رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الكلفة الاقتصادية للربيع العربي ليست مرتفعة الثمن بالنظر لحجم الاقتصاد العربي من جهة والإيجابيات المتوقعة من التغيير بعد استتباب الأمور. والإشارة هنا للدراسة التي أعدتها شركة جيوبوليسيتي لاستشارات المخاطر السياسية لصالح صندوق النقد الدولي حول التداعيات الاقتصادية السلبية منها والإيجابية بالنسبة للربيع العربي.
حسب الدارسة المستفيضة والمدعمة بالأرقام، تقدر كلفة الربيع العربي بنحو 56 مليار دولار حتى شهر سبتمبر 2011. في التفاصيل، تتوزع التكاليف ما بين 21 مليار دولار على شكل انخفاض لقيمة الناتج المحلي الإجمالي من جهة وتآكل المالية العامة بقيمة 35 مليار دولار عبر انخفاض الإيرادات وارتفاع التكاليف من جهة أخرى.
وتتوزع الخسائر على النحو التالي: سورية 27.3 مليار دولار، ليبيا 14.2 مليار دولار، مصر 9.8 مليار دولار، تونس 2.5 مليار دولار، البحرين 1.1 مليار دولار وأخيرا اليمن مليار دولار.
سورية وليبيا الأكثر تضررا
خسائر الاقتصاد السوري هي الأعلى وذلك على خلفية الضغوط العالمية المتنوعة والمتنامية التي يتعرض لها نظام الرئيس بشار الأسد بالنسبة لطريقة التعامل مع الاحتجاجات.
وقد بلغ الضرر بعض القطاعات الحيوية مثل النفط في ظل توجه بعض الدول الغربية بمقاطعة شراء النفط السوري على الأقل بشكل مباشر.
كما يواجه القطاع المالي بعض الضغوط نتيجة القيود المطبقة على العمليات المصرفية للبنك المركزي السوري من قبل المؤسسات المالية الغربية.
وفيما يخص ليبيا، فقد ألحقت المعارك أضرارا مادية بالاقتصاد الوطني بالنظر لشمولية المعارك التي دارت في هذه البلاد المترامية الأطراف.
تبلغ مساحة ليبيا 1.7 مليون كيلومتر مربع ما يضعها في المرتبة رقم 17 على مستوى العالم من حيث المساحة. وقد تسببت المعارك في الحد من مستوى الإنتاج النفطي وبالتالي حرمان الميزانية العامة من إيرادات مهمة وما لذلك من تداعيات سلبية على الصرف ونمو الناتج المحلي الإجمالي. حقيقة القول، تنتج ليبيا نحو 1.7 مليون برميل يوميا أي 2 في المائة من حجم الإنتاج العالمي للنفط. الأمل كبير بأن يستتب الأمن في ربوع ليبيا بعد انتهاء حقبة القذافي.
خسائر أم الدنيا
وبالنسبة لمصر، فقد تسببت الاضطرابات في تدني الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.2 في المائة فضلا عن انخفاض إيرادات الخزانة العامة لأسباب منها حصول تراجع في عدد الزوار القادمين لأرض الكنانة خوفا من الوقوع في أعمال العنف.
ويعد قطاع السياحة حيويا بدليل تحقيقه عائدا اقتصاديا قدره 13 مليار دولار في 2010 وبالتالي يعد مصدرا مهما للحصول على العملة الصعبة للتعامل مع التحديات التي تواجه الاقتصاد مثل المديونية الخارجية.
بدوره، فقد الاقتصاد التونسي نحو ملياري دولار أي أكثر من 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد حيث شملت التداعيات العديد من القطاعات الاقتصادية بما في ذلك السياحة والصيد.
لكن يتوقع حدوث تحسن نوعي بالنسبة للآفاق الاقتصادية للبلاد بعد نجاح تجربة انتخاب مجلس تأسيسي في الأسبوع الماضي.
بالنسبة للبحرين، فقد خسر الاقتصاد الإيرادات المتعلقة بسباق الفورمولا واحد لموسم 2011.
وتشتهر الفعالية بتحقيقها مكاسب اقتصادية بالنسبة للعديد من القطاعات مثل المواصلات والضيافة.
إضافة إلى ذلك، تأثر قطاع الفعاليات نظرا لانتقال بعض الفعاليات لدول أخرى وتأجيل البعض الآخر.
من جملة الفعاليات، تم إلغاء النسخة الثامنة من حوار المنامة والذي كان من المزمع عقده في شهر ديسمبر.
ويستقطب المؤتمر عادة وزراء من مختلف دول العالم حيث قامت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بأول زيارة لها للبحرين في ديسمبر 2010 لإلقاء الكلمة الرئيسية في النسخة السابعة من الفعالية.
وفيما يخص اليمن، يتداول حديث حول حصول تراجع في إيرادات الخزانة العامة بسبب حالة العنف في البلاد والتي ما زالت مستمرة دون مخرج واضح للأزمة الخانقة. بل توجد مخاوف من حصول نوع من مجاعة أو على أقل تقدير التدني في مستوى رفاهية الأطفال بالنظر لتداعيات الأزمة لطول مدة المعارك في ظل غياب وجود بنية تحتية متكاملة.
بعض إيجابيات الربيع
وفي كل الأحوال، لا يمكن اعتبار الرقم 56 مليار دولار كبيرا في قبالة حجم اقتصادات الدول العربية، حيث تقدر قيمة الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بنحو 450 مليار دولار وتليها الإمارات بنحو 270 مليار دولار. بل لا بد من إضافة الإيجابيات المرتبطة بالربيع العربي من حيث ارتفاع أسعار النفط الأمر الذي يهم الدول المنتجة للنفط والتي تعتبر الأكبر بين اقتصادات الدول العربية. فحسب تقرير مؤسسة جيوبوليسيتي تم تحقيق محصلة إجمالية في حدود 39 مليار دولار في الشهور التسعة الأولى من العام 2011 وذلك على خلفية ارتفاع الإيرادات وبالتالي نفقات الدول المصدرة للنفط.
كما توجد إيجابيات متنوعة أخرى للربيع العربي من قبيل حصول نتائج تشمل تعزيز الشفافية بالنسبة لإيرادات ونفقات المالية العامة والحد من مستويات الفساد المالي والإداري على خلفية المراقبة المرتقبة للحكومات من المجالس المنتخبة. بل من شأن مشاركة المجتمع عبر ممثليهم في صنع القرارات تبني أفضل الخيارات والقرارات بدل الصرف على أمور لا تعد من الضروريات مثل النهر العظيم في ليبيا.
أيضا هناك موضوع الدعم الغربي لدول الربيع العربي خصوصا ليبيا والتي جاء التغيير فيها عبر حلف الناتو. لكن لا يمكن توقع الكثير من المساعدات المالية على الأقل على المدى القصير نظرا للأزمة المالية التي تمر بها دول منطقة اليورو ومعضلة المديونية في الولايات المتحدة.
ختاما، يحدونا الأمل بأن تنجح الدول العربية بتعزيز موقعها على خارطة الاقتصاد العالمي ومعالجة التحديات الاقتصادية المختلفة. بل لا يوجد بديل بالنظر للزيادة المضطردة في عدد سكان الدول العربية من قرابة 340 مليون نسمة جلهم من الشباب إلى 500 مليون نسمة في العام 2025.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
4203
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3999
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1443
| 05 يوليو 2026