رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكدت الأزمة السياسية الأخيرة في «حزب نداء تونس»، أنها ليست أزمة ناجمة عن خلافات أيديولوجية وسياسية أو خلافات في البرامج والخيارات الاقتصادية، بقدر ما هي صراعات وحرب مواقع حول «التموقع» المستقبلي سواء للأفراد أو للتيارات التي تشكل هذا الحزب.
وتنذر هذه الأزمة الداخلية في حزب «نداء تونس» بتفككه على ضوء انقسامه إلى جناحين، واحد مؤيد للسبسي الابن والثاني مؤيد لمحسن مرزوق أمين عام الحزب.
ويبدو أن الرئيس التونسي الذي نجح في جمع الدستوريين في حزب علماني هو النداء وخاض به الانتخابات التشريعية والرئاسية وفاز فيهما، يجد نفسه اليوم بين نارين فإما أن يضحي بابنه نائب رئيس الحزب أو بأمينه العام مرزوق وهو أيضا من المقربين منه، والذي يضع نصب أعينه أن يصبح رئيساً في قصر قرطاج.
وتكمن خطورة أزمة حزب«نداء تونس» في التداعيات التي ستتركها على صعيد عمل مؤسسات الدولة في ظل تجربة ديمقراطية هشة، وعلى صورة تونس، وعلى الاستحقاقات الانتخابية القادمة، التي من دون شك ستكون سلبية. فمن تداعيات هذه الأزمة داخل حزب «نداء تونس»، سيناريو حدوث الانقسام في كتلته البرلمانية (86 نائباً)، فإذا ما انقسم الحزب إلى قسمين، أصبحت الكتلة الممثلة له أقل عددا من الكتلة الثانية (حركة النهضة 69 نائبا)، وسيشهد المشهد البرلماني آنذاك انقلابًا جذريًا.
فالمشهد البرلماني بنيت هيكليته وموازين القوى فيه على تراتبية واضحة وحلف بين الأحزاب الأربعة(النداء، والنهضة، واتحاد الوطني الحر، وآفاق تونس) مما شكل أغلبية مهمة مكنت الحكومة من الحصول على رقم قياسي من الأصوات بلغ 166 صوتًا، بيد أن هذا الرقم أصبح قابلاً للقسمة بعدما تشبث عدد من نواب نداء تونس (أكثر من 30) بالخروج من كتلة النداء وتشكيل «كتلة موازية»، ولئن كان قرارهم المبدئي الإبقاء على موقفهم الداعم للحكومة، فإن فرضيات التقارب مع أحزاب أخرى بدأت تتأكد بشكل تصاعدي.
ويمكن أن يؤدي الانشقاق إلى انسحاب إحدى الكتلتين من الأغلبية، وتبقى رغم ذلك الحكومة قائمة، وقد تتحول إلى حكومة أقلية وتواصل مهامها ولكن تكون في هذه الحالة حكومة ضعيفة سياسيا، ولكن ضعفها لن يؤثر على وجودها وعلى استمرارها. ويمكن أن يمتد تأثير الانشقاق في الكتلة البرلمانية لحزب «نداء تونس» نحو تركيبته التنظيمية، إذ من المحتمل أن ينشأ من صلب الأزمة حزب جديد يكون على شاكلة ظروف نشأة الحزب أي حزب«نداء تونس». وكان هذا التصدع الذي يعيشه حزب «نداء تونس» متوقعًا لأن قيادات الحزب هذا اجتمعوا حول الرفض لمشروع حزب« النهضة الإسلامي» ولم يجتمعوا حول مشروع وطني ديمقراطي واضح.
ويتهم يساريو حزب«نداء تونس»، التيار الدستوري الذي يستمد مرجعيته من الحزب الاشتراكي الدستوري الذي كان أسسه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في ثلاثينيات القرن العشرين والذي يقوده حافظ قائد السبسي، بأنه يسعى إلى جرّ الحزب إلى تحالف مع حركة النهضة وإلى تجريده من هويته كحزب ديمقراطي حداثي. فالجناح الذي يقوده حافظ قائد السبسي يعتمد على مجموعة من رجال الرئيس السابق بن علي، أي «الرافد التجمعي »المنتمين السابقين (لحزب التجمع)، داخل الحزب وضع حد لسيطرة اليساريين والنقابيين، الذين يشغلون اليوم أكثرية «المواقع القيادية العليا في الحزب»، وأن المنتمين السابقين للتجمع يرون في السبسي الابن «الحليف المناسب» لإنهاء سيطرتهم. وكذلك يسعى السبسي الابن إلى التقرب من حركة النهضة لتثبيت أقدامه.
والحال هذه، قد نكون أمام إعادة إنتاج «قضية» التوريث بإخراج جديد تبدأ على الصعيد الحزبي وقد تنتهي إلى قصر قرطاج الذي أبى بورقيبة أن يؤهل ابنه لدخوله رئيسا بعده، وحاول بن علي تأهيل زوجته وأحد أصهاره للإبقاء على الحكم في إطار"العائلة"، مسألة يتعين على «حزب نداء تونس »أخذها بعين الاعتبار. وهناك مخاوف حقيقية في تونس الآن من سعي الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي من تثبيت ابنه كوريث له في الحكم بالاستناد إلى أقلية محافظة.
فالرئيس الباجي قائد السبسي أصبح ماهراً للغاية في العلاقات العامة. فهو يجيد استخدام لغة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأسواق الحرة، فيما يُثابر على الحفاظ على الأدوات القديمة والاعتباطية في عملية اتخاذ القرار. وخلال ما بات يعرف بـ«الربيع العربي» في السنوات الخمس الماضية، سقطت الأنظمة العربية فيما يمكن تسميته «الجُمْهوريانيّة السُلالية»، وهو شكل من أشكال الحكومات يُترجم نفسه تقريباً بتعبير الإرْداف الخلفي: «الرئاسة الملكية»، هاهو الرئيس الباجي المنتخب ديمقراطيا، يريد أن يحافظ على الهيمنة العائلية على الحكومة التونسية، لكي تختصر الدولة التونسية إلى مجرد أدوات لتعزيز المصالح الخاصة والشخصية، بدلاً من تحقيق المصلحة العامة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2427
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1998
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
714
| 25 يناير 2026