رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هناء محمد

معلمة مسار أدبي طفولة مبكرة 

مساحة إعلانية

مقالات

171

هناء محمد

هل العقاب ما زال وسيلة تربوية فعالة؟

06 أغسطس 2026 , 10:46م

لا يكاد يخلو بيت أو مدرسة من موقف يضع المربي أمام سؤالٍ يتكرر مع كل خطأ يرتكبه طفل أو مراهق: هل أعاقب؟ وإذا عاقبت، فهل سيُصلح العقاب السلوك أم سيترك أثرًا لا أراه اليوم؟

ظل العقاب لعقود طويلة إحدى أكثر الوسائل التربوية استخدامًا، حتى أصبح في نظر البعض مرادفًا للتربية الجيدة. لكن مع تطور الدراسات التربوية والنفسية، لم يعد السؤال: هل نعاقب؟ بل أصبح: كيف نُصحح السلوك دون أن نهدم شخصية الطفل؟

المشكلة ليست في وجود العقاب، وإنما في طريقة استخدامه، فالعقاب الذي يعتمد على الإهانة، أو الصراخ، أو الضرب، أو المقارنة بالآخرين، قد يوقف السلوك مؤقتًا، لكنه غالبًا يزرع الخوف، ويضعف الثقة، ويؤثر في العلاقة بين المربي والطفل.

في المقابل، فإن العقاب التربوي القائم على نتائج منطقية، وحدود واضحة، واحترام للطفل، يساعده على فهم مسؤولية أفعاله دون أن يشعر بأنه مرفوض أو قليل القيمة.

فالطفل الذي يعبث بألعابه يمكن أن يتحمل مسؤولية ترتيبها، والطالب الذي يهمل واجباته يتحمل نتيجة تقصيره بحرمانه من بعض الامتيازات، أما العقوبات التي تمس كرامته أو تقلل من شأنه، فإنها تعالج الخطأ بخطأ أكبر.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل مربٍّ على نفسه قبل أي عقوبة هو: هل هدفي أن أؤدب الطفل، أم أن أُفرغ غضبي؟ فهناك فرق كبير بين التربية وردة الفعل الأولى تبني، والثانية قد تهدم دون قصد.

كما أن الأطفال لا يتعلمون من العقاب وحده، بل من القدوة، والحوار، والتشجيع، والوضوح، والثبات في القواعد. فالطفل الذي يشعر بالأمان والاحترام يكون أكثر استعدادًا للاعتراف بخطئه وتعديله، بينما الطفل الذي يعيش في خوف دائم قد يتعلم إخفاء الخطأ بدلًا من تصحيحه.

إن التربية ليست معركةً بين المربي والطفل، وليست سباقًا لإثبات السلطة، بل رحلة طويلة هدفها إعداد إنسان قادر على اتخاذ القرار الصحيح حتى في غياب من يراقبه، وهذا لا يتحقق بكثرة العقوبات، وإنما بحكمة استخدامها، وربطها بالتوجيه والتعليم، حتى يفهم الطفل لماذا كان سلوكه خاطئًا، وكيف يستطيع أن يكون أفضل في المرة القادمة.

ويبقى العقاب وسيلة من وسائل التربية، لكنه ليس أولها، ولا أهمها، ولا أنجحها دائمًا، فالمربي الناجح لا يُقاس بعدد العقوبات التي يفرضها، بل بعدد القيم التي يغرسها، وبقدرته على تحويل الخطأ إلى فرصة للتعلم، لا إلى جرحٍ يبقى أثره طويلًا.

مساحة إعلانية