رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ظل التغيرات الدراماتيكية المتسارعة التي تعصف بالأوضاع الجيوسياسية المتوارثة سواء في المنطقة أو عبر مناطق أخرى في عالم مضطرب لاسيما الدول التي تكاد تعصف بها هشاشة أسس تركيبتها الوطنية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ تبرز أهمية المنظومات الإعلامية في الحفاظ على الدولة الوطنية وحمايتها من رياح التغيير السلبي واندثارها في نهاية المطاف. وتمثل منظومات الإعلام الوطني قاسماً مشتركاً للتصدي لهذه التحديات حيث تؤدي أدواراً حاسمة في الإبقاء على شكل الدولة الوطنية، وهي أدوار قد تفوق في فعاليتها القوة العسكرية والمادية.
وتُعرف الدولة الوطنية بأنها تلك التي تقوم على أساس مشتركات معينة مرتبطة برقعة معينة من الأرض. والمواطنة فيها عهد يجمع بين شرائح هذا الوطن في ظل سلطة سياسية واحدة يمكن تسميتها بالدولة الوطنية. فالدولة الوطنية تطوير لخصوصيات معلومة اكتسبت وجوداً وظّفت للقيام بدور مفيد في تحقيق الأمن وسبل المعيشة وهي قد تضم طيفا ممتدا من وحدات قبلية وجهوية ودينية في نطاق وطني، بل وقابلة لضم أكثر من دولة وطنية في نظام تعاهدي. وما من شك في أن التوعية السياسية والتنمية الاقتصادية ودعم وتقوية اللحمة الاجتماعية، هي الأسس التي تقوم عليها الدولة الوطنية بمساعدة رافعة الإعلام. وربما كان الإصـلاح السّياسي عملية مستمرة وهو مفهوم يمثل العملية التي تهدف إلـى إعـادة بناء المجتمع سياسيا ومن ثمّ اقتصاديا واجتماعيا، بـحـيـث يصبح مواكبا لكل الـتـطـورات والـتـغـيـرات الـمـسـتـمـرة داخليا وإقليميا ودوليا ومحصنا ضد ما هو سلبي منها.
وعادة تـوصـف العلاقة بين النظامين السّياسي والإعلامـي بأنها عـلاقـة تأثير مـتـبـادل، لكن حجم التأثير يختلف بين الطرفين وفـق طبيعة العلاقة بينهما، ووفـق شكل النظام السّياسي ودرجـة الديمقراطية التي يتمتع بها، ودرجة الحرية السياسية التي يتمتع بها الإعلام في معالجة القضايا السّياسية والاجتماعية، ودرجـة استجابة النظام السّياسي لملاحظات وآراء وسائل الإعلام تجاه القضايا، وتجاه الأداء الحكومي لتلك القضايا. في ذات الوقت، ولكي تتمكن وسائل الإعلام من القيام بوظائفها السياسية في دعم وتطوير الديمقراطية، فلابد من توافر محددات رئيسة، وهي: القدرة على تمثيل الاتجاهات المختلفة داخل المجتمع؛ فمن الضروري أن تتاح لهذه الاتجاهات فرصة الوصول إلى الجماهير، وأن تعرض أفكارها دون أية قيود من السلطة الحاكمة. كذلك لابد أن تضطلع وسائل الإعلام بمهمة حماية مصالح المجتمع، إخبار الجمهور بأية إخفاقات قد ترتكبها مؤسسات السلطة. بالإضافة إلى مهمة توفير المعلومات لصالح الأفراد والمجتمع في الوقت نفسه، ومن خلال ذلك يتكامل دور وسائل الإعلام مع دور المؤسسات الأخرى مثل المنظومات التربوية والتعليمية. أما المحدد الرابع لتقوم وسائل الإعلام بوظائفها، هو المساهمة في تحقيق الوحدة الاجتماعية؛ فوسائل الإعلام تساهم عن طريق تقاسم المعرفة في تحقيق الوحدة والترابط في المجتمع تجاه البيئة الأساسية وقضاياها.
ولعل رفاهية الدول وتطورها وأمنها مرهون باستقرارها السّياسي، ولا يتحقق الاستقرار السياسي إلا بالوعي السّياسي لكل قطاعات المجتمع، قيادات وأفرادا. ولكون أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين السياسة والإعلام، فضلا عن مهمة الإعلام المرتبطة بإشاعة الوعي؛ فإن هناك مسؤولية تضامنية ثقيلة تقع على عاتق كل من النخبة السياسية لاسيما الحاكمة منها، ووسائل الإعلام. كما تجدر الإشارة إلى أن التناول الانطباعي لقضايا الإعلام بشكل عام، ينتج عنها صورة ذهنية سالبة قد تُحمّله وزر تشوهات النظام العربي، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن هناك اتفاقاً على أن الإعلام الذي يرزح تحت القيود السُّلطوية، فإنها بالضروة تشكّل عليه ضغوطاً سياسيةً واقتصادية تمنعُه من القيام بدوره التنموي في المجتمع.
ولعل التحدي الأكبر لوسائل الإعلام في دول المنطقة العربية عقب ما عرف بثورات الربيع العربي، ظل على الدوام هو البيئة السياسية المثخنة بالخلافات العميقة بين مكونات الطبقات السّياسية. ولذا قد يتفق الكثيرون مع الرأي القائل بأن حالة خطاب الكراهية الطائفية والعرقية والمذهبية والسياسية شكلت أحد أبرز الملامح في المنطقة العربية بعد ثورات الربيع العربي، إذ بدا أن تلك الكراهية تفسر جانباً من التعثرات والتقلبات السّياسية في المراحل الانتقالية التي طغت عليها سمات عدم التوافق السياسي بين الكتل والتيارات السياسية، وتنامي نزعات الانتقام، والإقصاء المتبادل فيما بينها، بل والحشد على أرضية كراهية الآخر المختلف سياسيا أو عقائديا أو مذهبيا أو مناطقيا، أضف إلى ذلك، عدم التورع عن تكفير الآخر السياسي، ونزع الوطنية.
والدولة لا تنضج بدون إعلام يعي ما له وما عليه، ولا يتأتى ذلك إلا بمرجعية سياسية تؤمن بالعمل الإعلامي باعتباره قريناً أساسياً لعمل الدولة، بل هو وجهها وأيقونتها في زحمة التنافس والمغريات. والسياسة الإعلامية الحديثة تقوم على أساس الصدق في المعلومة، والتواصل المستمر والمنتظم مع الناس، والحوار الذي يسمح بالاختلاف، والسماح للآراء المختلفة والمخالفة بالتعبير عن نفسها بحرية، وعدم البخل في تقديم المعلومة المفصلة لشرح وجهة نظر مؤسسات السلطة.
وما لم تنجح المنظومة الإعلامية في الدولة الوطنية في ترسيخ مفهوم قبول الآخر فإنه يفشل في مهمته الأساسية. وربما كان قبول الآخر ليس أكثر من عملية تواصلية وحوارية، وبالتواصل تتراكم المعرفة ويزداد تبادل الخبرات وتتنوع التجارب لدى الأفراد، فالحوار يثري الذكاء عبر عملية متبادلة وعلاقة تكافؤية تبتعد تماما عن المعادلة الصفرية المعتلة. فعلى مستوى الدولة الوطنية فإن مفهوم قبول الآخر بين الكيانات والفعاليات السياسية يرسخ لتداول السلطة وتقنين ظاهرة الاختلاف كظاهرة طبيعية في السياسة. ومن ثمّ تحقيق هدف النظام السياسي وهو حفظ الدولة والمجتمع من التفكك عبر آلية التداول السلمي للسلطة. مع الإشارة إلى أن غياب هذا المفهوم يجعل المعادلة الصفرية حاضرة في العلاقات بين أطراف الوطن الواحد من خلال سرقة أحد الأطراف لحقوق طرف آخر، فتكون سببا للانقلابات والصراعات إما بقصد استعادة حقوق أو بقصد الاستحواذ.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2583
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026