رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتحدث صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، عن أهمية التوعية بالتوحد، والسماح لجميع الأطفال بالوصول إلى إمكاناتهم الكاملة.
إنّه صباح يوم الثاني من أبريل، وهو اليوم نفسه الذي أعلنت فيه منظمة الأمم المتحدّة اليوم العالمي للتوعية بالتوحد، ومن المقرّر أن أقوم بزيارةٍ إلى أكاديمية ريناد، وهي مدرسة متخصصة بتوفير الخدمات التعليمية للأطفال ذوي التوحد. وقد اتخذّت أكاديمية ريناد اسمها من زهرةٍ تنمو في بيئتنا الصحراوية القطرية.
صائمةٌ أنا ومتعبة بسبب قلّة ساعات النوم في ليالي رمضان المباركة التي نُحييها حتى الفجر. وصلتُ مُنهكةً إلى أكاديمية ريناد وفي ملامحي بعض من الشحوب. لكنّ فورَ دخولي صفوف الروضة بالأكاديمية: ارتفع مستوى الطاقة في عروقي.
الأطفال منشغلون بهواياتهم، يملؤون كل مساحات الفصل، ولا يكادون يستمعون إلى معّلمهم الذي حاول تنبيههم بوجود ضيف غريب في فصلهم. تجنّب البعض منهم النظر إلينا، فيما استقبلنا آخرون بنظرات فضولية بريئة.
اخترتُ كرسياً صغيراً من كراسيهم، وجلستُ بين طالبين، لعلّي أنجحُ في إشراكهما معي بالمحادثة. وكانت هيا الأكثر انفتاحًا بينهما، إذ شاركتني اهتماماتها فوراً، ولعبتها المفضّلة أيضاً، وحتى تفاحتها. لقد أَسرَت هيا قلبي بغفلةٍ، وارتفع مستوى الطاقة لديّ بثوانٍ. سألتُها عن رغبتها بالانضمام إليّ في جولة داخل الأكاديمية، لم تتردّد، ومسكت يدي ببساطة، ووقفت على أهبّة الاستعداد لننطلق معاً في جولة داخل أكاديمية ريناد.
منذ فترة وجيزة، كان الوعي باحتياجات الأطفال ذوي التوحد حول العالم مثل هيا وزملائها في الصفّ ضعيفاً، وقد عُوملتْ أول حالة بطريقة تقليدية، عندما أُرسل الأمريكي دونالد تريبليت، وهو أول طفل شُخِّصتْ حالته آنذاك بالتوحد، إلى مؤسسة تربوية خاصة، لأن أُسرته لم تتمكن من فهم سلوكياته وخصوصياته، وإن كانت قصّته قد تحوّلت إلى مصدر إلهام وسعادة لمَن حوله، إلا أنه مع الأسف لم يكن هذا حال الكثيرين حول العالم.
تحثّنا مبادئنا الإنسانية على اكتشاف القدرات التي يمتلكها ذوو التوحد، إلا أنّ مجتمعاتنا تحاصر قدراتهم، وتضعهم في مقارنة تعتمد معايير وتصورّات هامشية، ولأن قدرتهم على اللعب والإنجاز مختلفة عن أقرانهم بسبب التوحد، لم يُسمح لهم بالدخول إلى ساحة اللعب حيث تعرّض العديد منهم للتنمّر، وحُرموا من تلقّي التعليم الشامل، ومن المشاركة في أنشطة تعليمية وترفيهية خارج المناهج الدراسية، وتُركوا إلى مصيرهم في حياة كانت مليئة بإمكانات لم يستفيدوا منها، وجُرّدوا من فرصتهم في الإسهام ببناء مجتمعاتهم.
لهذه الأسباب، افتتحنا مركز الشفلح للأشخاص ذوي الإعاقة عام 1999، وأكاديمية ريناد عام 2016، وأطلقنا العديد من البرامج المتخصصة التي تُعنى بتلبية احتياجاتهم. ومن هذا المنطلق أيضاً، اقترحنا عام 2007 على الأمم المتحدة تخصيص يومٍ عالمي للتوعية بالتوحد، ومضينا قدماً في جهودنا، لتكون قطر الدولة المضيفة الأولى لبطولة كأس العالم لكرة القدم التي وفرّت غرفاً حسية مخصصة لذوي التوحّد، وتجاوزنا هذا التحدّي في ملاعبنا.
وقد جاءت هذه المساعي استكمالاً لجهود دولة قطر ضمن الخطة الوطنية للتوحّد التي أُطلقت عام 2017، ووضعت إطاراً شاملاً ومتكاملاً، فما أن تُشخّص حالة التوحد، يتحقق التواصل بين أُسرة الطفل ومختلف الجهات المعنية التعليمية والصحية والاجتماعية، وذلك من أجل ضمان حصولهم على الدعم والمساندة، وإرشادهم إلى المرافق والخدمات المتوفرة هنا.
ولطالما آمنّا أنّ التدخل المبكر هو الأساس لإحداث التغيير الإيجابي ولبناء المستقبل الذي نتطلع إليه، وهذا ما نسعى إلى تحقيقه في دولة قطر. وكدولة صغيرة الحجم من حيث المساحة الجغرافية والتعداد السكّاني، نمتلك القدرة على توثيق الروابط وتطويرها بين مزّودي الخدمات الصحية في التشخيص والعلاج والدعم، وإجراء البحوث والتحليلات المبنية على الروابط الجينية، بما يُمكننا من توفير الدعم لذوي التوحد ومتابعتهم في كلّ مراحل حياتهم.
ولهذه الغاية، نعمل اليوم على تطوير برنامج متكامل يشمل التعليم والبحوث والرعاية الصحية البدنية والنفسية والبحوث الجينية بغيةَ استكشاف جينات جديدة ورؤى علمية مستنبطة من الخصائص السكانية بما يُمهِّد الطريق لاعتماد استراتيجيات مبتكرة وفاعلة في التدخل المبكر، بالإضافة إلى عملنا المستمر مع الباحثين للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، وتقنيات الاستشعار الحديثة، وتحقيق الرصد عن بُعد، وإجراء التقدير الكمّي لعدد الأطفال ذوي التوحد.
وفي هذا السياق، تُشير الإحصائيات الحالية إلى أن نسبة الأطفال ذوي التوحد في مكان ما من هذا العالم هي 2%، والعدد في ازدياد. ويعود ذلك على الأرجح إلى استخدام تقنيات التشخيص الأكثر دقة. وفي قطر، تُشير البحوث إلى أنّ من بين كلّ 87 طفلاً، هناك طفل واحد من ذوي التوحد. لذا، من الضروري أن نضمن التشخيص المبكر للأطفال، لأنه سيساعدنا في توفير الفرص لهم للحصول على التعليم بما يُلبي احتياجاتهم الفردية.
التوحّد ليس مرضاً، إنما حالة يتعايش معها الإنسان طوال حياته، ويمكن التحكّم بمدى تأثيرها على حياتنا، إذا تقبّلنا الاختلاف وتكيّفنا معه. وإن إدراك قدرات طفلة مثل هيا وما تحمله في شخصيتها من مهارات يمثّل الخطوة الأولى نحو تمكينها لتستحقّ دورها ومكانتها الملائمة في مجتمعنا.
لقد رافقتني هيا أثناء ذهابي لحضور جلسة نقاشية مع خبراء ومتخصصين في هذا المجال، عقدناها بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بالتوحد، حيث ناقشنا إنجازات دولة قطر والتحديات التي تواجهنا في تلبية احتياجات الأطفال ذوي التوحد مثل هيا، ودعم أولياء أمورهم، وكلّ من يتعاملون مع ذوي التوحد من معلّمين، وخبراء، ومرشدين.
ترددت هيا كثيراً في مغادرة القاعة قبل بدء الجلسة، لكنّ معلّمها أقنعها بالعودة إلى نشاطها المفضل داخل الفصل الدراسيّ وهو التلوين. هيا الصغيرة محظوظة لأن حالتها شُخّصتْ بمرحلة مبكرة، وهي حريصة على الذهاب إلى مدرستها التي صُممت بعناية لها وللأطفال الآخرين ذوي التوحد، ولا أقول لأطفال «مثلها»، لأن كلّ طفل «مختلف» وكلّ طفل فريد من نوعه. وهذا ما تُجسده البيئة التعليمية في ريناد، حيث لا ضغوطات لتحقيق الإنجازات أو تحقيق التشابه. فطلبة هذه الأكاديمية لديهم الحرية الكاملة ليكونوا على طبيعتهم، لأن من يعتني بهم يُدرك حقوقهم بالانتماء إلى المجتمع.
وإذا كانت رحلة هيا وطلبة أكاديمية ريناد سلسة بحصولهم على التعليم والاهتمام في ملاذٍ آمن، فحال الكثير من الأطفال ذوي التوحد حول العالم ليست كذلك. لكنّ الاعتراف الأممي باليوم العالمي للتوعية بالتوحد سيُساعدنا في التخلّص من التصورّات الخاطئة المُخبّأة لدى مجتمعات كثيرة سواء في قطر أو مناطق أخرى في العالم. وأتمنى أن تستمدّ بعض الأُسر من قصّة هيا، ومن الإعلان الأُممي، الشجاعة لاستكشاف أفضل المهارات التي يتحلّى بها أطفالهم، وأن لا يكون خيارهم هو إنكار حقيقة أن طفلهم «مختلف».
لقد كان احتضان هيا، بالنسبة إليّ، شيئاً مميزاً للغاية. ولن يكون حلمي بأنْ تفوز هيا وجميع الأطفال ذوي التوحد والمصابين بأيّ شكل من أشكال التنوع العصبي، وإنما أن يُسمح لهم بالدخول إلى ساحة اللعب، جنباً إلى جنب مع غيرهم من الأطفال، حيث يهتف لهم آباؤهم وإخوانهم وأخواتهم وكل أفراد أسرتهم، والمعلمون والمشجعون الذين من يحتاجون إلى دعمهم.
لكلّ طفل الحقّ في أن يُعامل بكرامة، وأن يتعلّم، وأن يُطلق إمكاناته الكامنة كلها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026