمائه, ومن يريد الاستزادة في معرفة هذا التيار, فليقرأ كتاب د.يوسف الحسن والمعنون بــ "البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي-الصهيوني".
أيضاً فإن القس الأمريكي الذي مزّق القرآن الكريم, فإنما يعّبر عن ظاهرة التطرف والأصولية في المسيحية، كذلك هي الإساءات للنبي الكريم سواء عبر كاريكايتر أو مظهر آخر، فإنما يعّبر ذلك عن نزعة التظرف الأصولية لدى أصحابه.
وفقاً للكاتب برنارد لازار في كتابه القيّم "اللاسامية, تاريخها وأسبابها": فإن "اللاسامية" هي اختراع يهودي لأنهم يعتقدون بأن: اليهودية مشرّبة بخاصية "استثنائية معتنقيها", الاعتقاد بامتياز التوراة عن الكتب السماوية الأخرى, اعتقاد اليهود: بأنهم خارج الشعوب وفوق المجتمعات, اعتقاد اليهود "بأن كافة الأجناس الأخرى, أقل قدراً عند الله من اليهود" لذلك فهم فوق كل الشعوب.
وينهي الكاتب فقرته بالجملة التالية "إن هذه المعتقدات هي خاصية لظهور الشوفينية في الأديان". بالنسبة للتعاون بين الصهيونية (التعبير الحي عن اليهودية) فيكفي أن أقول عقدت اتفاقيتان بين الطرفين في ثلاثينيات القرن الماضي إلى جانب مساعدة الناوية وغوبلز تحديدا للحركة الصهيونية في كل مخططاتها!. والعلاقة بين الطرفين تستعرضها كتب ومؤلفات كثيرة, ولا مجال لاستعراض أو كتابة أسماء حتى القليل منها في مقالة قصيرة!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3003
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2895
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1068
| 05 مايو 2026