رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد تطرق سموه إلى كثير من قضايا المنطقة والعالم لكني أحب في هذا المقال تسليط الضوء على ثلاث قضايا فقط، لاعتبارات عديدة منها أن تناوله لها كان غنيا بالمواقف، فيه شجاعة واضحة، وبعد عن المجاملات المعتادة من الآخرين، وتشخيص دقيق وجاد.
الأولى: القضية الفلسطينية التي تهمنا جميعا، والتي تمر اليوم في مأزق شديد، بسبب اعتداءات الإسرائيليين المتكررة على المسجد الأقصى، فقد كان سموه واضحا وصريحا للغاية، وكان مما قاله:
قال: «وتظل القضية الفلسطينية قضية شعب شرد من أرضه، شعب واقع تحت الاحتلال، ولا يمكن تأجيل حلها العادل والدائم لجيل تال».
«وفي هذه الظروف ثمة واجب دولي لا يمكن التهرب منه تجاه آخر مسألة استعمارية مفتوحة في التاريخ الحديث».
«انظروا إلى ما يجري في القدس! قوى دينية سياسية متطرفة تعتمد على تفسيرات حرفية لنصوص عمرها آلاف السنين من أجل تدنيس مقدسات شعب آخر واحتلال أرضه والاستيطان عليها، أليست هذه أصولية دينية؟ أليس هذا العنف إرهابا تقوم به قوى دينية متطرفة».
«اسمحوا لي أن أوجه إلى أركان المجتمع الدولي عموما رسالة بأن استمرار القضية الفلسطينية دون حل دائم وعادل يعد وصمة عار في جبين الإنسانية».
«يتوجب على المجتمع الدولي ممثلا في مجلس الأمن القيام بمسؤولياته، باتخاذ موقف حازم يلزم إسرائيل باستحقاقات السلام».
ومن دون شك بدا سموه من خلال خطابه أنه كان لفلسطين ولشعبها أكثر من المسؤولين المعنيين بها رسميا، وتفوق خطابه على خطابهم بدرجات كبيرة.
الثانية: قضية العراق، لأنها دائما ما يتم تجاهلها من قبل الحكام مجاملة للولايات المتحدة الأمريكية التي غزته وفرضت على شعبه حكومات فاسدة، وبدعم مباشر من إيران.
خسر العراقيون حتى الساعة أكثر من مليوني شهيد، ومئات المليارات ولديهم ما يقرب من عشرة ملايين مهجر، واحتلاله وما يجري فيه أخل بالميزان الاستراتيجي للمنطقة، وبدأ الضرر يطال الجميع القريب والبعيد، ومع ذلك يتجاهله الحكام والزعماء، ولا يتطرقون إليه، وأذكر أننا كعراقيين في كل مناسبة نصغي باهتمام إلى هذا الحاكم أو ذاك، عسى أن يمر بالذكر على محنتنا، أو يشير إلى عذاباتنا، لكن للأسف دائما كنا نحبط، لأن الجميع يُذكر على الألسن سوانا، وتستعرض كل المصائب إلا مصيبتنا، وكأننا خارج العالم.
حين يقوم سموه، وهو أصغر الزعماء سنا، بالقفز على هذا الواقع الأليم ويخص العراق ومعاناته بالذكر، ويتكلم بتفصيل مفيد في سبيل مداواة جراحه، فإن الإنصاف يقتضي منا نحن العراقيين في أقل تقدير أن نثمن موقفه، وندعو له، ونحييه إجلالا وتقديرا.
وسموه في هذا الصدد لم يفعل كما يفعل الآخرون إذا اضطر أحدهم للحديث عن العراق ألقى إلى الحضور بكلمة سريعة، وهو يرمق الرئيس الأمريكي مخافة أن تبدو عليه ملامح الانزعاج، بل تكلم بشكل واضح وتفصيلي، وجريء، فقال:
«وبالنسبة للشأن العراقي، فإن استقرار العراق يتطلب توافقاً وطنياً عاماً بمنأى عن أية تدخلات خارجية وبمعزل عن أية تفرقة، طائفية كانت أم عرقية ونأمل أن تتمكن الحكومة العراقية من الوفاء بمقتضيات الوفاق والمصالحة بين مختلف مكوّنات الشعب العراقي.
لقد أثبتت التجربة في العراق واليمن أن حالة الميليشيات خارج الشرعية لا تهدّد الدولة بحكم تعريف الدولة وحقها الحصري في تشكيل قوات مسلحة فحسب، بل هي حرب أهلية كامنة تتحول إلى حرب أهلية فعلية عاجلا أم آجلا. وإن أي حل سياسي في العراق أو اليمن أو سورية أو ليبيا يجب أن يتضمن إنهاء الحالة الميليشياوية خارج مؤسسات الدولة الشرعية. وهذا مكوّن رئيس في أية تسوية جدية، فبدونه لا تستقر التسويات، ولا تغدو حلولا حقيقية.
ويجب أن تنتبه القوى السياسية في منطقتنا إلى ظاهرة خروج آلاف الشباب في أكثر من دولة عربية مؤخرا للمطالبة بالمواطنة أساسا للشراكة، رافضين تمثيلهم على أساس طائفي، وأن يشكلَّ التمثيل الطائفي غطاءً للفساد».
أما القضية الثالثة فهي الإرهاب، التجارة الرابحة لدول العالم الكبرى، فدائما ما يتناول المتحدثون هذا الموضوع بطريقة يظهرون فيه حماسهم في الحرب عليه، وينعتونه بأبشع الصفات، وكأنهم كلما زادوا عليه في الألقاب السيئة، استجلبوا المزيد من رضا المجتمع الدولي، والقوى الكبرى عليهم، حتى باتت المجاملات في هذا الملف سمجة، وثقيلة على النفوس، لكن سموه خرج على المعتاد وتناول هذا الملف بكل موضوعية، وقال فيه كلمته بكل اعتدال وإنصاف وأكد أن من يريد أن يقف بوجه الإرهاب فعليه أن يعالج أسبابه، وكان مما قاله: «تضع ظاهرة الإرهاب بعواقبها الوخيمة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية خطيرة أمام الدول والشعوب»، «ساهم تقاعس المجتمع الدولي عن التصدي لبؤر التوتر والصراع في تهيئة البيئة الراعية لتنفيذ العمليات الإرهابية». «فالإرهاب مصدره أفكار متطرفة لا تقبل أي حل وسط مع واقع الناس وإمكاناتهم وهو ينتعش في ظروف اليأس وانسداد الأفق». «لم ينشأ الإرهاب في منطقتنا في ظل سياسات تضمن للمواطنين العيش بكرامة وحرية، بل نشأ في ظل الاستبداد، وتغذّى على القمع والإذلال، وراكمَ الحقدَ والكراهية من التعذيب في السجون، واستفاد من فقدان الأمل من العمل السياسي السلمي».، «والحقيقة أن سلوكَ القوى المؤثرة في المجتمع الدولي أصبح يشوّشُ تصورات الناس بدلا من أن يساهم في توضيحها».
«لقد فرض تزايدُ ضحايا العمليات الإرهابية التعاملَ مع الإرهاب بالقوة العسكرية، ونحن نؤكد التزامنا بمكافحة الإرهاب، ولكن حتى في أقسى الظروف لا يجوز تجاهل الأسباب الكامنة وراءه، وإلا فسوف تكون النتيجة تفاقم الظاهرة وزيادة انتشارها».
إنني أحيي من صميم قلبي سموه على كلمته الرائعة في هذا المحفل الدولي، واجد فيها بارقة أمل، عسى أن يتحقق الأمل كله، فينضم إلى هذه القافلة، جميع الحكام العرب والمسلمون، ويكونون صوتا واحدا في المطالبة بحقوق شعوبهم، والدفاع عنها، ويدا واحدة على من سواهم، يومها لن تجرؤ الدول على المساس بنا، والنيل منا أبدا.
ولا يسعني في خاتمة هذا المقال إلا أن أقول بلهجة صادقة: شكرا لك سمو الأمير تميم.. خطابكم أثلج الصدور.. ويستحق منا كل ثناء وتقدير.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12177
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10662
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026